‎( 24 ) باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه
( 2357 ) [ 2266 ] عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ : يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ


( 24 ) ومن باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
( قوله : " إن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرَّة " ) قيل : إن هذا الرَّجل كان من الأنصار نسبًا ، ولم يكن منهم نصرة ودينًا ، بل كان منافقًا ، لما صدر عنه من تهمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجوَّر في الأحكام لأجل قرابته ، ولأنه لم يرض بحكمه ، ولأن الله تعالى قد أنزل فيه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية . هذا هو الظاهر من حاله ، ويحتمل : أنه لم يكن منافقًا ، ولكن أصدرَ ذلك منه بادرةُ نفس ، وزلَّةُ شيطان ، كما قد اتَّفق لحاطب بن أبي بلتعة ، ولحسَّان ، ومسطح ، وحَمْنَة في قضية الإفك ، وغيرهم مِمَّن [6/154] بدرت منهم بوادر شيطانية ، وأهواء نفسانية ، لكن لطف بهم حتى رجعوا عن الزَّلة ، وصحَّت لهم التوبة ، ولم يؤاخذوا بالحوبة .
و " الشِّراج " بالشين والجيم المعجمتين ، جمع شَرِجَة ، وهي مسيل الماء إلى النخل والشجر . وإضافتها إلى الحرَّة لكونها فيها .
والمخاصمة إنما كانت في السَّقي بالماء الذي يسيل فيها ، وكان الزبير يتقدم شربه على شرب الأنصاري ، فكان الزبير يمسك الماء لحاجته ، فطلب الأنصاري أن يسرحه له قبل استيفاء حاجته ، فلما ترافعا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معهما مسلك الصُّلح ، فقال له : " اسق يا زبير ! ثمَّ أرسل الماء إلى جارك " ، أي : تساهل في سقيك ، وعجل في إرسال الماء إلى جارك ، يحضه على المسامحة والتيسير . فلما سمع الأنصاري بهذا لم يرض بذلك ، وغضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلاً ، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة ، فقال : " آن كان ابن عمتك ؟! " بمدِّ همزة " أن " المفتوحة ، لأنَّه استفهام على جهة الإنكار ، أي : أتحكم له علي لأجل أنَّه قرابتك ؟! وعند ذلك تلوَّن وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضبًا عليه وتألُّمًا من كلمته . ثمَّ إنَّه بعد ذلك حكم للزبير باستيفاء حقه ، فقال : " اسق يا زبير ، ثم أمسك الماء حتى يرجع إلى الجدر " . وفي غير هذه الرواية : " فاستوعى للزبير حقَّه " .
[6/155] و " الْجَدْر " بفتح الجيم وسكون الدال هي روايتي ، ويجمع : جُدورًا . وهو الأصل ، ويعني به : حتى يصل الماء إلى أصول النَّخل والشجر ، وتأخذ منه حقها . وفي بعض طرقه : " حتى يبلغ الماء إلى الكعبين " فيعني به- والله أعلم- : حتى يجتمع الماء في الشَّرِبات ، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل والشجر إلى أن تصل من الواقف فيها إلى الكعبين .
وقد روي " الِجْدْر " بكسر الجيم ، وهو الجدار ، ويجمع على " جدر " ويعني به : جدران الشَّربات ، فإنَّها تُرفع حتى تكون تشبه الجدار . فإنَّ قيل : كيف كان حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للزبير على الأنصاري في حال غضبه وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا يقضي القاضي وهو غضبان "؟
فالجواب : أنا قدَّمنا أن هذا النهي معلَّل بما يخاف على القاضي من التشويش المؤدي به إلى الغلط في الحكم ، والخطأ فيه ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام ، بدليل العقل الدَّالِّ على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى وفي أحكامه ، ولذلك قالوا : أنكتب عنك في الرضا والغضب ؟ قال : " نعم " . فدلَّ ذلك : على أن المراد بالحديث : من يجوز عليه الخطأ من القضاة ، فلم يدخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك العموم .
و ( قوله : " والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، هذا أحدُ ما قيل في سبب نزول هذه الآية . [6/156] وقيل : نزلت في رجلين تحاكما إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحكم على أحدهما فقال له : ارفعني إلى عمر بن الخطاب ، وقيل : إلى أبي بكر ، وقيل : حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليهودي على منافق ، فلم يرض المنافق ، وأتيا عمر بن الخطاب فأخبراه ، فقال : أمهلاني حتى أدخل بيتي ، فدخل بيته فأخرج السيف ، فقتل المنافق ، وجاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إنه ردَّ حكمك ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " فرَّقت بين الحق والباطل " . وقال مجاهد نحوه ، غير أنه قال : إن المنافق طلب أن يردَّ إلى حكم الكاهن ، ولم يذكر قضية قتل عمر بن الخطاب المنافق ، وقال الطبري : لا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع ، والله تعالى أعلم .
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه ، فمنها : الاكتفاء من الخصوم بما يفهم عنه مقصودهم ، وألا يكلَّفوا النص على الدعاوي ، ولا تحديد المدعى فيه ، ولا حصره بجميع صفاته ، كما قد تنطَّع في ذلك قضاة الشافعية .
ومنها : إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم ، فإنَّ اصطلحوا ، وإلا استوفي لذي الحق حقه ، وبتَّ الحكم .
ومنها : أن الأولى بالماء الجاري : الأول فالأول حتى يستوفي حاجته . وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به ، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا ، وإن كان يمرُّ عليه .
ومنها : عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع ، والاستهانة بالأحكام ، فإنَّ كان ذلك فالأدب ، وهذا الذي صدر من خصم [6/157] الزبير أذى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يقتله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قدَّمناه من عظم حلمه وصفحه ، ولئلا يكون قتله منفرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام ، فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقتل قتلة زنديق ، وقد أشبعنا القول في ذلك .
ومنها : أن القَدْر الذي يستحق الأعلى من الماء : كفايته ، وغاية ذلك : أن يبلغ الماء إلى الكعبين ، فقيل : في الشَّرَبَة ، كما قلنا ، وقيل : في أرض الحائط ، وفيه بُعد .