باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم

أي هذا باب وهو منون ، وهل للاستفهام ، و" يجعل " على صيغة المجهول ، و" يوم " بالرفع مفعول له ، ناب عن الفاعل ، وهذه رواية الأصيلي وكريمة . وفي رواية غيرهما : يجعل على صيغة المعلوم أي يجعل الإمام ، و" يوما " بالنصب مفعوله ، قوله : " على حدة " بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدال أي على انفراده ، وهو على وزن العدة ، قال الجوهري : تقول : أعط كل واحد منهم على حدة أي على حياله ، والهاء عوض من الواو . قلت : لأنه من وحد يحد وحودا ، ووحودة ، ووحدا ، ووحدة وحدة .
وجه المناسبة بين البابين : من حيث إن المذكور في الباب السابق هو كيفية قبض العلم . ومن فوائده الحث على حفظ العلم ، ومن فوائد حديث هذا الباب أيضا الحث على حفظ العلم ؛ وذلك أن النساء لما سألن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهن يوما ، ووعدهن يوما يأتي إليهن فيه ، أتاهن فيه وحثهن على حفظ العلم ، وهذا القدر كاف في رعاية المناسبة .
[2/133] 43 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثني ابن الأصبهاني ، قال : سمعت أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري : قالت النساء للنبي - صلى الله عليه وسلم - : غلبنا عليك الرجال ، فاجعل لنا يوما من نفسك ، فوعدهن يوما لقيهن فيه ، فوعظهن ، وأمرهن ، فكان فيما قال لهن : ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار ، فقالت امرأة : واثنين ؟ قال : واثنين .

مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة .
بيان رجاله : وهم خمسة :
الأول : آدم بن أبي إياس .
الثاني : شعبة بن الحجاج .
الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني الكوفي ، مولى لجديلة قيس ، وهم بطن من قيس غيلان ، وهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس ، أمهم جديلة بفتح الجيم ، نسبوا إليها ، أخرج البخاري في العلم والمحضر وشهود الملائكة بدرا ، عن شعبة وأبي عوانة وابن عيينة عنه ، عن عبد الله بن معقل ، وأبي صالح ذكوان ، أصله من أصبهان ، خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعري ، قال أبو حاتم : لا بأس به ، وقال أبو بكر بن منجويه : توفي في إمارة خالد على العراق ، روى له الجماعة إلا النسائي ، وأصبهان بفتح الهمزة وكسرها وبالباء والفاء ، وأهل المشرق يقولون : أصفهان بالفاء ، وأهل المغرب بالباء ، وهي مدينة بعراق العجم ، عظيمة ، خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين .
الرابع : أبو صالح ذكوان بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف غير منصرف ، وقد تقدم .
الخامس : أبو سعيد سعد بن مالك الخدري .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والسماع والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين كوفي وواسطي ومدني .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هنا ، عن آدم ، وفي الجنائز عن مسلم بن إبراهيم ، وفي العلم أيضا ، عن بندار ، ثلاثتهم عن شعبة ، وفي الاعتصام ، عن مسدد ، عن أبي عوانة ، كلاهما عنه به ، وفي حديث غندر ، عن شعبة عنه قال : وسمعت أبا حازم ، عن أبي هريرة قال : " ثلاثة لم يبلغوا الحنث " ، وقال عقيب حديث مسلم بن إبراهيم : وقال شريك عن ابن الأصبهاني : حدثني أبو صالح ، عن أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وأخرجه مسلم في الأدب ، عن أبي كامل الجحدري ، عن أبي عوانة ، وعن أبي موسى وبندار ، كلاهما عن غندر به ، وذكر الزيادة عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وعن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة به ، وذكر الزيادة أيضا . وأخرجه النسائي في العلم ، عن أبي موسى وبندار به ، وعن أحمد بن سلمان ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عنه ، به ، نحوه .
بيان الإعراب :
قوله : " قال : قال النساء " أي قال أبو سعيد الخدري : قال النساء ، كذا في رواية أبي ذر : " قال " بتذكير الفعل . وفي رواية الباقين : " قالت النساء " بالتأنيث ، وكلاهما جائز في كل إسناد إلى ظاهر الجمع ، قوله : " غلبنا " بفتح الباء جملة من الفعل والمفعول ، و" الرجال " بالرفع فاعله ، قوله : " فاجعل لنا يوما " عطف على محذوف ، تقديره : انظر لنا ، فاجعل لنا يوما ، ونحو ذلك ، و" اجعل " جملة من الفعل والفاعل ، والجعل يستعمل متعديا إلى مفعول واحد بمعنى فعل ، وإلى مفعولين بمعنى صير ، والمراد به هنا لازمه ، وهو التعيين ، أي عين لنا يوما ، و" يوما " مفعول به لا لأجله ، ولا مفعول فيه ، وكلمة " من " في قوله : " من نفسك " ابتدائية تتعلق بـ " اجعل " ، يعني هذا الجعل منشؤه اختيارك يا رسول الله لا اختيارنا ، ويحتمل أن يكون المراد من وقت نفسك بإضمار الوقت والظرف صفة ليوما ، وهو ظرف مستقر على هذا الاحتمال ، ويجوز أن يكون التقدير اجعل لنا يوما من أيام نفسك ، يعني اليوم الذي تتفرغ فيه ، قوله : " فوعدهن " جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى النساء ، فإن قلت : كيف يعطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية ؟ قلت : هذا باب فيه خلاف ؛ فمنعه البيانيون وابن مالك وابن عصفور في شرح الإيضاح ونقله عن الأكثرين ، وأجازه الصفار وجماعة مستدلين بقوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا واستدل الصفار بقول الشاعر :
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
فإن تقديره هذه خولان ، هكذا نقل عن سيبويه ، وأجابوا عن الآية بما قاله الزمخشري : ليس المعتمد بالعطف الأمر حتى يطلب له مشاكل ، بل المراد عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة عذاب الكافرين ، كقولك : زيد يعاقب بالقيد ، وبشر فلانا بالإطلاق ، وعن البيت : إنه ضرورة ، وفيه تعسف ، والأصح عدم الجواز ، وأما هاهنا فالعطف [2/134] ليس على قوله : " فاجعل لنا يوما " بل العطف على جميع الجملة ، أعني من قوله : " غلبنا عليك الرجال " ، فاجعل لنا يوما من نفسك ، قوله : " يوما " مفعول ثان لوعد ، قوله : " لقيهن فيه " أي في اليوم الموعود به ، واللقاء فيه إما بمعنى الرؤية ، وإما بمعنى الوصول ، ومحل الجملة النصب ؛ لأنها صفة ليوما ويحتمل أن يكون استئنافا ، قوله : " فوعظهن " الفاء فيه فصيحة ؛ لأن المعطوف عليه محذوف ، أي فوفى بوعدهن ولقيهن فوعظهن ، وقوله : " وأمرهن " عطف على " وعظهن " وحذف المأمور به لإرادة التعميم ، والتقدير : فوعظهن بمواعظ ، وأمرهن بالصدقة أو بأمور دينية ، ويجوز أن يكون " فوعظهن وأمرهن " من تتمة الصفة لليوم ، قوله : " فكان " الفاء فيه فصيحة ، واسم كان هو قوله : " ما منكن امرأة " وخبره قوله : " فيما قال لهن " أي في الذي قاله لهن . وفي رواية الأصيلي : " ما منكن من امرأة " ، وكلمة من زائدة لفظا ، وقوله : امرأة مبتدأ ، ومنكن حال منها مقدم عليها ، وخبر المبتدأ الجملة التي بعد آلة الاستثناء ؛ لأنه استثناء مفرغ ، إعرابه على حسب العوامل ، فإن قلت : كيف يقع الفعل مستثنى ؟ قلت : على تقدير الاسم ، أي ما امرأة مقدمة إلا كائنا لها حجاب ، وقوله : " تقدم " جملة في محل الرفع ؛ لأنها صفة لامرأة ، وقوله : " ثلاثا " مفعول مقدم ، وكلمة من بيانية . قلت : " حجابا " في رواية الأكثرين هكذا بالنصب . وفي رواية الأصيلي " حجاب " بالرفع ، أما وجه النصب فعلى أنه خبر لكان ، واسم كان التقديم الذي يدل عليه قوله : " تقدم " ، وأما وجه الرفع فعلى كون كان تامة على معنى إلا وقع لها حجاب ، أو حصل أو وجد ونحو ذلك . وفي رواية البخاري في الجنائز : " إلا كن لها حجابا " على تقدير الأنفس التي تقدم ، وفي الاعتصام : " إلا كانوا لها حجابا " أي الأولاد ، قوله : " واثنين " ، وهو أيضا عطف على المنصوب بالتقدير المذكور أي ومن قدم اثنين ، قال الكرماني : ومثله يسمى بالعطف التلقيني ، ونحوه في القرآن : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قلت : قال الزمخشري : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِي " عطف على الكاف ، كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي ؟ كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيدا ؟ وإنما أورد هذا المثال إشارة إلى جواب عما ، يقال : إن " من ذريتي " مقول قول إبراهيم ، و" جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ " مقول قول الله تعالى ، فكيف يعطف أحدهما على الآخر ؟ فكأنه أجاب بإيراد المثال المذكور أنه عطف تلقين ، كأنه قال : قل : وجاعل بعض ذريتي .
بيان المعاني : قوله : " غلبنا عليك الرجال " معناه أن الرجال يلازمونك كل الأيام ، ويسمعون العلم وأمور الدين ، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم ، فاجعل لنا يوما من الأيام ؛ نسمع العلم ونتعلم أمور الدين ، قوله : " ثلاثة " أي ثلاثة أولاد . فإن قلت : الثلاثة مذكر ، فهل يشترط أن يكون الولد الميت ذكرا حتى يحصل لها الحجاب ؟ قلت : تذكيره بالنظر إلى لفظ الولد ، والولد يقع على الذكر والأنثى ، وفي بعض النسخ : ثلاثا بدون الهاء ، فإن صح فمعناه ثلاث نسمة ، والنسمة تطلق على الذكر والأنثى ، قوله : " فقالت امرأة " هي أم سليم ، وقيل : غيرها ، والله أعلم . قوله : " قال : واثنين " دليل على أن حكم الاثنين حكم الثلاثة ؛ لاحتمال أنه أوحي إليه في الحين بأن يجيب عليه الصلاة والسلام بذلك ، ولا يمتنع أن ينزل الوحي عليه - عليه الصلاة والسلام - بذلك حين السؤال ، ولا يمتنع أن ينزل الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام طرفة عين ، وقال النووي : ويجوز أن يكون أوحي إليه قبله ، وقال أبو الحسن القابسي وغيره : قد أخرج البخاري في كتاب الرقاق من حديث أبي هريرة ما يدل على أن الواحد كالاثنين ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : يقول تعالى : " ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه - إلا الجنة " ، وأي صفي أعظم من الولد ؟! قلت : قد جاء في غير الصحيح ما يدل صريحا على أن الواحد كالاثنين والثلاثة ، وهو ما رواه الترمذي وابن ماجه ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا من النار ، فقال أبو ذر رضي الله عنه : قدمت اثنين ، قال : واثنين ، قال أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه : قدمت واحدا ، قال : وواحدا " ، وقال ابن بطال وعياض وغيرهما في قول المرأة : " واثنين يا رسول الله " وهي من أهل اللسان ؛ دليل على أن تعلق الحكم بعدد ما - لا يدل من جهة دليل الخطاب على انتفائه عن غيره من العدد ، لا أقل ولا أكثر ، فإن قلت : هل للرجل مثل ما للمرأة إذا قدم الولد ؟ قلت : نعم ؛ لأن حكم المكلفين على السواء ، إلا إذا دل دليل على التخصيص .
بيان استنباط الأحكام :
الأول : فيه سؤال النساء عن أمر دينهن ، وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك ، وفيما لهن الحاجة إليه .
الثاني : فيه جواز الوعد .
الثالث : فيه جواز الأجر للثكلى .
الرابع : قال المهلب وغيره : فيه دليل على أن أولاد المسلمين [2/135] في الجنة ؛ لأن الله سبحانه إذا أدخل الآباء الجنة بفضل رحمته للأبناء ، فالأبناء أولى بالرحمة ، قال المازري : أما أطفال الأنبياء عليهم السلام فالإجماع منعقد على أنهم في الجنة ، وكذلك قال الجمهور في أولاد من سواهم من المؤمنين ، وبعضهم لا يحكي خلافا ، بل يحكي الإجماع على دخولهم الجنة ، وبعض المتكلمين يقف فيهم ، ولم يثبت الإجماع عندهم فيقال به ، وسيأتي الكلام فيه مستوفى في موضعه من كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى .