[6/396] الحديث الثاني :
1210 - نا محمود - هو : ابن غيلان - ، نا شبابة ، نا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه صلى صلاة ، فقال : " إن الشيطان عرض لي ، فشد علي ليقطع الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فذعته ، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان : " رَبِّ . . . هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحد مِنْ بَعْدِي " ، فرده الله خاسئًا "
.

معنى " دعته " : دفعته دفعًا عنيفًا ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
ويقال : " دعته " بالدال المهملة وبالذال المعجمة ، ذكره في " الجمهرة " .
وفي بعض نسخ " كتاب الصحيح " :
قال النضر بن شميل : " فذعته " - بالذال - أي : خنقته ، و" فدعته " من قول الله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ أي : يدفعون ، والصواب : " فدعته " ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء .
وقال الخطابي : " الذعت " : شدة الخنق ، ويقال : ذعت وسات إذا خنق ، انتهى .
ويقال : لا تصح رواية من رواه " دعته " بالدال المهملة وتشديد الدال ، فإنه لو كان من الدع كان أصله دعته ، وتدغم العين في التاء .
[6/397] وخرجه مسلم من طريق شعبة ، بمعناه أيضا .
وخرج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى صلاة الصبح ، فالتبست عليه القراءة ، فلما فرغ من الصلاة قال : " لو رأيتموني وإبليس ، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ، ولولا دعوة أخي سليمان ، لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة " .
وفي هذا الحديث من العلم : أن دفع المؤذي في الصلاة جائز ، وإن لم يندفع إلا بعنف وشدة دفع جاز دفعه بذلك .
وقد سبق في دفع المار بين يدي المصلي ، أنه " إن أبى فليقاتله ؛ فإنه شيطان " .
وهذا إذا كانَ أذاه يختص بالصلاة كالمار ، والشيطان الملهي عن الصَّلاة ، وكذلك إن كانَ أذاه لا يختص بالصلاة كالحية والعقرب .
وروى يحيى بن أبي كثير ، عن ضمضم بن جوس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .
وقال : حسن صحيح .
وضمضم هذا يمامي ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين والعجلي .

[6/398] وأخذ أكثر العلماء بهذا الحديث ، ورخصوا في قتل الحية والعقرب في الصلاة ، منهم : ابن عمر ، والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .
وكرهه النخعي خاصة ، ولعل السنة لم تبلغه في ذلك .
وقال سفيان : لا بأس أن يقتل الرجل - يعني : في صلاته - الحية والعقرب والزنبور والبعوضة والبق والقمل ، وكل ما يؤذيه .
وقد سبق القول في قتل القمل في الصلاة وفي المسجد في " باب : دفن النخامة في المسجد " وذكرنا هناك الاختلاف في كراهة قتل القمل في المسجد ودفنه فيه ، وإلقائه فيه .
ومذهب مالك : أنه يقتلها في صلاته ، بل إن كان في غير المسجد ألقاها ، وإن كان في المسجد لم يلقها فيه ، ولم يقتلها .
وكذلك كره قتل القملة في الصلاة : الليث وأبو يوسف .
وقال الأوزاعي : تركه أحب إلي .
ولم يكرهه الحسن وأبو حنيفة ومحمد وإسحاق وأكثر أصحابنا .
وفي الحديث دليل على إمكان ربط الشيطان وحبسه وإيثاقه ، وعلى جواز ربطه في المسجد ، كما يربط الأسير فيه ، وعلى جواز رؤية غير الأنبياء للجن والشياطين ، وتلاعب الصبيان بهم .
وأما قوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فإنه خرج على الأعم الأغلب ، وليس المراد به نفي إمكان رؤيتهم .
[6/399] وقد ظن بعض الناس أنه دال على ذلك ، فقال : من ادعى رؤيتهم فسق .
وقد رآهم أبو هريرة وغيره من الصحابة ، وستأتي الأحاديث بذلك متفرقة في أماكنها إن شاء الله تعالى .