[6/426] 17 – باب الخصر في الصلاة
1219 - حدثنا أبو النعمان ، ثنا حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الخصر في الصلاة .
1220 - حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، نا هشام ، ثنا محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي أن يصلي الرجل مختصرا .
وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .


حاصل ما ذكره في هذا الباب : أن هذا الحديث اختلف في لفظه على ابن سيرين :
فرواه أيوب ، عنه ، عن أبي هريرة ، قال : " نهي " .
ثم خرجه من طريق يحيى القطان ، عن هشام ، عنه ، كذلك .
ثم قال : وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فصرحا برفعه .
وقد أشكل هذا على بعضهم ، فقال : كيف يخرجه من طريق هشام . . . ثم يذكر أن هشاما صرح فيه بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟
وقال بعضهم : إن الحديث في رواية أبي ذر الهروي ، من طريق يحيى ، عن هشام ، مرفوعا ، وأنه الصواب .
وهذا هو عين الخطأ ؛ فإن يحيى إنما رواه عن هشام بلفظ " نهي " .
وإنما مراد البخاري : أن هشاما اختلف عليهِ في ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فخرجه من [6/427] طريق القطان ، عنه ، بلفظة : " نهي " ، ثُمَّ ذكر أنه روي مصرحا برفعه .
وكذا ذكره الدارقطني في " علله " : أن هشاما اختلف عليه فيه ، فرواه جماعة عنه ، وقالوا : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : زائدة وعبد الوهاب الثقفي وجرير بن عبد الحميد وغيرهم .
وقال الثوري والقطان وحفص بن غياث وأسباط بن محمد ويزيد بن هارون وحماد بن زيد ، عن هشام : " نهي " ، ولم يصرحوا برفعه .
إلا أن في رواية أسباط : " نهينا " ، وهذا كالتصريح .
ورواه أيوب وأشعث بن عبد الملك ، عن محمد ، عن أبي هريرة .
قال : ورواه عمران بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وكذا روي عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن ابن سيرين .
قال الدارقطني : وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من تورعه وتوقيه ، تارة يصرح بالرفع ، وتارة يومئ ، وتارة يتوقف ، على حسب نشاطه في الحال . انتهى .

ولم يذكر رواية أبي هلال ، عن ابن سيرين ، المصرحة بالرفع ، التي علقها البخاري .
وخرج هذا الحديث مسلم في " صحيحه " من رواية أبي خالد وأبي أسامة وابن المبارك - جميعا - عن هشام ، مصرحا برفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى [6/428] أن يصلي الرجل مختصرًا .
وخرج ابن حبان في " صحيحه " من طريق عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الاختصار في الصلاة راحة أهل النار " .
وقال : يعني : أنه فعل اليهود والنصارى ، وهم أهل النار .
كذا خرجه ؛ وإنما رواه عيسى بن يونس ، عن عبيد الله بن الأزور ، عن هشام ، بهذا اللفظ .
وكذا خرجه الطبراني والعقيلي من رواية عيسى بن يونس ، عنه .
وقال العقيلي : لا يتابع عبيد الله بن الأزور على لفظه .
و" الاختصار " ، فسره الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة ، وبذلك فسره الترمذي في " جامعه " ، وعليه يدل تبويب النسائي .
وروى الإمام أحمد في " مسنده " عن يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الاختصار في الصلاة ، قلنا لهشام : ما الاختصار ؟ قالَ : يضع يده على خصره وهو يصلي ، قالَ يزيد : قلنا لهشام : ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ برأسه - أي : نعم - .
وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة ، وأهل غريب الحديث ، وعامة المحدثين والفقهاء ، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور .
[6/429] وقد قيل : إنه إنما نهى عنه ؛ لأنه فعل المتكبرين ، فلا يليق بالصلاة .
وقيل : إنه فعل اليهود .
وقيل : فعل الشيطان .
فلذلك كرهه بعضهم في الصلاة وغيرها .
قد خرج البخاري في " كتابه " هذا في " ذكر بني إسرائيل " ، من رواية مسروق ، عن عائشة ، أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته ، وتقول : إن اليهود تفعله .
وخرجه سعيد بن منصور في " سننه " ، ولفظه : إن عائشة كانت تكره الاختصار في الصلاة ، وتقول : لا تشبهوا باليهود .
وخرجه عبد الرزاق ، ولفظه : إن عائشة نهت أن يجعل الرجل أصابعه في خاصرته في الصلاة ، كما تصنع اليهود .
وروي عن عائشة ، أنها قالت : هكذا أهل النار .
وعن ابن عباس ، قال : إن الشيطان يحضر ذلك .
وعن مجاهد ، قال : هو استراحة أهل النار في النار .
خرجه كله وكيع بن الجراح ، وعنه ابن أبي شيبة .
وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن حميد الهلالي ، قال : إنما كره الخصر في الصلاة أن إبليس أهبط مختصرًا .
[6/430] وروى صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة ، فلا يجعل يديه في خاصرته ؛ فإن الشيطان يحضر ذَلِكَ .
خرجه عبد الرزاق .
وروى سعيد بن زياد الشيباني ، عن زياد بن صبيح ، قال : صليت جنب ابن عمر ، فوضعت يدي على خصري ، فقال لي هكذا - ضربه بيده - ، فلما صليت قلت : يا أبا عبد الرحمن ، ما رابك مني ؟ قالَ : إن هذا الصلب ، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا عنه .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وزياد بن صبيح - ويقال : ابن صباح - الحنفي ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما ، وقال الدارقطني : يعتبر به .
قال : وسعيد بن زياد الشيباني ، الراوي عنه ، لا يحتج به ، ولكن يعتبر به ، قال : لا أعرف له إلا هذا الحديث ، نقله عنه البرقاني .
وسعيد بن زياد ، قال ابن معين : صالح ، ووثقه ابن حبان .

وحكى ابن المنذر كراهة الاختصار في الصلاة على هذا الوجه عن ابن عباس وعائشة ومجاهد والنخعي وأبي مجلز ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي . انتهى .
وهو قول عطاء والشافعي وأحمد ، أيضا .
ومن الناس من فسر الاختصار في حديث أبي هريرة بأن يمسك بيده شيئًا [6/431] يعتمد عليه في الصلاة ؛ فإن العصى ونحوها مما يعتمد عليهِ يسمى مخصرة .
وفسره بعضهم باختصار السورة ، فيقرأ بعضها .
وفسره بعضهم باختصار أفعال الصلاة ، فلا يتم قيامها ولا ركوعها ولا سجودها .
وقد بوب أبو داود في " سننه " على " التخصر والإقعاء في الصلاة " ، فخرج فيه حديث ابن عمر المشار إليه .
ثم بوب على " الاختصار في الصلاة " ، وخرج فيه حديث أبي هريرة هذا .
ثم أتبعه : " باب : يعتمد في الصلاة على عصى " .
فلعله فسر الاختصار بالاعتماد ، كما قال بعضهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .