باب كيف يقبض العلم

أي هذا باب ، والباب منون ، والمعنى : هذا باب في بيان كيفية قبض العلم ، وكيف يستعمل في الكلام على وجهين : أحدهما أن يكون شرطا فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين نحو كيف تصنع أصنع ، ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق ، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا ، والآخر وهو الغالب فيها أن تكون استفهاما إما حقيقيا نحو كيف زيد ، أو غيره نحو كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الآية ، فإنه أخرج مخرج التعجب ، والقبض نقيض البسط والمراد منه الرفع والانطواء كما يراد من البسط الانتشار .
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق الحرص على الحديث الذي هو من أشرف أنواع العلوم ، والمذكور في هذا الباب ارتفاع العلوم فبينهما تقابل فتناسقا من هذه الجهة ، وإنما ذكر هذا الباب عقيب الباب السابق تنبيها على أن يهتم بتحصيل العلوم مع الحرص عليها لأنها مما تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فواتها .
[2/129] وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه ؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا يقبل إلا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وليفشوا العلم ، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم ؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا .

هذا تعليق لم يقع وصله عند الكشميهني وكريمة وابن عساكر ، ووقع وصله للبخاري عند غيرهم ، وهو بقوله في بعض النسخ : حدثنا العلاء بن عبد الجبار إلى آخره ، على ما يأتي ذكره عن قريب ، وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ : " كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى الآفاق : انظروا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فاجمعوه " .
أما عمر بن عبد العزيز فهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين ، وقد مر في كتاب الإيمان ، وأما أبو بكر بن حزم فهو ابن محمد بن عمرو بن حزم - بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي - ابن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عوف بن مالك بن النجار الأنصاري المدني ، قال الخطيب : يقال : إن اسمه أبو بكر ، وكنيته أبو محمد . ومثله أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة ، كنيته أبو عبد الرحمن ، قال الخطيب : لا نظير لهما ، وقد قيل في أبي بكر بن محمد : إنه لا كنية له غير أبي بكر اسمه ، وقال أبو عمر بن عبد البر : قيل : إن اسم أبي بكر بن عبد الرحمن هذا المغيرة ، ولا يصح . قلت : أراد الخطيب بقوله : " لا نظير لهما " أي ممن اسمه أبو بكر ، وله كنية ، وأما من اشتهر بكنيته ولم يعرف له اسم غيره فكثير ، ذكر ابن عبد البر منهم جماعة ، وأبو بكر بن حزم ولي القضاء والإمرة والموسم لسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ، وقال الواقدي : لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ولى أبا بكر إمرة المدينة ، فاستقضى أبو بكر ابن عمه على القضاء ، وكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس ويتولى أمرهم ، وكان يخضب بالحناء والكتم ، توفي سنة عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك ، وهو ابن أربع وثمانين سنة ، روى له الجماعة إلا الترمذي ، سئل يحيى بن معين عن حديث عثمان بن حكيم ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال : عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : مرسل .
قوله : " انظر ما كان من حديث " أي اجمع الذي تجد ، ووقع هنا للكشميهني عندك معناه في بلدك قوله : " فاكتبه " فيه إشارة إلى أن ابتداء تدوين الحديث النبوي كان في أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ ، فلما خاف عمر رضي الله عنه - وكان على رأس المائة الأولى - من ذهاب العلم بموت العلماء ، رأى أن في تدوينه ضبطا له وإبقاء ، قوله : " فإني " الفاء فيه للتعليل ، قوله : " دروس العلم " بضم الدال من درس يدرس من باب نصر ينصر دروسا ، أي عفى ، ودرست الكتاب أدرسه وأدرسه ؛ من باب نصر ينصر ، وضرب يضرب ، درسا ودراسة ، ودرس الحنطة درسا ودراسا أي داسها ، قوله : " ولا يقبل " بضم الياء أعني حرف المضارعة ، قوله : " وليفشوا " بصيغة الأمر من الإفشاء ، وهو الإشاعة ، ويجوز فيه تسكين اللام كما في بعض الروايات ، وقوله : " العلم " بالنصب مفعوله ، قوله : " وليجلسوا " بصيغة الأمر أيضا من الجلوس لا من الإجلاس ، ويجوز في لامه التسكين أيضا ، قوله : " حتى يعلم " على صيغة المجهول من التعليم ، أعني بتشديد اللام . وفي رواية الكشميهني " حتى يعلم " بفتح حرف المضارعة واللام من العلم ، قوله : " من لا يعلم " بصيغة المعلوم من العلم ، وكلمة من موصولة في محل الرفع ؛ لأنه فاعل يعلم الذي هو على صيغة المعلوم ، وأما إذا قرئ على صيغة المجهول من التعليم ، فتكون مفعولا ناب عن الفاعل ، فافهم . قوله : " لا يهلك " بفتح حرف المضارعة وكسر اللام ، أي لا يضيع ، وفتح اللام لغة ، وقرأ الحسن البصري وأبو حيوة وابن أبي إسحاق : ويهلك الحرث والنسل بفتح الياء واللام ورفع الثاء ، قوله : " حتى يكون سرا " أي خفية ، وأراد به كتمان العلم .
وقال ابن بطال : في أمر عمر بن عبد العزيز بكتابة حديث النبي عليه الصلاة والسلام خاصة وأن لا يقبل غيره - الحض على اتباع السنن وضبطها ؛ إذ هي الحجة عند الاختلاف ، وفيه : ينبغي للعالم نشر العلم وإذاعته .
حدثنا العلاء بن عبد الجبار ، قال : حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن عبد الله بن دينار بذلك - يعني حديث عمر بن عبد العزيز - إلى قوله : " ذهاب العلماء " .

أشار بهذا إلى أنه روى أثر عمر بن عبد العزيز موصولا ، ولكن إلى قوله : " ذهاب العلماء " ، فسر ذلك بقوله : يعني حديث عمر بن [2/130] عبد العزيز ، إلى قوله : ذهاب العلماء . قال الكرماني : قوله : " بذلك " يعني بجميع ما ذكر يعني إلى قوله : " حتى يكون سرا " ثم قال : وفي بعض النسخ بعده - يعني بعد قوله بذلك - يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله : ذهاب العلماء ، ثم قال : والمقصود منه أن العلاء روى كلام عمر بن عبد العزيز إلى قوله : " ذهاب العلماء " فقط . قلت : أما بعد قوله : " ذهاب العلماء " يحتمل أن يكون من كلام عمر ، ولكنه لم يدخل في هذه الرواية ، ويحتمل أن لا يكون من كلامه ، وهو الأظهر ، وبه صرح أبو نعيم في المستخرج فإذا كان كذلك يكون هذا من كلام البخاري ، أورده عقيب كلام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه ، أنبأني الشيخ قطب الدين عبد الكريم إجازة ، قال : أخبرني جدي إجازة الحافظ الثقة العدل قطب الدين عبد الكريم ، ثنا محمد بن عبد المنعم بقراءتي عليه ، أنبأنا عبد العزيز بن باقاء البغدادي إجازة ، أنبأنا يحيى بن ثابت سماعا ، أنبأنا ثابت بن بندار ، أنبأنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني ، أنبأنا الإمام الحافظ الإسماعيلي ، ثنا العلاء بن عبد الجبار ، ثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن عبد الله بن دينار ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ... فذكره إلى قوله : " وذهاب العلماء " .
فإن قلت : لم أخر إسناد كلام عمر بن عبد العزيز عن كلامه ، والعادة تقديم الإسناد ؟ قلت : قال الكرماني : للفرق بين إسناد الأثر وبين إسناد الخبر ، وفيه نظر ؛ لأنه غير مطرد ، ويحتمل أن يكون قد ظهر بإسناده بعد وضع هذا الكلام ، فألحقه بالأخير على أنا قلنا : إن هذا الإسناد ليس بموجود عند جماعة .
وأما العلاء بن عبد الجبار فهو أبو الحسن البصري العطار الأنصاري ، مولاهم ، سكن مكة ، أخرج البخاري من رواية أبي إسحاق بن إبراهيم وأبي الهيثم في العلم عنه ، عن عبد العزيز هذا الأثر ، ولم يخرج عنه غيره ، قال أبو حاتم : صالح الحديث ، وقال العجلي : ثقة ، توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين ، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه ، عن رجل عنه ، ولم يخرج له مسلم شيئا .
وعبد العزيز بن مسلم القسملي ، مولاهم ، أخو المغيرة بن مسلم الخراساني المروزي ؛ نسبة إلى القساملة ، وقيل لهم ذلك ؛ لأنهم من ولد قسملة ، واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان ، ولهم محلة بالبصرة معروفة بالقسامل ، وقيل : نزل فيهم فنسب إليهم . وأخرج له البخاري في التعبير والذبائح وكتاب المرضى وغير موضع ، عن مسلم بن إسماعيل عنه ، عن عبد الله بن دينار وحصين والأعمش . وأخرج له هذا الأثر عن العلاء عنه ، قال يحيى بن معين ، وأبو حاتم : ثقة ، وقال يحيى بن إسحاق : ثنا عبد العزيز بن مسلم ، وكان من الأبدال ، قال عمرو بن علي : مات سنة سبع وستين ومائة ، روى له الجماعة إلا ابن ماجه ، وأما عبد الله بن دينار القرشي المدني مولى ابن عمر فقد مر في باب أمور الإيمان .