129 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا موسى بن عقبة عن نافع قال : وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي على راحلته ويوتر عليها ويخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله .

مطابقته للترجمة في قوله : " يصلي على راحلته " وقد ذكرنا أن لفظ الدابة في الترجمة يتناول الراحلة وغيرها .
وعبد الأعلى بن حماد مر في الغسل في «باب الجنب يخرج من المغتسل» ووهيب بضم الواو ابن خالد البصري ، وقد مر في كتاب العلم ، وموسى بن عقبة مر في إسباغ الوضوء .
قوله : " يصلي على راحلته " يعني في السفر ، وصرح به في الحديث الذي يأتي في الباب الذي بعده ، قوله : " ويوتر على راحلته " وقد احتج عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر بهذا الحديث وأمثاله على أن المسافر يجوز له أن يصلي الوتر على راحلته ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، ويروى ذلك عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وكان مالك يقول : لا يصلي على الراحلة إلا في سفر تقصر فيه الصلاة ، وقال الأوزاعي والشافعي : قصير السفر وطويله سواء في ذلك يصلي على راحلته ، وقال ابن حزم : يوتر المرء قائما وقاعدا لغير عذر إن شاء وعلى دابته ، وقال أصحابنا : لا يجوز الوتر على الراحلة ولا يجوز إلا على الأرض كما في الفرائض ، وبه قال محمد بن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي ، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في رواية ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي : حدثنا يزيد بن سنان قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا حنظلة بن أبي سفيان عن نافع " عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يفعل " وإسناده صحيح ، ويزيد بن سنان شيخ النسائي أيضا ، وأبو عاصم النبيل شيخ البخاري ، وحنظلة روى له الجماعة ، فهذا يعارض حديث الباب وأمثاله ، ويؤيد هذا ما روي عن ابن عمر من غير هذا الوجه من فعله ، رواه الطحاوي : حدثنا أبو بكرة قال : حدثنا عثمان بن عمر وبكر بن بكار قالا : حدثنا عمر بن ذر " عن مجاهد أن ابن عمر كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به ، فإذا كان في السحر نزل فأوتر " وإسناده صحيح ، وأخرجه أحمد أيضا في «مسنده» من حديث سعيد بن جبير " أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعا ، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض " فإذا كان الأمر كذلك لا يبقى لأهل المقالة الأولى حجة ، ولا سيما الراوي إذا فعل بخلاف ما روى فإنه يدل على سقوط ما روى .
( فإن قلت ) : صلاة ابن عمر الوتر على الأرض لا تستلزم عدم جوازه عنده على الراحلة لأنه يجوز له أن يفعل ذلك ، وله أن يوتر على الراحلة ( قلت ) : يجوز أن يكون ما رواه ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وتره على الراحلة قبل أن يحكم أمر الوتر ويغلظ شأنه ؛ لأنه كان أولا كسائر التطوعات ، ثم أكد بعد ذلك فنسخ ، قال الطحاوي : فمن هذه الجهة ثبت نسخ الوتر على الراحلة ، وكان ما فعله ابن عمر من وتره على الراحلة قبل علمه بالنسخ ، ثم لما علمه رجع إليه وترك الوتر على الراحلة ، ويجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوع فله أن يصلي على الراحلة وعلى الأرض .
( فإن قلت ) : ما وجه هذا النسخ ؟ ( قلت ) : بدلالة التاريخ ، وهو أن يكون أحد النصين معارضا للآخر بأن يكون أحدهما موجبا للحظر والآخر للإباحة ، وينتفي هذا التعارض بالمصير إلى دلالة التاريخ وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة ، فكان الأخذ به أولى وأحق .
وقال الكرماني : ( فإن قيل : ) فمذهبكم أنه واجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني الوتر ، ( قلنا : ) وإن كان واجبا عليه فقد صح فعله على الراحلة ، ولو كان واجبا على العموم لم يصح على الراحلة كالظهر ، فإن قالوا : الظهر فرض والوتر واجب وبينهما فرق ، ( قلنا : ) هذا الفرق اصطلاح لكم لا يسلمه الجمهور ولا يقتضيه الشرع ولا اللغة ، ولو سلم لم يحصل غرضكم ههنا . انتهى .
( قلت ) : الحديث رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع ، الوتر والنحر وركعتا الفجر " رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه والدارقطني والطبراني والبيهقي ، ولفظ البيهقي " ركعتا الضحى " بدل " ركعتي [7/140] الفجر ، وفي إسناده أبو جناب الكلبي واسمه يحيى بن أبي حية وهو ضعيف ، ولما رواه الحاكم سكت عليه ، ولئن سلمنا صحته وخصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجوبه ، فالواجب لا يؤدى على الراحلة ، ويحتمل أن يكون فعله على الراحلة من باب الخصوصية أيضا .
وقوله : لا يسلمه الجمهور كلام لا طائل تحته ؛ لأن الاصطلاح لا ينازع فيه ، وقوله : ولا يقتضيه الشرع أبعد من ذلك ؛ لأنه لم يبين ما المراد من اقتضاء الشرع وعدم اقتضائه ، وقوله : ولا اللغة ، كلام واه ؛ لأن اللغة فرقت بين الفرض والواجب ، ففي أي كتاب من كتب اللغة المعتبرة نص على أن الفرض والواجب واحد ، وهذه مكابرة وعناد ، وقوله : ولو سلم لم يحصل غرضكم ههنا فنقول : لو اطلع هذا على ما ورد من الأحاديث الدالة على وجوب الوتر وما ورد من الصحابة لما حصل له غرضه من هذه المناقشة بلا وجه .