بسم الله الرحمن الرحيم

ليست البسملة مذكورة في رواية أبي ذر .
باب التهجد بالليل

أي هذا باب في بيان التهجد بالليل ، وفي رواية الكشميهني من الليل ، وهو أوفق للفظ القرآن ، وفي بعض النسخ : كتاب التهجد بالليل .
( وقوله عز وجل : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ .

وقوله : بالجر عطف على ما قبله داخل في الترجمة ، وزاد أبو ذر في رواية أسهر به ، وحكاه الطبري كذلك ، وفي «كتاب المجاز» لأبي عبيدة ( فتهجد به ) ، أي : اسهر بصلاة ، يقال : تهجدت ، أي : سهرت ، وهجدت ، أي : نمت ، وفي الموعب لابن التياني عن صاحب العين : هجد القوم هجودا ناموا ، وتهجدوا ، أي : استيقظوا للصلاة أو لأمر ، قال تعالى : فَتَهَجَّدْ بِهِ أي : انتبه بعد النوم واقرأ القرآن ، وقال قطرب : التهجد القيام ، وقال كراع : التهجد صلاة الليل خاصة ، وعن الأصمعي هجد يهجد هجودا نام ، [7/165] وبات متهجدا ، أي : ساهرا ، وفي معاني القرآن للزجاج : هجدته إذا نومته ، وفي المحكم : هجد يهجد هجودا وأهجد نام ، والهاجد والهجود : المصلي بالليل ، والجمع هجود وهجد ، وفي الجامع : الهاجد النائم ، وقد يكون الساهر من الأضداد ، فأما التهجد فأكثر ما يكون يستعمل في السهر ، وأكثر الناس على أن هجد نام .
قوله : نَافِلَةً لَكَ النافلة الزيادة ، وذكر ابن بطال عن البعض : إنما خص سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنها كانت فريضة عليه ولغيره تطوع ، ومنهم من قال بأن صلاة الليل كانت واجبة ، ثم نسخت فصارت نافلة ، أي تطوعا ، وذكر في كونها نافلة أن الله تعالى غفر له من ذنوبه ما تقدم وما تأخر ، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في كثرة الثواب ، فلهذا سمي نافلة ، بخلاف الأمة فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات ، فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا في حق غيره ، وأما الذين قالوا : إن صلاة الليل كانت واجبة عليه قالوا : معنى كونها نافلة على التخصيص ، أي : أنها فريضة لك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ، وذكر بعض السلف أنه يجب على الأمة قيام الليل ما يقع عليه الاسم ولو قدر حلب شاة ، وقال النووي : وهذا غلط ومردود ، وقيام الليل أمر مندوب إليه وسنة متأكدة . قال أبو هريرة في صحيح مسلم : " أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل ، فإن قسمت الليل نصفين فالنصف الآخر أفضل ، وإن قسمته أثلاثا فالأوسط أفضلها " وأفضل منه صلاة السدس الرابع والخامس لحديث ابن عمرو في صلاة داود - صلى الله عليه وسلم - ويكره أن يقوم كل الليل لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : " بلغني أنك تقوم الليل . قلت : نعم ، قال : لكني أصلي وأنام ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ، ( فإن قيل ) : ما الفرق بينه وبين صوم الدهر غير أيام النهي فإنه لا يكره عند الشافعية ؟ قيل له : صلاة كل الليل تضر بالعين وسائر البدن بخلاف الصوم فإنه يستوفي في الليل ما فاته من أكل النهار ، ولا يمكنه نوم النهار إذا صلى الليل كله لما فيه من تفويت مصالح دنياه وعياله ، وأما بعض الليالي فلا يكره إحياؤها مثل العشر الأواخر من رمضان وليلتي العيد .
150 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاوس سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يتهجد قال : اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد نور السماوات والأرض ، ولك الحمد أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، وقولك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ، أو لا إله غيرك .

مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه من جملة التهجد بالليل .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة . الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : سليمان بن أبي مسلم المكي الأحول عبد الله خال ابن أبي نجيح ، وأبو مسلم يقال اسمه عبد الله . الرابع : طاوس بن كيسان اليماني . الخامس : عبد الله بن عباس .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري ، وسفيان وسليمان مكيان ، وطاوس يماني .
( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «الدعوات» عن عبد الله بن محمد ، وفي التوحيد عن ثابت بن محمد مرتين ، وعن قبيصة بن عقبة ، كلاهما عن سفيان الثوري ، وعن محمود عن عبد الرزاق ، كلاهما عن ابن جريج عنه به ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن عمرو الناقد ومحمد بن عبد الله بن نمير وابن أبي عمر ، ثلاثتهم عن ابن عيينة به ، وعن محمد [7/166] ابن رافع عن عبد الرزاق به ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، وفي النعوت عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة به ، وفي النعوت أيضا عن محمود بن غيلان وعبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى كلاهما عن يحيى بن آدم عن الثوري به ، وأخرجه ابن ماجه في «الصلاة» عن هشام بن عمار وأبي بكر بن خلاد ، فرقهما ، كلاهما عن ابن عيينة به .
( ذكر معناه ) قوله : " إذا قام من الليل يتهجد " ، وفي رواية مالك عن أبي الزبير عن طاوس " إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يتهجد " وظاهر الكلام أنه كان يدعو بهذا الدعاء أول ما يقوم إلى الصلاة ويخلص الثناء على الله تعالى بما هو أهله والإقرار بوعده ووعيده ، وفي رواية ابن عباس حين بات عند ميمونة أنه - صلى الله عليه وسلم - لما استيقظ تلا العشر الآيات من آخر آل عمران فبلغ ما شهده أو بلغه ، وقد يكون كله في وقت واحد وسكت هو عنه أو نسيه الناقل . قوله : " اللهم " أصله يا الله . قوله : " أنت قيم السماوات والأرض " ، وفي بعض النسخ " اللهم لك الحمد قيم السماوات والأرض " بدون لفظة أنت ، ولكنه مقدر في صورة الحذف ؛ لأن قيم السماوات والأرض مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو أنت ، وفي رواية أبي الزبير المذكور " أنت قيام السماوات والأرض " والقيم والقيام والقيوم بمعنى واحد وهو الدائم القيام بتدبير الخلق المعطي له ما به قوامه أو القائم بنفسه المقيم لغيره ، وقال الزمخشري : وقرئ القيام والقيم ، وقيل : قرأ بهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وقال ابن عباس : القيوم هو الذي لا يزول ، وقيل : هو القائم على كل نفس ، ومعناه مدبر أمرها ، وقيل : قيام على المبالغة من قام بالشيء إذا هيأ له جميع ما يحتاج إليه ، وقيل : قيم السماوات والأرض خالقهما وممسكهما أن تزولا ، وقرأ علقمة ( الحي القيم ) وأصله قيوم على وزن فيعل مثل صيب أصله صيوب ، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، وقال ابن الأنباري : أصل القيوم القيووم ، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلتا ياء مشددة ، وأصل القيام القوام ، قال الفراء : وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال ، يقولون للصواغ : صياغ ، قاله الأنباري في «الكتاب الزاهر» ، وقال قتادة : معنى القيم القائم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم ، وقال الكلبي : هو الذي لا بديل له ، وقال أبو عبيدة : القيوم القائم على الأشياء .
قوله : " أنت نور السماوات والأرض " ، أي : منورهما ، وقرئ ( الله نور السماوات والأرض ) على صيغة الماضي من التنوير ، وقال ابن عباس : هادي أهلهما ، وقيل : منزه في السماوات والأرض من كل عيب ومبرأ من كل ريبة ، وقيل : هو اسم مدح ، يقال : فلان نور البلد وشمس الزمان ، وقال أبو العالية : مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والأولياء ، وقال ابن بطال : " أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن " ، أي : بنورك يهتدي من في السماوات والأرض ، وقيل : معناه ذو نور السماوات والأرض .
قوله : " أنت ملك السماوات والأرض " كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " لك ملك السماوات والأرض " قوله : " أنت الحق " معناه المتحقق وجوده ، وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق ، ومنه قوله تعالى : الْحَاقَّةُ أي : الكائنة حقا بغير شك ، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية ولا ينبغي لغيره ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون معناه أنت الحق بالنسبة إلى من يدعى فيه أنه إله أو بمعنى أن من سماك إلها فقد قال الحق ، وإنما عرف الحق في الموضعين وهما " أنت الحق ووعدك الحق " ونكر في البواقي ؛ لأن المسافة بين المعرف باللام الجنسية والنكرة قريبة ، بل صرحوا بأن مؤداهما واحد لا فرق إلا بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها اللام معلومة للسامع ، وفي النكرة لا إشارة إليه ، وقال الطيبي : عرفهما للحصر ؛ لأن الله هو الحق الثابت الباقي ، وما سواه في معرض الزوال ، وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره ، والتنكير في البواقي للتعظيم . قوله : " ووعدك الحق " الوعد يطلق ويراد به الخير والشر كلاهما والخير أو الشر خاصة ، قال الله تعالى : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وليس في وعد الله خلف فلا يخلف الميعاد لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا إلا ما تجاوز عنه وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى وقيل في قوله : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ أي : وعد الجنة من أطاعه ووعد النار من كفر به ، ويحتمل أن يريد أن وعده حق بمعنى إثبات أنه قد وعد بالحق بالبعث والحشر والثواب والعقاب إنكارا لقول من أنكر وعده بذلك وكذب الرسل فيما بلغوه من وعده ووعيده .
قوله : " ولقاؤك حق " اللقاء البعث أو رؤية الله تعالى وقيل : الموت ، وفيه ضعف ، ورده النووي . قوله : " وقولك حق " ، أي : صدق وعدل ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : القول يوصف بالصدق والكذب ، يقال : قول صدق أو كذب ولهذا قيل : الصدق هو بالنظر إلى القول المطابق [7/167] للواقع والحق بالنظر إلى الواقع المطابق للقول . ( قلت ) : قد يقال أيضا : قول ثابت ، ثم إنهما متلازمان .
قوله : " والجنة حق والنار حق " فيه الإقرار بهما وبالأنبياء ، وقال ابن التين : فيه ثلاثة أوجه أحدها أن خبره بذلك لا يدخله كذب ولا تغيير ، ثانيها أن خبر من أخبر عنه بذلك وبلغه حق ، ثالثها أنهما قد خلقتا ، قوله : " والنبيون حق " بأنهم من عند الله . قوله : " ومحمد حق " إنما خص محمدا من النبيين ، وإن كان داخلا فيهم وعطفه عليهم إيذانا بالتغاير وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به ، فإن تغير الوصف ينزل منزلة تغيير الذات ، ثم جرده عن ذاته كأنه غيره فوجب عليه الإيمان به وتصديقه ، وهذا مبالغة في إثبات نبوته كما في التشهد .
قوله : " والساعة حق " ، أي : يوم القيامة ، وأصل الساعة القطعة من الزمان ، ثم أطلق على يوم القيامة فصار اسما لها ، وتأتي الوجوه المذكورة فيها ، ووجه ذلك أنه لما لم يكن هناك شمس ولا قمر ولا كواكب يقدر بها الزمان وسميت بالساعة ، ( فإن قلت ) : ما وجه إطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور وما وجه تكرار لفظ الحق ؟ ( قلت ) : أما وجه الإطلاق فللإيذان بأنه لا بد من كونها وأنها مما يجب أن يصدق بها ، وأما وجه التكرار فللمبالغة في التأكيد ، والتكرير يستدعي التقرير .
قوله : " اللهم لك أسلمت " ، أي : انقدت وخضعت لأمرك ونهيك واستسلمت لجميع ما أمرت به ونهيت عنه . قوله : " وبك آمنت " ، أي : صدقت بك وبما أنزلت من أخبار وأمر ونهي ، فظاهره أن الإيمان ليس بحقيقة الإسلام ، وإنما الإيمان التصديق ، وقال القاضي أبو بكر : الإيمان المعرفة بالله ، والأول أشهر في كلام العرب ، قال الله تعالى : وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا أي : بمصدق ، إلا أن الإسلام إذا كان بمعنى الانقياد والطاعة فقد ينقاد المكلف بالإيمان فيكون مؤمنا مسلما ، وقد يكون مصدقا في بعض الأحوال دون بعض فيكون مسلما لامؤمنا ، وقال الخطابي : المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال دون بعض والمؤمن مسلم في جميع الأحوال ، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا . ( قلت ) : البحث فيه دقيق ، وقد استوفيناه في «كتاب الإيمان» .
قوله : " وعليك توكلت " ، أي : فوضت الأمر إليك قاطعا للنظر عن الأسباب العادية ، ويقال : أي تبرأت من الحول والقوة وصرفت أمري إليك وأيقنت أنه لن يصيبني إلا ما كتب لي وعلي ففوضت أمري إليك ونعم المفوض إليه ، قال الفراء : الوكيل الكافي . قوله : " وإليك أنبت " ، أي : رجعت إليك في تدبير أمري ، والإنابة الرجوع ، أي : رجعت إليك مقبلا بالقلب عليك ، ومعناه رجعت إلى عبادتك .
قوله : " وبك خاصمت " ، أي : وبما أعطيتني من البرهان والسنان خاصمت المعاند وقمعته بالحجة والسيف . قوله : " وإليك حاكمت " ، أي : كل من جحد الحق حاكمته إليك وجعلتك الحاكم بيني وبينه لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية من صنم وكاهن ونار ونحو ذلك ، والمحاكمة رفع القضية إلى الحاكم . وقيل : ظاهره أن لا يحاكمهم إلا الله ولا يرضى إلا بحكمه ، قال الله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ وقال : أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ثم من قوله : " لك أسلمت " إلى قوله : " وإليك حاكمت " قدم صلات الأفعال المذكورة فيه للإشعار بالتخصيص وإفادة الحصر ، وكذلك في قوله : " ولك الحمد " في أربعة مواضع ، فافهم .
قوله : " فاغفر لي ما قدمت وما أخرت " إنما قال ذلك - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - مع أنه مغفور له لوجهين أحدهما للتواضع وهضم النفس والإجلال لله تعالى والتعظيم له عز وجل . الثاني : للتعليم لأمته ليقتدوا به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع والرغبة والرهبة ، والمغفرة تغطية الذنب ، وكل ما غطي فقد غفر ومنه المغفر . قوله : " وما قدمت " ، أي : قبل هذا الوقت وما أخرت عنه ، أمر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالإشفاق والدعاء إلى الله تعالى والرغبة إليه أن يغفر ما يكون من غفلة تعتري البشر ، وما قدم ما مضى ، وما أخر ما يستقبل ، وذلك مثل قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وقال أهل التفسير : الغفران في حقه يتناول من أفعاله الماضي والمستقبل .
قوله : " وما أسررت " ، أي : وما أخفيت ، " وما أعلنت " ، أي : وما أظهرت ، أو المعنى : ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني ، وفي التوحيد زاد من طريق ابن جريج عن سلمان " وما أنت أعلم به مني " وهو من عطف العام بعد الخاص .
قوله : " أنت المقدم وأنت المؤخر " قال ابن التين : أنت الأول وأنت الآخر ، وقال ابن بطال : يعني أنه قدم في البعث إلى الناس على غيره - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " نحن الآخرون السابقون " ، ثم قدمه عليهم يوم القيامة بالشفاعة بما فضله به على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فسبق بذلك الرسل .
وقال الكرماني : هذا الحديث من جوامع الكلم ؛ إذ لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجوهر وقوامه منه ، والنور إلى أن الأعراض منه ، والملك لما أنه [7/168] حاكم فيها إيجادا وإعداما يفعل ما يشاء ، وكل هذه نعم من الله تعالى على عباده ، فلهذا قرن كلا منها بالحمد وخص الحمد به ، ثم قوله : " أنت الحق " إشارة إلى المبدأ والقول ونحوه إلى المعاش والساعة إلى المعاد .
وفيه إشارة إلى النبوة وإلى الجزاء ثوابا وعقابا ، وفيه وجوب الإيمان والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله تعالى والاستغفار وغيره . انتهى . ويقال : وفيه زيادة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعظمة ربه وعظم قدرته ، ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه ، والاعتراف لله بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده ، وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - .
( قال سفيان : وزاد عبد الكريم أبو أمية : ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال سفيان : قال سليمان بن أبي مسلم : سمعه من طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) .

سفيان هو ابن عيينة المذكور في سند الحديث ، وقيل : هذا موصول بالإسناد الأول ، ووضع المزي على هذا علامة التعليق ، وأبو أمية كنية عبد الكريم بن أبي المخارق البصري ، وأبو المخارق اسمه قيس ، وقال الحافظ المنذري : قد استشهد البخاري بابن أبي المخارق هذا في «باب التهجد بالليل» فقال : وقال سفيان يعني ابن عيينة : وزاد عبد الكريم أبو أمية " ولا حول ولا قوة إلا بالله " ، وقال المقدسي في «كتاب رجال الصحيحين» فيمن اسمه عبد الكريم بن أبي المخارق : سمع مجاهدا في الحج ، روى عن سفيان بن عيينة وهو حديث واحد عندهما عن مجاهد عن ابن أبي ليلى " عن علي رضي الله تعالى عنه قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه ، وأن أقسم جلودها وجلالها وأمرني أن لا أعطي الجازر منها ، وقال : نحن نعطيه من عندنا " فهذا كما رأيت كلام المنذري يقوي ما مال إليه المزي من أنه معلق ، وأن عبد الكريم استشهد به البخاري ، وكلام المقدسي يصرح بأنه من رجال البخاري ، وبهذا يرد ما قاله بعضهم : وليس لعبد الكريم هذا في صحيح البخاري إلا هذا الموضع ، ولم يقصد البخاري التخريج له ، فلأجل ذلك لا يعدونه من رجاله ، وإنما وقعت عنه زيادة في الخبر غير مقصودة بذاتها ( قلت ) : بين كلامه هذا وبين قوله فيما مضى : هذا موصول بالإسناد الأول تناقض لا يخفى .
قوله : " قال سفيان " هو ابن عيينة أيضا ، قال سليمان بن أبي مسلم إلى آخره ، وأراد سفيان بذلك بيان سماع سليمان له من طاوس لأنه أولا أورده بالعنعنة ، وصرح بذلك أيضا الحميدي في مسنده عن سفيان قال : حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نجيح سمعت طاوسا فذكر الحديث ، وقال في آخره : قال سفيان : وزاد في آخره عبد الكريم " ولا حول ولا قوة إلا بك " فيه لم يقلها سليمان ، وفي التلويح : وفي نسخة سمعته من طاوس وعلي بن خشرم ، ولم يذكره أحد من رجال البخاري رحمه الله ، وإنما ذكر في رجال مسلم ، والله تعالى أعلم .