[6/389] 8 - باب
مسح الحصى في الصلاة
1207 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : حدثني معيقيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يسوي التراب حين يسجد ، قال : " إن كنت فاعلا فواحدة "
.

وخرجه مسلم من طريق شيبان .
وخرجه أيضا من طريق هشام الدستوائي ، عن يحيى ، هو : ابن أبي كثير ، ولفظ حديثه : ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح في المسجد - يعني : الحصى - ، قال : " إن كنت لا بد فاعلا فواحدة " .
وفي رواية له ، بهذا الإسناد ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المسح في الصلاة ، فقال : " واحدة " .
وفي الباب عن جماعة من الصحابة ، لم يخرج منه في " الصحيح " غير حديث معيقيب .
قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم .
يعني : على كراهة مسح الحصى ، والرخصة في المرة الواحدة منه .
وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في مس الحصى في الصَّلاة .
وكان ابن عمر يصلي فيمسح الحصى برجليه .
وروي عن ابن مسعود ، أنه يسويه مرة واحدة إذا سجد .
[6/390] وكان أبو هريرة وأبو ذر يرخصان في مسحه مرة واحدة .
وكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف بأسًا .
وكره ذلك الأوزاعي وأصحاب الرأي .
وقال أصحاب الرأي : لا بأس به مرة ، وتركه أحب إلينا .
وكان عثمان بن عفان وابن عمر يمسحان الحصى لموضع السجود ، قبل إن يدخلا في الصلاة .
قال ابن المنذر : هذا أحب إليّ ، ولا يخرج أن مسحه مرة ؛ لحديث معيقيب ، وتركه أفضل . انتهى .
ورويت كراهيته عن علي وابن مسعود وابن عباس .
وعن ابن عمر ، قال : هو من الشيطان .
ورخص فيه مرة واحدة أبو عبد الرحمن السلمي .
وهو قول سفيان الثوري .
وقال ليث بن أبي سليم : سمعت العلماء يقولون : تحريك الحصى ومسحه في الصلاة أذى للملكين .
وقد روي في سبب كراهيته : إن الرحمة تواجه المصلي ، فإذا أزال ما يواجهه من التراب والحصى ، فقد أزال ما فيه الرحمة والبركة .
فروى الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى ؛ فإن الرحمة تواجهه " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .
وقال : حديث حسن .
[6/391] وأبو الأحوص هذا ، ضعفه ابن معين وغيره .

وروى ابن المبارك في " كتابه " عن الأوزاعي ، عن هارون بن رئاب ، قال : قال ابن مسعود : إن الأرض لتزين للمصلي ، فلا يمسحها أحدكم ، فإن كان ماسحها لا محالة فمرة مرة ، ولأن يدعها خير له من مائة ناقة للنقلة .
واعلم ؛ أن مسح الحصى في الصَّلاة يكون على وجهين :
أحدهما : أن يكون عبثًا محضًا لغير وجه ، فهذا مكروه ؛ لأن العبث في الصلاة مكروه ، كما يكره ذلك في حال استماع الخطبة .
وفي الحديث الصحيح : " ومن مس الحصى فقد لغا " .
فإن كانت الرخصة في المرة الواحدة من هذا النوع ، فيشبه أن يكون معناه : أن المرة الواحدة تقع عن سهو وغفلة ، والمعاود إنما يكون عن تعمد وقصد ، كما قالَ في نظر الفجأة : " إن لك الأولى ، وليست لك الآخرة " .
ويشهد لهذا : ما خرجه الإمام أحمد من رواية شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة ، كلها سود الحدقة ، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح مسحة واحدة " .
وشرحبيل مختلف في أمره .
ورأى سعيد بن المسيب رجلا يعبث بالحصى ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .
الوجه الثاني : أن يكون عن حاجة إليه ، مثل أن يشتد حر الحصى ، فيقلبه ليتمكن من وضع جبهته عليه في السجود ، أو يكون فيه ما يؤذيه السجود عليه ، [6/392] فيصلحه ويزيله ، فهذا يرخص فيه بقدر ما يزول به الأذى عنه ، ويكون ذلك مرة واحدة .
قال أحمد : لا بأس بتسوية الحصى إن اضطر .
وروى الأثرم بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ، ثم سجد فسوى الحصى ، ثم تقبطه بيده .
وروى الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية ، عن أبي سلمة ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي الحصى .
وهذا غريب جدًا .
وقريب من هذا : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر ، قال : كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فأخذ قبضة من الحصى ؛ لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر .
وزعم أبو بكر الأثرم : أن الرخصة في المرة الواحدة ناسخة للنهي المطلق .
وفيه نظر .
ومذهب مالك : يكره أن ينقل الحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ، فيسجد عليه ، ولا يكره أن يسجد على ثوبه في الحر .
واستدل بعض من قال : إنه لا يرخص في الصلاة في أكثر من عمل واحد ، كخطوة أو ضربة ، بهذا الحديث .
وإنما يدل هذا الحديث على كراهة ما زاد على المرة الواحدة ، حيث كان لا يحتاج إلى الزيادة على ذلك ، فإن تسوية الحصى المقصود منه - غالبًا - بمرة [6/393] واحدة ، وهذا خلاف ما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة ، كالمشي والضرب ونحوهما ، وبذلك يجمع بين النصوص كلها في هذا الباب .