الحديث الثاني :
1200 - ثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا عيسى - هو : ابن يونس - ، ثنا إسماعيل - هو : ابن أبي خالد - ، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال : قال لي زيد بن أرقم : إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيكلم أحدنا صاحبه بحاجته ، حتى نزلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فأمرنا بالسكوت
.

وخرجه مسلم ، وزاد فيه : " ونهينا عن الكلام " ، وليس عنده : ذكر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وخرجه النسائي ، وعنده : " فأمرنا حينئذ بالسكوت " .
وخرجه الترمذي ، ولفظه : كنا نتكلم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، فيكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه ، حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قال : فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام .
وهذه الرواية صريحة برفع آخره .
[6/364] واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة : هل كان بمكة ، أو بالمدينة ؟ فقالت طائفة : كانَ بمكة .
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة ، وإنما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة ، ثم هاجر إلى المدينة ، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره .
ويعضد هذا : أنه روي أن امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وهذه الآية مكية .
فروى أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، قال : قال ابن مسعود : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فجاء القرآن وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا .
وأخرجه ابن جرير وغيره .
وهذا الإسناد منقطع ؛ فإن المسيب لم يلق ابن مسعود .

وروى الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة ، قالَ : كانوا يتكلمون في الصَّلاة ، فلما نزلت هذه الآية وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ والآية الأخرى ، قالَ : فأمرنا بالإنصات .
وخرجه بقي بن مخلد في " مسنده " .
وخرجه غيره ، وعنده : " أو الآية الأخرى " بالشك .
والهجري ليس بالقوي
.
ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم ، الذي خرجه البخاري هاهنا ؛ فإن زيدًا الأنصاري ، لم يصل خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، إنما صلى [6/365] خلفه بالمدينة ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
وهي مدنية بالاتفاق .
وأجاب أبو حاتم ابن حبان - وهو ممن يقول : إن تحريم الكلام كان بمكة - : وأجيب عن هذا بجوابين :
أحدهما : أن زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، وأنهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة ؛ فإن الكلام حينئذ كانَ مباحًا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك بمكة ، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام ، لا أن نسخ الكلام كانَ بالمدينة .
قلت : هذا ضعيف ؛ لوجهين :
أحدهما : أن في رواية الترمذي : " كنا نتكلم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاة " ، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة .
والثاني : أنه ذكر أنهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الآية ، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق ، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة ، حتى نزلت هذه الآية .
ثم قال ابن حبان :
والجواب الثاني : أن زيدا حكى حال الصحابة مطلقا ، من المهاجرين وغيرهم ، ممن كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل تحريم الكلام في الصلاة ، ولم يرد الأنصار ، ولا أهل المدينة بخصوصهم ، كما يقول القائل : فعلنا كذا ، وإنما فعله بعضهم .
[6/366] قلت : وهذا يرده قوله : " حتى نزلت الآية " ؛ فإنه يصرح بأن كلامهم استمر إلى حين نزولها ، وهي إنما نزلت بالمدينة .
وأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين :
أحدهما : أنه يحتمل أنه كان نهى عن الكلام متقدما ، ثم أذن فيه ، ثم نهى عنه لما نزلت الآية .
والثاني : أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما نزلت الآية انتهوا .
وكلا الجوابين فيه بعد ، وإنما انتهوا عند نزول الآية ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت ، ونهيه عن الكلام ، كما تقدم .
وقال طائفة أخرى : إنما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة ؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم ، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ، وقالوا : إنما رجع من الحبشة إلى المدينة ، قبيل بدر .
واستدلوا بما خرجه أبو داود الطيالسي في " مسنده " من حديث عبد الله بن عتبة ، عن ابن مسعود ، قال : بعثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ، ونحن ثمانون رجلا ، ومعنا جعفر بن أبي طالب ، فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي ، وفي آخره : فجاء ابن مسعود ، فبادر ، فشهد بدرا .
وروى آدم بن أبي إياس في " تفسيره " : حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب ، قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة ، كما يتكلم أهل الكتاب ، فأنزل الله وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فسكت القوم عن الكلام .
وهذا مرسل ، وأبو معشر ، هو : نجيح السندي ، يتكلمون فيه
.
[6/367] وقد اتفق العلماء على أن الصلاة تبطل بكلام الآدميين فيها عمدا لغير مصلحة الصلاة ، واختلفوا في كلام الناسي والجاهل والعامد لمصلحة الصلاة .
فأما كلام الجاهل ، فيأتي ذكره قريبا .
وأما كلام الناسي والعامد لمصلحة ، فيأتي ذكره في " أبواب سجود السهو " قريبا ، إن شاء الله تعالى .