182 - [ 145] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ : يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رؤية الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ؟ قَالُوا : لا ، يَا رسولَ الله ! قَالَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ؛ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ - تبارك وتعالى - فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَيَتَّبِعُونَهُ ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهرَيْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللهُمَّ ! سَلِّمْ ، سَلِّمْ . وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رسولَ الله ! قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلا اللهُ ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أهل النَّارِ ، أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ ، مِمَّنْ يَقُولُ : لا إِلهَ إِلا اللهُ ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ ؛ تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ . فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وقَدِ امْتَحَشُوا ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ ، وهو آخِرُ أهل الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا ، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا ، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ؟ فَيَقُولُ : لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ الله ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ! مَا أَغْدَرَكَ ! فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! يَدْعُو اللهَ تعالى حَتَّى يَقُولَ لَهُ : فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ؟ فَيَقُولُ : لا وَعِزَّتِكَ ! فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ الله مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَلا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ! مَا أَغْدَرَكَ ! فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ ، فَلا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ مِنْهُ ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ ، قَالَ لَهُ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ : تَمَنَّه ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى ، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ ، قَالَ اللهُ : ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ .
قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا ، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أبو هُرَيْرَةَ : إنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ : ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ، قَالَ أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : مَا حَفِظْتُ إِلا قَوْلَهُ : ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَوْلَهُ : ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ . قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهل الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ .


و ( قوله : " هل تضارّون " ) يُروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وبتخفيفها ، وضم التاء والتشديد أكثر ، وكلها له معنى صحيح ، ووجه الأكثر أنه مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله . أصله " تضاررون " ، أسكنت الراء الأولى وأدغِمتْ في الثانية . وأصل ماضيه " ضورر " ، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل بمعنى : تُضارِرون ، بكسر الراء ، إلاّ أنّها سكنت الراء وأدغمت . وكلّه من الضرّ المشدّد . وأمّا التخفيف ، فهو من ضاره ، يضيره ، ويضوره ضيرًا مخفّفةً ، فإذا بُني لما لم يُسمَّ فاعله ، قلت فيه : [1/415] يُضَار مخفَّفة ، وأمّا رواية فتح التاء ، فهي مبنيّة للفاعل بمعنى تتضارون ، وحُذِفت إحدى التاءين ؛ استثقالا لاجتماعهما ، ومعنى هذا اللفظ : أن أهل الجنة إذا امتنّ الله عليهم برؤيته سبحانه تجلّى لهم ظاهرًا ، بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله ، كما يفعل عند رؤية الأهلّة ، بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه .
وقد حُكي : ضاررته مضارة ؛ إذا خالفته ، وقد رُوي : " تضامّون " بالميم . والقول فيه روايةً ومعنًى كالقول في " تضارون " ، غير أن " تضامّون " بالتشديد من المضامّة ، وهي الازدحام ؛ أي : لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلّة . وأما بالتخفيف ، فمن الضيم ، وهو الذل ؛ أي : لا يذلّ بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة .
و ( قوله : " فإنكم ترونه كذلك " ) هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي ، لا المرئي . ومعناه : أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة ولا مزاحمة ، كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عِيانًا ، وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم ، فقالوا : إن معنى رؤيته تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورة . وهذا خطأ لفظًا ومعنى .
وأما اللفظ : فهو أنّ الرؤية بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين ، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر ، وهي قد تعدّت هنا إلى مفعول واحد ، فهي للإبصار ، ولا يصحّ أن يقال : إن الرؤية بمعنى المعرفة ؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى عرفت ، لكن بمعنى علمت أو أبصرت ، واستعملت علمت بمعنى عرفت ، لا رأيت بمعنى عرفت .
وأما المعنى ، فمن وجهين :
أحدهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - شبّه رؤية الله تعالى بالشمس ، وذلك التشبيه لا يصح إلا بالمعاينة .
[1/416] وثانيهما : أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة ، فترتفع خُصوصية المؤمنين بالكرامة وبلذة النظر ، وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة .
و " الطواغيت " جمع طاغوت ، وهو الكاهن والشيطان وكل رأسٍ في الضلال ، والمراد به في الحديث الأصنام . ويكون واحدًا ، كقوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وقد يكون جمعًا ، كقوله تعالى : أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ . وطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت ، فهو مقلوب ؛ لأنه من طغى ، ولاهوت غير مقلوب ؛ لأنه من لاهٍ ، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت ، قاله في الصحاح .
و ( قوله : " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها " ، ظنّ المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم كما نفعهم في الدنيا ، جهلا منهم بأن الله تعالى عالم بهم ، ومطلع على ضمائرهم . وهذا كما قد أقسمت طائفة من المشركين أنهم ما كانوا مشركين ، توهمًا منهم أنّ ذلك يُنجيهم . ويحتمل أن يكون حشرهم مع المسلمين لِما كانوا يُظهرونه من الإسلام ، فحفظ عليهم ذلك ، حتّى يميِّز الله الخبيث من الطيّب . ويحتمل أنّه لمّا قيل : " تتّبعَ كلُّ أمّةٍ ما كانت تعبدُ " ، فاتّبع الناس معبوداتِهم ، ولم يكونوا عبدوا شيئًا ، فبقوا هنالك حتّى مُيِّزوا ممّن كان يعبد الله .
و ( قوله : " فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون " ) هذا المقام مقام هائل يمتحن الله تعالى فيه عبادَه ؛ ليُميِّز المُحِقّ من المُبطِل ، وذلك أنّه لمّا بقي المنافقون والمُراءون متلبّسين بالمؤمنين والمخلصين ، زاعمين أنّهم منهم ، وأنّهم [1/417] عملوا مثل أعمالهم وعرفوا اللهَ مثل معرفتهم ، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع : أنا ربُّكم ، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك ، والتعوُّذ منه ؛ لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله تعالى ، وأنّه منزَّه عن صفات هذه الصورة ؛ إذ سماتها سمات المُحدَثات ، ولذلك قال في حديث أبي سعيد : " فيقولون نعوذ بالله منك ، لا نشرك بالله شيئًا مرّتين أو ثلاثًا ، حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب . وهذا البعض الذي همّ بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين ، ولعلّ هذه الطائفة هي التي اعتقدت الحق ، وجزمت عليه من غير بصيرة ، ولذلك كان اعتقادهم قابلاً للانقلاب . ثم يقال بعد هذا للمؤمنين : هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساقٍ ؛ أي : يوضح الحقّ ويتجلّى لهم الأمر ، فيرونه حقيقة معاينة .
وكشف الساقِ : مَثَلٌ تستعمله العرب في الأمر إذا حقّ ووضح واستقر ، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها ، إذا زالت مخارقها وحقّت حقائقها ، وقال :
وكنتُ إذا جاري دَعا لِمَضُوفةٍ
أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئزَري
وعند هذا يسجد الجميع ، فمن كان مخلصًا في الدنيا ، صحّ له سجوده على تمامه وكماله ، ومن كان منافقًا أو مرائيًا ، عاد ظهره طبقةً واحدةً ، كلما رام السجود ، خرّ على قفاه . وعند هذا الامتحان يقع امتياز المحقّ من المبطل ، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة .
والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء ، ويكون معنى الكلام : إن الله تعالى يجيئهم بصورة ، كما قيل في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ أي : بظلل . ويكون معنى الإتيان [1/418] هنا : يحضر لهم تلك الصورة . وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلّى لهم الحقّ ، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ، ولا يشبهه بشبهها شيء من المصوّرات . وهذا الوصف هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا ، وهو المعبّر عنه بـ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، ولذلك قالوا : إذا جاء ربّنا عرفناه . وفي حديث آخر يقال : " وكيف تعرفونه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له ولا نظير " . ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة ، فمن المتداول أن يقال : صورة هذا الأمر كذا ؛ أي : صفته .
والإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى ثانيًا هو عبارة عن تجليه لهم ، فكأنه كان بعيدًا فقرُبَ ، أو غائبًا فحضر . وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب ، فإنهم يسمّون الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو قاربه ، أو كان منه بسبب .
و ( قوله في حديث أبي سعيد : " ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة " ) يعني : أن المؤمنين إذا رفعوا رؤوسهم ، رأوا الحقّ مرة ثانية ؛ إذ كانوا قد رأوه حالة قولهم : أنت ربنا ، قبل السجود .
والتحوّل المنسوب إلى الله تعالى هنا عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوّذ منها ، وعن إظهاره تعالى وجوده المقدّس للمؤمنين ، فيكون قوله : " وقد تحوّل " حالاً متقدمة قبل سجودهم ، بمعنى : وقد كان تحوّل ؛ أي : حوّل تلك الصورة وأزالها ، وتجلّى هو بنفسه ، فيكون المراد بهذا الكلام . أن الحقّ سبحانه لمّا تجلّى لعباده المؤمنين أوّل مرة رأوه فيها لم يزل كذلك ، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم ، ثم لَمّا فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرة ثانية .
و ( قوله في حديث أبي هريرة الأول : " فيتبعونه " ) أي : يتبعون أمره ، كما [1/419] يقال : اتبعت فلانًا على رأيه ، واتبعت أمره ؛ أي : انْقَدْتُ إليه وامْتَثَلْتُه ، فيكون من باب الاستعارة . ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف ؛ أي : يتبعون ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة ، فكأنهم يتقدّمون بين أيديهم دلالة وخدمة وتأنيسًا ، والله تعالى أعلم .
تنبيه : اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات هذه الأحاديث ، فمِن مبعدٍ ومن محوّم ، وما ذكرناه أحسنها وأقربها لمنهاج كلام العرب ، ولأنْ يكون هو المراد . ومع ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد . والتحقيق أن يقال : الله ورسوله أعلم . والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم ، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها ؛ لما يعارضها من ظواهر أخر ، كما قرره أئمتنا في كتبهم ، ولما دلّ العقل الصريح عليه ، وقد أشرنا إلى نبذٍ من ذلك .
و ( قوله : " ثم يضرب الصراط بين ظهري جهنم " ) الصراط في اللغة : هو الطريق ، وفيه لغات : الصاد والسين والزاي ، وهو هنا : الطريق من أرض المحشر إلى الجنة ، وهو منصوب على متن جهنم أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف ، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر .
و " جهنّم " اسم من أسماء النار التي يُعذَّب بها في الآخرة . قال الجوهري : هو ملحقٌ بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه ، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث ، وهو فارسي معرَّب . وركية جِهِنَّامٌ ؛ أي : بعيدة القعر .
و ( قوله : " فأكون أنا وأمتي أوّل من يُجيز " ) بضمّ أوّله رباعيًا من " أجاز " [1/420] أي : يمضي عليه ويقطعه ، يقال : أجزت الوادي وجُزْتُه لغتان فصيحتان . وحُكي عن الأصمعي أنه قال : أجزته قطعته ، وجُزته مشيت فيه .
ويحتمل أن يقال : إن الهمزة في " أجاز " هنا للتعدية من قولهم : أجيزي صوفة ؛ أي : أجزنا ، وذلك أن صوفة كان رجلاً معظمًا في قريش يُقتدى به في مناسك الحج ، فلا يجوز أحدٌ في شيء من مواقفه حتى يجوز ، فكان الناس يستعجلونه فيقولون : أجِزْ صوفةُ ؛ أي : ابتدِئ بالجواز حتّى نجوز بعدك ، فكان يمنعهم بوقوفه ويجيزهم بجوازه ، ثمّ بقي ذلك في ولده فقيل للقبيلة : أجيزي صوفة . فكذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمّته على الصراط ، فلا يجوز أحد حتّى يجوز هو وأمّته ، فكأنّه يجيز الناسَ . و " دعوى الرسل " دعاؤها ، جاء بالمصدر مؤنّثًا .
و ( قوله : " يومئذٍ " ) إشارة إلى حين الجواز على الصراط ، وإلا ففي وقت آخر تجادل كلّ نفس عن نفسها . و " السَّعْدان " نبت كثير الشوك ، شوكه كالخطاطيف والمحاجن .
و ( قوله : " لا يعلم ما قدر عظمها إلاّ الله " ) قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء على أن تكون " ما " استفهامًا خبرًا مقدَّمًا ، و " قدر " مبتدأ ، أو بنصبها على أن تكون " ما " زائدة ، و " قدر " مفعول يعلم .
و ( قوله : " فمنهم الموبق بعمله " ) بالباء بواحدة من أسفل كذا للعذري ، ومعناه : الْمُهلَك بعمله السيئ ، وللطبري : " الموثق بعمله " بالثاء المثلثة من الوثاق ، وللسمرقندي : " المؤمن بقي بعمله " وكلها صحيح ، والأول أوضحها .
[1/421] وروى العذري وغيره : " ومنهم المخردل " مكان " المجازى " ، ومعناه الذي تقطع الكلاليب لحمه ، يقال : خردلت اللحم خراديل ؛ أي : قطعته قطعًا ، وهو بالدال المهملة . وحكى يعقوب أنه يقال بالذال المعجمة ، وهو أيضًا بالخاء بواحدة من فوق ، وقد قاله بعضهم بالجيم . والجردلة : الإشراف على الهلاك والسقوط فيه .
و ( قوله : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد " ) أي : تمم عليهم حسابهم وكمّله وفصل بينهم ، لا أن الله يشغله شأن عن شأن ، يعني : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، وشفع كل من له شفاعة . ألا ترى قوله : " وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار " . واقتصاره على " لا إله إلا الله " ، ولم يذكر معها الشهادة بالرسالة ؛ إما لأنهما لما تلازمتا في النطق ، اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى ، وإما لأنه لَمّا كانت الرسل كثيرين ، ويجب على كل أحد أن يعرف برسالة رسوله ، كان ذكر جميعهم يستدعي تطويلاً ، فسكت عن ذكرهم ؛ علمًا بهم واختصارًا لذكرهم ، والله أعلم .
و ( قوله : " قد امتَحَشوا " ) صوابه بفتح التاء والحاء ، ومعناه : احترقوا ، يقال : امتحش الخبز ؛ أي : احترق ، ويقال : محشتْه النارُ وأمحشتْه ، والمعروف : [1/422] أمحشه . قال صاحب العين : وقد رواه بعضهم : " امتُحِشوا " مبنيًا لما لم يسم فاعله ؛ أي : أُحرِقوا ، والصواب الأول . و " الحُمم " الفحم ، واحده حممة . و " الحِبة " - بكسر الحاء - : نور العشب ، و " الحَبة " بفتحها : من الحنطة وغيرها مما يزرع .
و " ماء الحياة " هو الذي من يشربه أو يطهر به لم يمت أبدًا . و " حميل السيل " ما يحمله من طين وغثاء ، فإذا اتفق أن يكون فيه حبة ، فإنها تنبت في يوم وليلة ، وهي أسرع نابتة نباتا ، فشبّه - عليه الصلاة والسلام - سُرعة نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبة ، وهذا معنى ما قاله الإمام أبو عبد الله . وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوع آخر دلّ عليه ما في حديث أبي سعيد ، حيث قال : " ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر ، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض " ، وهو تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسن . وما يكون منهم إلى جهة النار ، يتأخر ذلك النصوع عنه ، فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحُسْن والنور ونضارة النعمة عليهم . ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن ما يباشر الماء ، تشتدّ سرعةُ نصوعه ، وأنّ ما فوق ذلك يتأخر عنه البياض ، لكنه يسري إليه سريعًا ، والله أعلم .
و ( قوله : " ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ثانيًا " ) يعني : يكمل خروجَ الموحدين من النار .
و ( قوله : " قَشَبني ريحها " ) أي : غيّر جلدي وصورتي وسوّدني وأحرقني ، قاله الحربي . وقال الخطابي : قشبه الدخانُ ، إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكَظمه .
[1/423] وقال الجوهري : قشبني يقشبني ؛ أي : أذابني ، كأنه قال : سمّني ريحه . قال : والقشيب السمُّ ، والجمع أقشاب عن أبي عمرو . و " ذكاء النار " شدة حرِّها بفتح الذال مقصور ، وهو المشهور . وقد حكى أبو حنيفة اللغوي فيه المد ، وخطأه علي بن حمزة ، وقد روي هنا بالوجهين مقصورًا و ممدودا .
و ( قوله : " انفهقت له الجنة " ) أي : اتسعت وانفتحت ، والمتفيْهِق : المتوسع في كلامه المتكلِّف فيه .
و ( قوله : " فيرى ما فيها من الخير " كذا مشهور الرواية فيه ، وقد روي " الحَبر " بالحاء المهملة مفتوحة والباء بواحدة ، وهي إفراط التنعم ، ومنه : فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ؛ أي : يُنعمون ويسرّون . والحِبر بكسر الحاء الذي يكتب به والعالم والجمال ، ومنه : ذهب حِبْره وسِبره ؛ أي : جماله وبهاؤه . ويقال في العالم بفتح الحاء .
[1/424] و قوله : " فلا يزال يدعو الله حتى يضحكَ الله منه ، فإذا ضحك الله منه قال له : ادخل الجنة " ، الضحك من خواص البشر ، وهو تغيُّرٌ أوْجَبَه سرورُ القلب بحصول كمال لم يكن حاصلاً قبل ، فتثور من القلب حرارةٌ ينبسط لها الوجهُ ، ويضيق عنها الفمُ ، فينفتح ، وهو التبسّم ، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه . وذلك كله على الله تعالى محال ، لكن لما كان دلالة عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا ، عُبّر عن سببه به ، وقد قالوا : تضحك الأرض من بكاء السماء ؛ أي : يظهر خيرها . وفي بعض الحديث : " فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك " يعني : السحاب ، ومنه قولهم :
...
ضحك المشيب برأسه فبكى
وقال :
في طعنة تضحك عن نجيع
فالضحك في هذه المواضع بمعنى الظهور ، فيكون معناه في هذا الحديث : أن الله تعالى رضي عن هذا العبد ، وأظهر عليه رحمتَه وفضلَه ونعمته ، ولهذا حمله قوم هنا على أنّه تجلّى لهذا العبد وظهر له .
و ( قوله في الحديث الآخر : " أتسخر مني ؟ " ) وفي رواية : " أتستهزئ مني ؟ " ، [1/425] قد أكثر الناس في تأويله ، ومن أشبه ما قيل فيه : إن هذا الرجل استخفّه الفرح وأدهشه ، فقال ذلك غير ضابط لما يقول ، كما جاء في الحديث الآخر في الذي وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع : " اللهم أنت عبدي وأنا ربك " ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخطأ من شدّة الفرح " .
وقيل : إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة أنّه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين ، فكأنه قال : أتجازيني على ما كان مني ؟ وهذا كما قال تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، و سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ؛ أي : يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات .
و ( قوله في حديث ابن مسعود : " فيقول الله : يا ابن آدم ما يصريني منك ؟ " ) قال الحربي : إنّما هو : يصريك منّي ، قال : يقال : صريتُ الشيء ، إذا قطعتُه . الجوهريّ : صرى الله عنه شره : رفعه ، وصريته : منعته ، وصر قوله صريا : قطعه .