[6/447] 2 – باب إذا صلى خمسا
1226 - حدثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسة ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ قال : " وما ذاك ؟ " قالوا : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعدما سلم
.

وقد خرجه البخاري في " أبواب استقبال القبلة " - فيما مضى - من رواية منصور ، عن إبراهيم بهذا الإسناد ، بسياق مطول ، وفي حديثه قال إبراهيم : " لا أدري زاد أو نقص " .
وذكر في الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد سجدتين ، ثم سلم .
وزاد في آخر الحديث : " وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين " .
وخرجه مسلم من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، به ، ولفظه : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزاد أو نقص - قال إبراهيم : الوهم مني - ، فقيل : يا رسول الله : أزيد في الصلاة شيء ؟ قال : " إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس " ، ثم تحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد سجدتين .
وقد اتفقت الروايات عن إبراهيم في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر بسهوه لم يزد على أن سجد سجدتين .
[6/448] وهذا يدل على أنه كان سهوه بزيادة لا بنقص ، فإنه لو كان سهوه بنقص لأتى بما نقص من صلاته ثم سجد ، فلما اقتصر على سجدتي السهو دل على أن صلاته كانت قد تمت ، وأن السهو كان في الزيادة فيها .
ولكن رواه أبو بكر الحنفي ، عن مسعر ، عن منصور ، وقال في حديثه :
ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتم صلاته ، وسجد سجدتين بعدما سلم .
وذكر إتمامه صلاته زيادة غير محفوظة ، لم يقلها غير أبي بكر الحنفي ، وهو ثقة يتفرد بغرائب ، ولم يتابع على هذه الزيادة
.
وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سويد النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر خمسا ، فلما انفتل توشوش القوم بينهم ، فقال : " ما شأنكم ؟ " قالوا : يا رسول الله ، هل زيد في الصلاة ؟ قال : " لا " ، قالوا ، فإنك قد صليت خمسا ، فانفتل ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم قال : " إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون " .
خرجه مسلم .
وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد ، " فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " .
وخرجه مسلم - أيضا - من طريق أبي بكر النهشلي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا ، فقلنا : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة ؟ قال : " وما ذاك ؟ " قالوا : صليت خمسا ، قال : " إنما أنا بشر مثلكم ، أذكر كما تذكرون ، وأنسى كما تنسون " ، [6/449] ثم سجد سجدتي السهو .
وإلى هذا الحديث ذهب جمهور أهل العلم ، وأنه إذا صلى رباعية خمسا أو أكثر من ذلك ، أو المغرب أربعا أو أكثر ، أو الفجر ثلاثا أو أكثر ، ثم ذكر بعد سلامه أنه يسجد سجدتي السهو ، وتجزئه صلاته .
وروي ذلك عن علقمة والحسن وعطاء والزهري والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وفقهاء أهل الحديث جملة .
وقالت طائفة : إن لم يكن قعد بعد الركعة الأخيرة من صلاته قدر التشهد فسدت صلاته ، وعليه الإعادة ، وإن كان قعد عقيب انقضاء صلاته قدر التشهد أجزأه ، وهو قول جماعة من الكوفيين ، منهم : حماد وأبو حنيفة والثوري .
وقالوا : إذا لم يذكر حتى سجد في الخامسة ، ولم يكن قعد عقيب الرابعة تحولت صلاته نفلا ، وشفعها بسادسة .
ولو لم يشفعها جاز عند أبي حنيفة وأصحابه إلا عند زفر ؛ فإنه لا بد أن يشفعها ؛ لأنه بتلبسه بالخامسة لزمه إتمام ما شرع فيه من النفل .
وإن كان جلس عقيب الرابعة ، ثم ذكر بعد تمام الخامسة ضم إليها ركعة أخرى ، وكانت الركعتان نافلة .
واختلف الحنفية : هل تجزئانه من سنة الصلاة بعدها ، أو لا ؟
واستدل الجمهور بحديث ابن مسعود ، وقد روي عنه أنه عمل بمقتضاه ، وكذلك عمل به علقمة راويه عنه ، وهما أعلم بمدلول ما روياه .
والظاهر : أنه لم يكن قعد عقيب الرابعة ؛ لأنه قام إلى الخامسة معتقدا أنه قام عن ثالثة ، ولأن هذا زيادة في الصلاة من جنسها سهوا ، فلا تبطل به [6/450] الصلاة ، كما لو ذكر قبل أن يسجد في الخامسة ، فإن هذا قد وافقوا عليه ، وأن صلاته لا تبطل بذلك ، وأنه يرجع فيتشهد ويسلم ، وتجزئه صلاته ، ولا فرق في هذا بين صلاة وصلاة .
وحكي عن قتادة والأوزاعي : أن من صلى المغرب أربعا ، ثم ذكر ، أنه يأتي بخامسة ، يقطعها على وتر .
وروى جابر الجعفي ، عن الشعبي وسالم والقاسم وعطاء - في رجل صلى المغرب أربعا - قالوا : يعيد .
قال أحمد : إنما يرويه جابر .
يعني : أنه تفرد به ، وهو ضعيف مشهور
.
وذهب بعض المالكية إلى أن من زاد في صلاته مثل نصفها سهوا ، أن صلاته تبطل ، ورد ابن عبد البر ردا بليغا .
وروى زياد بن عبيد الله الزيادي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر ست ركعات .
وروى ابن وهب في " مسنده " ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر سبع ركعات ، وعليه حلة حرير ، أهداها له أكيدر دومة ، فلما انصرف نزعها ، وقال : " إني نظرت إليها ، فألهتني عن صلاتي " .
وهذا مرسل
.
وفي الحديث دليل على أنه يسجد للسهو إذا لم يذكره إلا بعد السلام ، وإن كان قد تكلم بينهما ، وبهذا قال علقمة وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد .
[6/451] لأن السجود مرسل هنا ، منقول بعد السلام ، فلا يمنع الكلام فعله ، كالتكبير في أيام التشريق ، هكذا علله بعض أصحابنا .
ويقتضي ذلك : أنه لا يمنع السجود فيه إن تكلم بعد ذكره عمدا .
وفي بعض روايات حديث ابن مسعود ما يدل على ذلك ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بعد تذكيرهم له بزيادته ، ثم سجد .
وقال أبو حنيفة : متى تكلم لم يسجد ؛ لأن الكلام ينافي الصلاة .
واختلفوا : هل يعتبر أن لا يطول الفصل بين السلام من الصلاة والسجود ، أم لا ؟ وفيه قولان :
أحدهما : يعتبر ذلك ، فإن طال الفصل امتنع السجود ؛ لأن سجود السهو تكملة للصلاة ، فلا يبنى عليها مع طول الفصل ، كسائر أفعال الصلاة ، وهذا قول الشافعي - في أصح قوليه ، وهو الجديد منهما - وأحمد في إحدى الروايتين .
واعتبر - أيضا - ألا يكون خرج من المسجد ، وعليه أكثر أصحابه .
ومنهم من لم يعتبره ، وهو قول الشافعي وأصحابه ، وهو رواية أخرى عن أحمد ، ومذهب الثوري وغيره من العلماء .
والثاني : لا يعتبر قرب الفصل ، بل يسجد وإن طال الفصل ، وهو قول الضحاك ويحيى بن سعيد والثوري ومكحول والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي - في قوله الآخر - وأحمد - في الرواية الأخرى - .
لأنه جبران ، يفعل بعد التحلل من العبادة ، فيجوز فعله بعد طول الزمان كجبران الحج .
وقال مالك : إن كان السجود بعد السلام جاز فعله إذا ذكره وإن طال [6/452] الزمان ، وإن كان قبل السلام لم يفعله إلا مع قرب الفصل ، فإن تباعد أعاد الصلاة ؛ لأنه جزء من الصلاة .
وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه يفعله مطلقا ، وإن طال الزمان ، ما لم ينتقض وضوؤه .
وعن ابن شبرمة والحكم : يسجد ما لم يخرج من المسجد ، فإن خرج أعاد الصلاة .
وقال أبو حنيفة : يسجد ما لم يخرج من المسجد أو يتكلم .
وقال عطاء : يسجدهما ما لم يتم ، ولو اتكأ ، ثم ذكر ، جلس فسجد ، وإن قام فليصل ركعتين ، ولا يسجد للسهو .
وقال الليث بن سعد : يسجد ما لم ينتقض وضوؤه .
وعن الحسن وابن سيرين : يسجد ما لم يصرف وجهه عن قبلته ، فإن صرفه لم يسجد .
وحديث ابن مسعود صريح في رد هذا ، وقد سبق القول فيه في " أبواب استقبال القبلة " .
وللشافعية وجه : أنه لا يسجد مع قرب الفصل - أيضا - ؛ لفوات محله ، وهو قبل السلام عندهم .
قال بعضهم : وهذا غلط ؛ لمخالفته للسنة .
قالوا : وهل يكون هذا السجود عائدا إلى حكم الصلاة ؟ فيه وجهان .
ولهما فوائد :
منها : لو تعمد الكلام في هذا السجود والحديث ، فإن قيل : إنه عائد إلى الصلاة بطلت صلاته ، وعلى الآخر لا تبطل .
[6/453] ومنها : إن قيل : عائد إلى الصلاة ، لم يكبر الافتتاح ، ولم يتشهد ، بل يسلم بعد السجود ، وعلى الآخر يكبر للافتتاح ، وفي تشهده وجهان ، أصحهما : لا يتشهد ؛ لأنه لم يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء .
قالوا : ويسلم على الصحيح ، سواء تشهد أو لا ؛ للأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - سجد ثم سلم .
ومذهب الثوري إذا أحدث في سجدتي السهو لم تبطل صلاته ، وليست بمنزلة الصلاة .
واستدل طائفة بهذا الحديث على من زاد في صلاته سهوا ، فإنه يسجد لذلك بعد السلام ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام ، وهذا قول مالك وأبي ثور ورواية عن أحمد .
وحكي عن أحمد : أن زيادة عدد الركعات خاصة يسجد لها بعد السلام مطلقا ، وهو الذي حكاه الترمذي في " جامعه " عن أحمد ، وحكى القاضي أبو يعلى في ذلك روايتين ، لو ذكر قبل السلام ، أنه يسلم ثم يسجد بعد السلام .
وقد ذهب إليه بعض أهل الحديث .
والذي عليه جمهور العلماء : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سجد في حديث ابن مسعود بعد سلامه ؛ لأنه لم يشعر بسهوه إلا بعد السلام من صلاته ، فكان سجوده بعد السلام ؛ فإنه إنما سلم ظانا أن صلاته لا زيادة فيها ، وإنما علم بالزيادة فيها بعد ذلك .
[6/454] وقد صرح الإمام أحمد بهذا المعنى في رواية حرب ، وغيره .
وسيأتي القول في محل سجود السهو فيما بعد إن شاء الله تعالى .