|
184 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني الهيثم بن أبي سنان ، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، وهو يقص في قصصه ، وهو يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخا لكم لا يقول الرفث ، يعني بذلك عبد الله بن رواحة :
| وفينا رسول الله يتلو كتابه | | إذا انشق معروف من الفجر ساطع | | أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا | | به موقنات أن ما قال واقع | | يبيت يجافي جنبه عن فراشه | | إذا استثقلت بالمشركين المضاجع |
[7/214] مطابقته للترجمة في قوله : لأن مجافاة جنبه عن الفراش ، وهو إبعاده عنه بسبب التعار ، وكان ذلك إما للصلاة وإما للذكر وقراءة القرآن . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ الأول : يحيى بن بكير ، هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : يونس بن يزيد . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : الهيثم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة وفي آخره ميم ابن أبي سنان بكسر السين المهملة وبالنونين بينهما ألف . السادس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن يحيى والليث مصريان ، ويونس أيلي ، وابن شهاب والهيثم مدنيان ، وفيه أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده ، وفيه أن الهيثم من أفراده ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في «الأدب» عن أصبغ بن الفرج . ( ذكر معناه ) قوله : " وهو يقص " جملة اسمية وقعت حالا ، أي الهيثم سمع أبا هريرة حال كونه يقص ، من قص يقص قصا وقصصا بفتح القاف ، والقص في اللغة البيان ، والقاص هو الذي يذكر الأخبار والحكايات ، قوله : " في قصصه " بكسر القاف جمع قصة ، ويجوز الفتح ، والمعنى : سمع الهيثم أبا هريرة وهو يقص في جملة قصصه أي مواعظه التي كان يذكر بها أصحابه ، ويتعلق الجار والمجرور بقوله : " سمع " ، قوله : " وهو يذكر " جملة حالية أيضا ، أي والحال أن أبا هريرة يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : " إن أخا لكم " القائل لهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعنى أن الهيثم سمع أبا هريرة يقول وهو يعظ ، وانجر كلامه إلى أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر ما قاله من قوله صلى الله عليه وسلم : " إن أخا لكم لا يقول الرفث " أي الباطل من القول والفحش إنما قال ذلك حين أنشد عبد الرحمن بن رواحة الأبيات المذكورة ، فدل ذلك أن حسن الشعر محمود كحسن الكلام ، فظهر من ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " إنما يراد به الشعر الذي فيه الباطل والهجو من القول ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد نفى عن ابن رواحة بقوله هذه الأبيات قول الرفث ، فإذا لم يكن من الرفث فهو في حيز الحق ، والحق مرغوب فيه ، مأجور عليه صاحبه ، وقال بعضهم : ليس في سياق الحديث ما يشعر بأن ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ، بل هو ظاهر أنه كلام أبي هريرة . ( قلت ) : الذي يستخرج المراد من معنى التركيب على وفق ما يقتضيه من حيث الإعراب يعلم أن القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو هريرة ناقل له ، وأنه مدح من النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة ، وبيان أن من الشعر ما هو حسن ، وإن كل الشعر ليس بمذموم ، قوله : " يعني بذلك " يعني يريد بقوله : " إن أخا لكم عبد الله بن رواحة " وقائل هذا التفسير يحتمل أن يكون الهيثم ، ويحتمل أن يكون الزهري ، والأول أوجه ، وعبد الله بن رواحة بفتح الراء وتخفيف الواو وفتح الحاء المهملة ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو الأنصاري الخزرجي من بني الحارث ، يكنى أبا محمد ويقال أبا رواحة ، ويقال أبا عمرو ، وكان بقية بني الحارث من الخزرج ، شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الفتح وما بعده ؛ لأنه قتل قبله ، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة ، وكان سنة ثمان من الهجرة واستشهد فيها ، قوله : " وفينا رسول الله " إلى آخره بيان لما قاله عبد الله بن رواحة والمذكور هنا ثلاثة أبيات ، وهي من الطويل وأجزاؤه ثمانية ، وهي فعولن مفاعيلن إلى آخره " وفينا " أي بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : " يتلو كتابه " أراد به القرآن ، والجملة حالية ، قوله : " إذا انشق " كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي الوقت " كما انشق " ، قوله : " معروف " فاعل " انشق " ، قوله : " ساطع " صفة لمعروف ، ومن الفجر بيان له ، وهو من سطع الصبح إذا ارتفع ، وكذا سطعت الرائحة والغبار ، وأراد به أنه يتلو كتاب الله وقت انشقاق الوقت الساطع من الفجر ، قوله : " الهدى " مفعول ثان " لأرانا " ، قوله : " بعد العمى " أي بعد الضلالة ، ولفظ العمى مستعار منها ، قوله : " به " أي بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : " يجافي " أي يباعد ، وهي جملة حالية ، ومجافاته جنبه عن الفراش كناية عن صلاته بالليل ، قوله : " إذا استثقلت " أي حين استثقلت بالمشركين ، المضاجع جمع مضجع ، وكأنه لمح به إلى قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قوله : " تَتَجَافَى " أي ترتفع وتتنحى " عَنِ الْمَضَاجِعِ " عن الفرش ومواضع النوم " يَدْعُونَ رَبَّهُمْ " أي داعين ربهم ، عابدين له لأجل خوفهم من سخطه [7/215] وطمعهم في رحمته ، وقال ابن عباس: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ لذكر الله ، كلما استيقظوا ذكروا الله ، إما في الصلاة ، وإما في قيام أو قعود ، وعلى جنوبهم ، فهم لا يزالون يذكرون الله ، وعن مالك بن دينار سألت أنسا عن قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ فقال أنس : كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة ، فأنزل الله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ وعن أبي الدرداء والضحاك أنها صلاة العشاء والصبح في جماعة قوله : يُنْفِقُونَ أي يتصدقون ، وقيل: يزكون . ( تابعه عقيل ) .
أي تابع يونس عقيل بضم العين ابن خالد الأيلي ، وفي رواية ابن شهاب عن الهيثم ، ورواية عقيل هذه أخرجها الطبراني في «الكبير» من طريق سلامة بن روح ، عن عمه عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب فذكر مثل رواية يونس . ( وقال الزبيدي: أخبرني الزهري ، عن سعيد والأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ) .
الزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وكسر الدال المهملة هو محمد بن الوليد الحمصي ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وسعيد هو ابن المسيب ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز . وأشار البخاري بهذا إلى أن في الإسناد المذكور اختلافا عن الزهري ، فإن يونس وعقيلا اتفقا على أن شيخ الزهري فيه ، هو الهيثم بن أبي سنان ، وخالفهما الزبيدي حيث جعل شيخ الزهري فيه سعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن هرمز ، فالطريقان صحيحان ؛ لأن كلهم حفاظ ثقات ، ولكن الطريق الأول أرجح لمتابعة عقيل ليونس بخلاف طريق الزبيدي . قوله : " وقال الزبيدي " معلق وصله البخاري في التاريخ الصغير ، والطبراني في «الكبير» أيضا من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه ، ولفظه : " أن أبا هريرة كان يقول في قصصه إن أخاكم كان يقول شعرا ليس بالرفث ، وهو عبد الله بن رواحة " فذكر الأبيات . قال بعضهم : هو يبين أن قوله في الرواية الأولى من كلام أبي هريرة موقوفا بخلاف ما جزم به ابن بطال . ( قلت ) : يحتمل أن أبا هريرة لما كان في أثناء وعظه أجرى ذكر ما قاله صلى الله عليه وسلم في مدح عبد الله بن رواحة ، ولكنه طوى إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكثيرا ما كانت الصحابة يفعلون هكذا ، فمثل هذا وإن كان موقوفا في الصورة ففي الحقيقة هو موصول .
|
|
|