‎( 23 ) باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية
( 2356 ) ( 127 ) [ 2265] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً .

( 23 ) ومن باب كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية
إنما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم الناس بالله ، لما خصَّه الله تعالى به في أصل الخلقة من كمال الفطنة ، وجودة القريحة ، وسداد النظر ، وسرعة الإدراك ، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك ، وقواطع النظر قبل تمامه ، ومن اجتمعت له هذه الأمور سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية ، وصارت في حقه كالضرورية ، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه ، وأحوال العالم كله على ما لم يطَّلع عليه غيره ، وهذا كله معلوم من حاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعقل الصريح ، والنقل الصحيح ، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى ، لأنَّ الخشية منبعثة عن العلم ، وبحسبه ، كما قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وقد أشار بعض المتصوفة إلى أن علوم الأنبياء ضرورية ، وسماها : كشفًا ، وهذا كلام فيه إجمالٌ ، ويحتاج إلى استفصال ، فيقال لقائله : إن أردت بكونها ضرورية أنها حاصلة في أصل فطرتهم ، وأنهم جبلوا عليها ، بحيث [6/151] لم يستعملوا في شيء منها أفكارهم ، ولا حدقوا نحوها بصائرهم ، ولا أنظارهم ، فهو قول باطل ، لما يعلم قطعًا أنهم مكلفون بمعرفة الله ، ومعرفة صفاته وأحكامه ، ومأمورون بها ، والضروري لا يكلف به ، لأنَّه حاصل ، والحاصل لا يطلب ، ولا يبتغى ، ولأن الإنسان لا يتمكن من ترك ما جبل عليه ، ولا من فعله ، وما كان كذلك لم يقع في الشريعة التكليف به بالنص والإجماع . وإنما الخلاف في جوازه عقلاً ، وإن أراد به أن تلك العلوم تصير في حقهم ضرورية بعد تحصيلها بالطرق النظرية ، والقيام بالوظائف التكليفية ، فتتوالى عليهم تلك العلوم ، فلا يتأتى لهم التشكك فيها ، ولا الانفكاك عنها ، فنقول : ذلك صحيح في حق الأنبياء قطعًا ، وخصوصًا في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما هو المعلوم من حاله وحالهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، وأما غيرهم فيجوز أن يكرم الله تعالى بعض أوليائه بشيء من نوع من ذلك ، لكن على وجه الندور والقلة ، وليس مُطردًا في كل الأولياء ، ومن فُتِح له بشيء من ذلك في بعض الأوقات وبعض المعلومات ، ويكون ذلك خرقًا للعادات ، فإنَّ سنة الله تعالى في العلوم النظرية : أنها لا تتوالى ، ولا تدوم ، ويمكن أن يُتشكِّكَ فيما كان منها معلومًا ، هذه سنة الله الجارية ، وحكمته الماضية ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً .
و ( قول عائشة رضي الله عنها : " صنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرًا فترخص فيه " ) أي : فعل أمرًا ترك فيه التشديد لأنه رخص له فيه ، كما قال في طريق آخر : " ما بال رجال يرغبون عما رُخِّص لي فيه " ولعل هذا من عائشة رضي الله عنها إشارة لحديث النَّفر الذين استقلوا عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال أحدهم : أما أنا فأصلي ولا أنام ، وقال الآخر : وأنا أصوم ولا أفطر ، وقال الآخر : وأنا لا أنكح النساء ، فلما بلغ [6/152] النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ، قال : " وأما أنا فأصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " . وقد تقدَّم في النكاح .
و ( قوله : " ما بال رجال بلغهم عني أني ترخصت في أمر فكرهوه ، وتنزهوا عنه " ) هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عدول عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب ، وكانوا معينين عنده ، لكنه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه ، ولتلطُّفه في التأديب ، ولسَتْر المعاتب . وتنزه هؤلاء عما ترخص فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلط أوقعهم فيه ظن أن المغفور له يسامح في بعض الأمور ، ويسقط عنه بعض التكاليف ، والأمر بالعكس لوجهين :
أحدهما : أن المغفور له يتعيَّن عليه وظيفة الشكر ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أفلا أكون عبدًا شكورًا " .
وثانيهما : أن الأعلم بالله وبأحكامه : هو الأخشى له ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إني لأعلمكم بالله تعالى ، وأشدكم له خشية " وقال في موضع آخر : " وأعلمكم بما أتقي الله " .
ويُستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين ، وعن الأخذ بالتشديد [6/153] في جميع الأمور ، فإنَّ دين الله يسر ، وهو : الحنيفية السَّمحة ، فإنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يحب أن تؤتى عزائمه .
وحاصل الأمر : أن الواجب التمسك بالاقتداء بهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فما شدَّد فيه التزمناه على شدَّته ، وفعلناه على مشقته ، وما ترخص فيه أخذنا برخصته ، وشكرنا الله تعالى على تخفيفه ونعمته ، ومن رغب عن هذا ، فليس على سُنَّته ، ولا على منهاج شريعته .
وفيه حجَّة على القول بمشروعية الاقتداء به في جميع أفعاله ، كما نقوله في جميع أحواله ، إلا ما دلَّ دليل على أنه من خصوصياته ، وقد أوضحنا هذا في الأصول .