( ‎ 40 ) باب من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم
( 2632 ) ( 150 ) و ( 2634 ) [ 2560 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ.
وفي رواية : لم يبلغوا الحنث إلا تحلة القسم .


[6/638] ( 40 ) ومن باب : من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم
( قوله : " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار . . . " ) الولد : يقال على الذكر والأنثى بخلاف الابن ، فإنَّه يقال على الذكر : ابن ، وعلى الأنثى : ابنة ، وقد تقيد مطلق هذه الرواية ، بقوله في الرواية الأخرى : " لم يبلغوا الحنث " كما تقيد مطلق حديث أبي هريرة بحديث أبي النضر السلمي ؛ فإنَّه قال فيه : " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم " . فقوله : " لم يبلغوا الحنث " أي : التكليف . والحنث : الإثم . وإنما خصه بهذا الحد ، لأنَّ الصغير حبه أشد ، والشفقة عليه أعظم ، وقيده بالاحتساب لما قررناه غير مرة : أن الأجور على المصائب لا تحصل إلا بالصبر والاحتساب ، وإنما خص الولد بثلاثة ، لأنَّ الثلاثة أول مراتب الكثرة ، فتعظم المصائب ، فتكثر الأجور ؛ فأمَّا إذا زاد على الثلاثة فقد يخف أمر المصيبة الزائدة لأنها كأنها صارت عادة وديدنا ، كما قال المتنبي :
أنكرت طارقة الحوادث مرة
ثمَّ اعترفت بها فصارت ديدنا
وقال آخر :
روعت بالبين حتى ما أراع له
وبالمصائب في أهلي وجيراني
ويحتمل أن يقال : إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة ، لأنَّه من باب الأحرى والأولى ؛ إذ من المعلوم أن من كثرت مصائبه كثر ثوابه ، فاكتفي بذلك عن ذكره ، [6/639] والله تعالى أعلم .
وقد استشكل بعض الناس قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار " . ثم لما سئل عن اثنين ، قال : " واثنين " . ووجهه : أنه إذا كان حكم الاثنين حكم الثلاثة ، فلا فائدة لذكر الثلاثة أولا ، وهذا إنما يصدر عمن يعتقد أن دلالة المفهوم نص كدلالة المنظوم ، وليس الأمر كذلك ، بل هي عند القائلين بها من أضعف جهات دلالات الألفاظ ، وسائر وجوه الدلالات مرجحة عليها ، كما بيناه في الأصول ، هذا إن قلنا : إن أسماء الأعداد لها مفهوم ؛ فإنَّه قد اختلف في ذلك القائلون بالمفهوم ، وألحقوا هذا النوع باللقب الذي لا مفهوم له باتفاق المحققين ، ثم إن الرافع لهذا الإشكال أن يقال : إن الثواب على الأعمال إنما يُعلم بالوحي ، فيكون الله تعالى قد أوحى إلى نبيه بذلك في الثلاثة ، ثم إنه لما سئل عن الاثنين أوحى الله إليه في الاثنين بمثل ما أوحى إليه بالثلاثة ، ولو سئل عن الواحد لأجاب بمثل ذلك كما قد دلت عليه الأحاديث المذكورة في ذلك ، ويحتمل أن يقال : إن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة ، وقوة صبرها ، فقد لا يبعد أن تكون من فقدت واحدا أو اثنين أشد ممن فقدت ثلاثة أو مساوية لها ، فتلحق بها في درجتها ، والله تعالى أعلم .
و ( قوله : " إلا تحلة القسم " ) أي : ما يحلل به القسم ، وهو اليمين . وقد اختلف في هذا القسم ، هل هو قسم معين ، أم لا ؟ فالجمهور على أنه قسم بعينه ، فمنهم من قال : هو قوله تعالى : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ وقيل : هو قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وقيل : هو قوله : كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ، أي : قسما واجبا ؛ كذلك فسره ابن مسعود [6/640] والحسن . وأما من قال : لم يعين به قسم بعينه ، فهو ابن قتيبة . قال : معناه : التقليل لأمر ورودها . وتحلة القسم : تستعمل في هذا في كلام العرب ، وقيل : معناه : لا تمسه النار قليلا ، ولا تحلة القسم ، كما قيل في قوله :
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي : والفرقدان ، على أحد الأقوال فيه .
قلت : والأشبه : قول أبي عبيد ، ولبيان وجه ذلك موضع آخر .