157 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ، وما سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبحة الضحى قط وإني لأسبحها .

مطابقته للترجمة من حيث إن العمل الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يعمل به لا يخلو عن تحريض أمته عليه ، غير أنه كان يتركه خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ، ويحتمل أن تكون المطابقة للجزء الثاني للترجمة وهو قوله : " والنوافل " فإنها أعم من أن تكون بالليل أو بالنهار ، فيكون محل المطابقة للترجمة في قوله : " وإني لأسبحها " ، وفيه تحريض على ذلك ، وقد تكرر ذكر رجاله .
وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، أربعتهم عن مالك عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
قوله : " إن كان " كلمة إن بكسر الهمزة مخففة عن الثقيلة ، وأصله : إنه كان ، فحذف ضمير الشأن وخففت النون . قوله : " ليدع " بفتح اللام التي للتأكيد ، أي : ليترك . قوله : " خشية " بالنصب ، أي : لأجل خشية أن يعمل به الناس وهو متعلق بقوله : " ليدع " . قوله : " فيفرض " بالنصب عطفا على أن يعمل . قوله : " وما سبح " ، أي : وما تنفل ، وأراد بسبحة الضحى صلاة الضحى . قوله : " وإني لأسبحها " ، أي : أصليها ، ويروى لاستحبها من الاستحباب ، وقال الخطابي : هذا من عائشة إخبار عما علمته دون ما لم تعلم ، وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الضحى يوم الفتح وأوصى أبا ذر وأبا هريرة ، وقال ابن عبد البر : أما قولها : ما سبح سبحة الضحى قط ، فهو أن من علم من السنن علما خاصا يأخذ عنه بعض أهل العلم دون بعض ، فليس لأحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره ، والإحاطة [7/176] ممتنعة ، وإنما حصل المتأخرون علم ذلك منذ صار العلم في الكتب ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات ، فإما مسافر أو حاضر في المسجد أو غيره أو عند بعض نسائه ، ومتى يأتي يومها بعد تسعة فيصح قولها : ما رأيته يصليها ، وتكون قد علمت بخبره أو بخبر غيره أنه صلاها ، أو المراد بما يصليها ما يداوم عليها ، فيكون نفيا للمداومة لا لأصلها .
وقال ابن الجوزي رحمه الله : قوله : " فيفرض عليهم " يحتمل على وجهين أحدهما : فيفرضه الله تعالى ، والثاني : فيعملوا به اعتقادا أنه مفروض ، وقال ابن بطال : يحتمل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها معنيين أحدهما : أنه يمكن أن يكون هذا القول منه في وقت فرض عليه قيام الليل دون أمته لقوله في الحديث الآخر : " لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم " فدل على أنه كان فرضا عليه وحده ، فيكون معنى قول عائشة : " إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل " أنه كان يدع عمله لأمته ودعاءهم إلى فعلهم معه لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلا وقد فرضه الله عليه أو ندبه إليه لأنه كان أتقى أمته وأشدهم اجتهادا ، ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم ، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة في بيته ، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه صلاة الليل أن يسوي الله عز وجل بينه وبينهم في حكمها فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه ؛ إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة ، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء ، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة .
الثاني : أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها فيكون من تركها عاصيا لله في مخالفته لنبيه وترك اتباعه متوعدا بالعقاب على ذلك ؛ لأن الله تعالى فرض اتباعه فقال : وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وقال في ترك اتباعه : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله عليه ؛ لأن طاعة الرسول كطاعته ، وكان - صلى الله عليه وسلم - رفيقا بالمؤمنين رحيما بهم .
( فإن قيل ) : كيف يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل ، وقد أكملت الفرائض ؟ ( قيل ) له : صلاة الليل كانت مكتوبة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على أمته الاقتداء به فيها ، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل في وقت معلوم يقتدون به ويرونه واجبا ، فالزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بفعله لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس ، أو يكون أن الله تعالى لما فرض الخمسين وحطها بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت والتزمت متبرعة ما كانت استعفت منه لم يستنكر ثبوته فرضا عليهم ، وقد ذكر الله تعالى فريقا من النصارى وأنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم ، ثم لامهم لما قصروا فيها بقوله تعالى : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فخشي - صلى الله عليه وسلم - أن يكونوا مثلهم فقطع العمل شفقة على أمته .