الثاني :
1214 - حدثنا محمد ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى "
.

وقد خرجه - فيما تقدم - عن آدم ، عن شعبة .
ومقصوده الاستدلال بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البزاق والتنخم في الصلاة ، على أن النفخ ونحوه كالنحنحة لا يبطل الصلاة ؛ لأن للتنخم صوتًا كالتنحنح ، وربما كانَ معه نوع من النفخ عندَ القذف بالنخامة .
وقد سبق أن ابن عبد البر ذكر مثل ذلك .
وقد اختلف العلماء في النفخ في الصلاة : هل هو كلام يبطلها إذا تعمده ، أم لا ؟
فقالَ طائفة : هوَ كلام .
قال ابن المنذر : كرهه ابن مسعود وابن عباس .
وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ، أنه بمنزلة الكلام ، ولا يثبت عنهما .
[6/406] كذا قال ، وليس كما قال ، فقد روى الأعمش والحسن بن عبيد الله أبو عروة النخعي - وهو ثقة خرج له مسلم - كلاهما ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : النفخ في الصلاة كلام .
وقد خرجه وكيع في " كتابه " ، والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، عنه في " مسائله " .
وفي رواية له : النفخ في الصلاة يقطع الصلاة .
وخرجه الجوزجاني ، وعنده : النفخ في الصلاة أخشى أن يكون كلامًا .
وأما المروي عن أبي هريرة ، فمن طريق قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : النفخ في الصلاة كلام .
خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه في " مسائله " .
وقيس ، هو ابن الربيع .
وروي عن النخعي ، أنه قال : هو كلام .
وروي عنه أيضا قال : إنما كانوا يكرهونه في الصلاة مخافة أن يؤذي الرجل جليسه .
وعن سعيد بن جبير ، قال : هو بمنزلة الكلام .
وممن رأى أنه بمنزلة الكلام في إبطال الصلاة : أبو حنيفة ومحمد بن [6/407] الحسن والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد - في رواية - وابن القاسم المالكي ، وعن أبي يوسف روايتان :
إحداهما : إن أراد به التأفيف فهو كلام .
والثانية : ليس بكلام بكل حال ، وهي التي رجع إليها .
وكرهه ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير ، من غير إفساد الصلاة به .
وهو قول مالك وأحمد - في رواية - وإسحاق وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة .
وقال أحمد - مرة - : أخشى أن يكون قد فسدت صلاته ؛ يروى عن ابن عباس : من نفخ في صلاته فقد تكلم .
فحكى أكثر أصحابنا المتقدمين عن أحمد في ذلك روايتين .
وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فنزلوهما على حالين ، قالوا : إن بان منه حرفان فهو كلام مبطل الصلاة ، وإلا فلا .
ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ، ولا عن غيره ممن تقدم ، سوى الشافعي وأصحابه ، وهو قول أبي ثور .
واستدلوا بأن الكلام عند العرب ما دل على معنى ، وأقله حرفان .
ولكن الكلام المقصود يدل على معناه الموضوع له بالوضع ، ودلالة النفخ والتأوه ونحو ذلك إنما هوَ بالطبع لا بالوضع ، فليس في شيء من ذَلِكَ حروف موضوعة للدلالة على معنى خاص .
[6/408] وقال الحسن : إذا رأيت ما يريبك - يعني في الصَّلاة - فانفخ .
وهذا يدل على إباحته للحاجة إليه .
وروي - أيضا - مثله عن بعض الصحابة .
وفي الباب : حديث مرفوع ، عن أم سلمة ، اختلف في إسناده ولفظه :
فروى عنبسة بن الأزهر ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن أم سلمة ، قالت : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لهم وهو يصلي ، فنفخ في سجوده ، فقالَ : " لا تنفخ ؛ إن من نفخ فقد تكلم " خرجه النسائي ، وهو مما تفرد به عنبسة هذا .
وقد قال فيه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم : لا بأس به .
لكن قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .
وذكره ابن حبان في " ثقاته " ، وقال : كان يخطئ .

وخرج الترمذي من حديث ميمون أبي حمزة ، عن أبي صالح ، عن أم سلمة ، قالت : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما لنا ، يقال له : أفلح ، إذا سجد نفخ ، فقال له : " أفلح ، ترّب وجهك " .
وقال : إسناده ليس بذاك ، وميمون أبو حمزة ضعفه بعض أهل العلم .
وخرجه الإمام أحمد أيضا .
وميمون الأعور أبو حمزة ، قال أحمد : متروك .
[6/409] ولكنه توبع عليهِ :
فخرجه الإمام أحمد من طريق سعيد أبي عثمان الوراق ، عن أبي صالح ، قال : دخلت على أم سلمة ، فذكر الحديث مرفوعا ، وفيه : " ترب وجهك لله " .
وخرجه ابن حبان في " صحيحه " من طريق عدي بن عبد الرحمن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي صالح مولى آل طلحة بن عبيد الله ، قال : كنت عند أم سلمة ، فذكر الحديث .
كذا في هذه الرواية : " أبو صالح مولى آل طلحة " ، وجاء في رواية ، أنه : " مولى أم سلمة " .
قال أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " : أبو صالح مولى أم سلمة ، يحدث عنها في كراهة نفخ التراب في السجود ، اسمه : زاذان . انتهى .
وهو مع هذا غير مشهور .

والحديث بهذا اللفظ يدل على أن النفخ ليس بكلام ، وإنما يكره نفخ التراب عن موضع السجود ؛ لأنه يمنع تتريب الجبهة في السجود ، والأفضل للساجد أن يترب وجهه لله ، ولهذا كانَ سجوده على التراب أفضل من سجوده على حائل بينه وبين التراب .
وفي كراهة النفخ في الصلاة أحاديث أخر مرفوعة ، لا تصح .
وقد سبق في " باب : من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى " في ذلك حديث مرفوع ، من رواية بريدة ، وبيان علته .