[6/500] 6 - باب إذا لم يدر كم صلى - ثلاثًا أو أربعا - سجد سجدتين وهو جالس
1231 - ثنا معاذ بن فضالة ، ثنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قضي الأذان أقبل ، فإذا ثوب بها أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا وكذا - ما لم يكن يذكر - حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليسجد سجدتين وهو جالس "
.

" يخطر " بضم الطاء عند الأكثر ، والمراد : أنه يمر ، فيحول بين المرء وما يريد من نفسه ، من إقباله على صلاته .
وروي " يخطر " - بكسر الطاء - يعني : تحرك ، فيكون المعنى : حركته بالوسوسة .
وقوله : " حتى يظل الرجل " ، هكذا الرواية المشهورة بالظاء القائمة المفتوحة ، والمراد : يصير ، كما في قوله تعالى : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
وروى بعضهم " يضل " بالضاد المكسورة ، من الضلال ، يعني : أنه ينسى ويتحير .
وقوله : " إن يدري " ، " أن " بفتح الهمزة ، حكاه ابن عبد البر عن [6/501] الأكثرين ، وقال : معناه : لا يدري .
وقال القرطبي : ليست هذه الرواية بشيء ، إلا مع رواية : " الضاد " ، فتكون : " أن " مع الفعل بتأويل المصدر مفعول " ضل " أن ، بإسقاط حرف الجر ، أي : يضل عن درايته وينسى عدد ركعاته .
قال : وفيه بعد ، ورجح أن الرواية : " إن " بكسر الهمزة ، يعني : ما يدري .
قلت : أما وقوع " إن " المكسورة نافية فظاهر ، وأما " أن " المفتوحة ، فقد ذكر بعضهم أنها تأتي نافية - أيضا - ، وأنكره آخرون .
فعلى قول من أثبته ، لا فرق بين أن تكون الرواية هاهنا بالفتح أو بالكسر .
وقوله : " فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثًا أو أربعا - فليسجد سجدتين " ، ليس في هذا الحديث سوى الأمر بسجود السهو عند الشك ، من غير أمر بعمل بيقين أو تحر .
وروي عن أبي هريرة أنه أفتى بذلك .
قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه : سألت أبا هريرة ، فقلت : شككت في صلاتي ، قال : يقولون : اسجد سجدتين وأنت جالس .
وهذا كله ليس فيه بيان أنه يتحرى أو يبني على اليقين ، ولا بد من العمل بأحد الأمرين ، وكلاهما قد ورد في أحاديث أخر ، تقضي على هذا الحديث المجمل .
[6/502] وقد روي من حديث أبي هريرة التحري ، بالشك في رفعه ووقفه .
فروى شعبة ، عن ابن إدريس الأودي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال شعبة : قلت : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : أحسبه ، أكبر علمي ، أنه قالَ : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : " لا يصلي أحدكم وبه شيء من الخبث " ، وقال في الوهم : " يتحرى " .
وروي في حديث أبي هريرة ذكر السجود قبل السلام في هذا ، من رواية ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، فيدخل بينه وبين نفسه ، حتى لا يدري زاد أو نقص ، فإذا كان ذلك ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ، ثم يسلم " .
خرجه أبو داود وابن ماجه .
وخرجه ابن ماجه أيضا ، من رواية ابن إسحاق أيضا ، أخبرني سلمة بن صفوان بن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : " فليسجد سجدتين قبل أن يسلم " .
وخرجه أبو داود من طريق ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، ولفظه : " فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم " .
وخرجه الدارقطني من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، [6/503] عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكره ، وقال بعد قوله : " فليسجد سجدتين وهو جالس " : " ثم يسلم " .
وذكر في " العلل " أن سليمان وعلي بن المبارك وهشاما والأوزاعي وغيرهم رووه ، عن يحيى ، ولم يذكروا فيه : التسليم قبل ولا بعد .
قال : وكذلك قال الزهري ، عن أبي سلمة .
ولم يذكر رواية ابن إسحاق وابن أخي الزهري ، عن الزهري ، وذكر رواية ابن إسحاق ، عن سلمة بن صفوان بن سلمة ، كما رواه عكرمة بن عمار ، عن يحيى .
قال : وهما ثقتان ، وزيادة الثقة مقبولة .
قال : ورواه فليح بن سليمان ، عن سلمة بن صفوان ، وقال فيه : " وليسلم ، ثم ليسجد سجدتين " ، بخلاف رواية ابن إسحاق .
قلت : أما ابن إسحاق ، فمضطرب في حديث الزهري خصوصًا ، وينفرد عنه بما لا يتابع عليه ، وروايته عن سلمة بن صفوان ، قد خالفه فيها فليح ، كما ترى .
ورواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، كثيرة الاضطراب عند يحيى القطان وأحمد وغيرهما من الأئمة .
ففي ثبوت هذه الزيادة نظر
. والله تعالى أعلم .
وقد روي من غير حديث أبي هريرة البناء على اليقين والتحري .
فأما الأول :
فخرجه مسلم ، من طريق سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، [6/504] عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا شك أحدكم في صلاته ، فلا يدري كم صلى ثلاثا أو أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمسًا ، شفعن له صلاته ، وإن كان صلى إتماما لأربع ، كانتا ترغيما للشيطان " .
وخرجه - أيضا - من رواية داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، به ، بمعناه .
وخرجه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، وهشام بن سعد وفليح بن سليمان وغيرهم ، عن زيد بن أسلم ، كذلك .
وكذلك رويناه من حديث عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، بهذا الإسناد .
والمعروف من رواية ابن عجلان : أنه لم يذكر في حديثه : " قبل السلام " .
وكذا رواه أبو غسان وغيره ، عن زيد بن أسلم .
ورواه مالك في " الموطأ " والثوري ويعقوب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، مرسلًا .
ووصله الوليد بن مسلم وغيره ، عن مالك .
وليس بمعروف عنه وصله .
ووصله بعضهم عن الثوري ، أيضا .
[6/505] ولعل البخاري ترك تخريجه ؛ لإرسال مالك والثوري لهُ .
وحكم جماعة بصحة وصله ، منهم : الإمام أحمد والدارقطني .
وقال أحمد : أذهب إليه ، قيل له : إنهم يختلفون في إسناده ، قال : إنما قصر به مالك ، وقد أسنده عدة ، فذكر منهم : ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة .
ورواه الدراوردي وعبد الله بن جعفر وغيرهما ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ذكره الدارقطني .
وقال : القول قول من قال : عطاء ، عن أبي سعيد .
وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر ، من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثني هلال بن عياض ، حدثني أبو سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا صلى أحدكم ، فلا يدري زاد أو نقص ، فليسجد سجدتين وهو جالس " .
خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وقال : حديث حسن .
وخرجه النسائي ، وزاد في رواية له : " ثم يسلم " .
وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله
.
وروى ابن إسحاق ، عن مكحول ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " إذا سها أحدكم في صلاته ، فلم [6/506] يدر واحدة صلى أم ثنتين ، فليبن على واحدة ، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا ، فليبن على ثنتين ، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا ، فليبن على ثلاث ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم " .
خرج الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم .
وله علة ذكرها ابن المديني .
قال : وكان عندي حسنًا ، حتى وقفت على علته ، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلا ، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن مكحول ، قال : يضعف الحديث من هاهنا .
يعني : من جهة حسين الذي يرجع إسناده إليه .
وخرجه الإمام أحمد ، عن ابن علية ، عن ابن إسحاق ، كما ذكره ابن المديني .
وكذا رواه عبد الله بن نمير وعبد الرحمن المحاربي ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول مرسلًا ، وعن حسين عن مكحول ، متصلًا .
ورواه حماد بن سلمة وغيره ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول ، مرسلًا .
ذكره الدارقطني .
[6/507] وخرجه الإمام أحمد أيضا ، من رواية إسماعيل بن مسلم ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وإسماعيل ، هو المكي ، ضعيف جدًا .
وقد قيل : إنه توبع عليه ، ولا يصح ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل ، ذكره الدارقطني .
وروى أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن عمر بن محمد بن زيد ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " إذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليركع ركعتين ، يحسن ركوعهما وسجودهما ، ثم ليسجد سجدتين " .
خرجه الحاكم وقال : صحيح على شرطهما .
والبخاري يخرج من هذه النسخة كثيرًا ، لكن هذا رواه مالك في " الموطأ " ، عن عمر بن محمد ، عن سالم ، عن أبيه ، موقوفًا .
قال الدارقطني : رفعه غير ثابت .
وقال ابن عبد البر : لا يصح رفعه .
ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه قال : إذا شك الرجل في صلاته ، فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا ، فليبن على أتم [6/508] ذلك في نفسه ، وليس عليه سجود .
قال : فكان الزهري يقول : يسجد سجدتي السهو وهو جالس .
وأما الثاني : وهو التحري :
فقد
خرجه البخاري في " أبواب استقبال القبلة " ، من رواية جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر الحديث ، وقال في آخره : " وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحرى الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين " .
وخرجه مسلم أيضا .
وخرجه من طرق أخرى ، عن منصور ، وفي بعضها : " فلينظر أحرى ذلك للصواب " .
وفي رواية : " فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب " .
وفي رواية : " فليتحرى الذي يرى أنه صواب " .
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وزادوا فيه : " ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتي السهو " .
وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب منصور ، عنه ، بهذه الزيادة .
وخرجه ابن ماجه ، وعنده : " ويسلم ويسجد سجدتين " بالواو .
قال الإمام أحمد - في رواية الأثرم - : وحديث التحري ليس يرويه [6/509] غير منصور ، إلا أن شعبة روى عن الحكم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، موقوفًا ، نحوه ، قال : وإذا شك أحدكم فليتحر .
وخرجه النسائي كذلك .
وقد روي عن الحكم مرفوعًا .
قال الدارقطني : الموقوف عن الحكم أصح
.
وقد روي عن ابن مسعود التحري من وجه آخر ، مختلف فيه :
فروى خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " إذا كنت في صلاة ، فشككت في ثلاث أو أربع ، وأكثر ظنك على أربع ، تشهدت ، ثم سجدت سجدتين ، وأنت جالس قبل أن تسلم ، ثم تشهدت أيضا ، ثم تسلم " .
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وذكر أبو داود ، أنه اختلف في رفعه ووقفه ، وفي لفظه أيضا .
وقال أحمد : حديث اليقين أصح في الرواية من التحري .
وقال في حديث التحري : هو صحيح ، روي من غير وجه .
ويظهر من تصرف البخاري عكس هذا ؛ لأنه خرج حديث التحري دون اليقين .
وخرج مسلم الحديثين جميعًا
.
وقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته ، فإنه ليس عليه إعادتها ، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه ، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على [6/510] يقينه أو تحريه ، وهو قول جمهور العلماء .
وروي عن طائفة أن من شك في صلاته فإنه يعيدها .
رواه همام بن منبه وابن سيرين ، عن ابن عمر .
وهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم ، كلهم رووا ، عن ابن عمر ، أنه يسجد ولا يعيد .
وقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى ، أنه لا يسجد .
وذكر عطاء ، أنه سمع ابن عباس يقول : إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك ، وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس ، أنه إذا شك أعاد مرة واحدة ، ثم لا يعيد ، ويبني على أحرى ذلك في نفسه ، ويسجد سجدتين بعدما يسلم .
وكذلك قال طاوس : يعيد مرة ، ثم لا يعيد .
وقال النخعي : أحب إلي أن أعيد ، إلا أن أكون أكثر النسيان ، فأسجد للسهو .
وهو قول أبي حنيفة والثوري .
ورويت الإعادة مع الشك مطلقًا عن الشعبي وشريح ومحمد ابن الحنفية .
وأما جمهور العلماء ، فعلى أنه لا يعيد الصلاة .
[6/511] لكن اختلفوا : هل يبني على الأقل - وهو اليقين - ، أو يبني على غالب ظنه ؟
فقالت طائفة : يبني على غالب ظنه .
روي عن ابن مسعود ، وهو قول الكوفيين كالنخعي وأبي حنيفة والثوري - في رواية - والحسن بن حي .
وحكاه ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث .
وحكى ابن عبد البر عن الأوزاعي : يتحرى ، فإن قام فلم يدر كم صلى ، استأنف .
والتحري قول أحمد ، في رواية عنه .
وعلى هذه الرواية ، فهل ذلك عام في المنفرد والإمام ، أم خاص بالإمام ؟ على روايتين فيهِ .
وظاهر مذهبه : أنه يختص بالإمام ؛ لأنه يعتمد على غلبة ظنه بإقرار المأمومين ومتابعتهم لهُ من غير نكير ، فيقوى الظن بذلك .
واستدل هؤلاء بأحاديث تحري الصواب .
وأما حديث اطراح الشك ، والبناء على ما استيقن ، فحملوه على الشك المساوي ، أو الأضعف .
فأما غلبة الظن ، فقالوا : لا يسمى شكا عند الإطلاق ، كما يدعيه أهل الأصول ومن تبعهم ، وإن كان الفقهاء يطلقون عليه اسم الشك في مواضع كثيرة .
وقالت طائفة : بل يبني على اليقين ، وهو الأقل .
[6/512] وروي عن عمر وعلي وابن عمر ، وعن الحسن والزهري ، وهو قول مالك والليث والثوري - في رواية - والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق .
وعن الثوري ، قال : كانوا يقولون : إن كان أول ما شك ، فإنه يبني على اليقين ، وإن ابتلي بالشك - يعني : أنه يتحرى - ، وإن زاد به الشك ورأى أنه من الشيطان ، لم يلتفت إليه .
وهؤلاء استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في البناء على ما استيقن .
وأما أحاديث التحري ، فمنهم من تكلم فيها ، حتى أعل حديث ابن مسعود المرفوع المخرج في " الصحيحين " ، من رواية منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عنه ، بأنه روي موقوفًا ، من طريق الحكم ، عن أبي وائل ، عنه ، كما فعل النسائي وغيره .
وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود - موقوفًا .
وهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في آخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود .
ومنهم من حمل تحري الصواب على الرجوع إلى اليقين ، ومنهم : الشافعي وأصحابه وسليمان الهاشمي والجوزجاني وابن عبد البر وغيرهم .
وفي بعض ألفاظ الحديث ما يصرح بخلاف ذلك ، كما تقدم .
[6/513] وحمل أحمد - في ظاهر مذهبه - التحري على الإمام ؛ لأن عمله بغالب ظنه ، مع إقرار المأمومين لهُ واتباعهم إياه يقوي ظنه ، فيصير كالعمل باليقين ، بخلاف المنفرد ، فإنه ليس عنده أمارة تقوي ظنه .
وقد نص أحمد : أنه يجوز للإمام إذا شك أن يلحظ ما يفعله المأمومون خلفه ، من قيام أو قعود ، وغير ذلك ، فيتبعهم فيه .
ومن متأخري أصحابنا من قال : يحمل الأمر بالتحري على من قدر عليه ، بوجود أمارات توجب له غلبة الظن ، ولا يختص ذلك بالإمام ، بل المنفرد إذا كان عنده أمارة يتحرى بها عمل بها ، فإن لم يكن عند المصلي أمارة توجب ترجيح أحد الأمرين ، فقد استوى عنده الأمران ، فيطرح الشك حينئذ ، ويعمل باليقين .
وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد .
وهاهنا مسلك آخر : وهو حمل الأمر بالتحري على الرخصة والجواز ، وحمل الأمر باطراح الشك والبناء على ما استيقن على الأفضل والاحتياط ، فيجوز للمصلي إذا شك العمل بكلا الأمرين ، ويكون الأفضل الأخذ بالاحتياط .
وصرح بهذا القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب " أحكام القرآن " ، وتبعه عليه جماعة من أصحابنا .
وهذه المسألة ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، وللمسألة أقسام قد ذكرناها مستوفاة في كتاب " القواعد في الفقه " .
وحملت طائفة أحاديث البناء على اليقين على من لم يعتبر الشك ، ولم تلزمه أحاديث العمل بغلبة الظن على من لزمه الشك ، وصار له عادة ووسواسًا ، فلا يلتفت إليه حينئذ ، بل يجعل وجوده كالعدم ، ويبني على غالب ظنه .
[6/514] وذكر ابن عبد البر أن هذا تفسير الليث وابن وهب للحديث ، وأنه مذهب مالك أيضا .
يعني : أن الشك إذا لزم صاحبه وصار وسواسا ، لم يلتفت إليه .
وهو قول الثوري ، وروي عن القاسم بن محمد ، وصرح به أصحابنا أيضا .
وعلى هذا ؛ يحمل حديث الأمر لمن شك في صلاته بأن يسجد سجدتين ، من غير ذكر تحر ولا يقين .
ولهذا ذكر في أول الحديث تلبيس الشيطان عليه ، حتى لا يدري : كم صلى .
وعليه يحمل أيضا ما روي عن بعض المتقدمين : أن سجدتي السهو تكفي من شك في صلاته . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وأما محل السجود للشك ، فقد تقدم ذكره في الباب الماضي ، واختلاف العلماء فيه ، وأن أحمد يعمل بالأحاديث كلها في ذلك .
فإن شك وتحرى ، سجد بعد السلام ، وإن بنى على اليقين سجد قبله .
وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب أيضا .
وذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم أيضا .
ومذهب إسحاق : أنه يبني على اليقين ، ويسجد بعد السلام ، نقله عنه حرب .
ولعله حمل تحري الصواب في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين ، كما تقدم عن جماعة أنهم قالوه .
[6/515] وفي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسوسة الشيطان للمصلي ، وأمره بالسجود إذا لم يدر كم صلى ، يدل على أنه لا يسجد بمجرد وسوسة الصلاة ، إذا لم يشك في عدد صلاته .
وعلى هذا جمهور العلماء ، وحكاه بعضهم إجماعا .
وحكى إسحاق ، عن الحسن بن علي ، أنه سجد في الصلاة عن غير سهو ظهر منه ، وقال : إني حدثت نفسي .
وروي عن أحمد ، أنه سجد للسهو في صلاته ، وقال : إني لحظت ذلك الكتاب .
وهذا خلاف المعروف من مذهبه .
وحكى أحمد ، عن ابن عباس ، قال : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين فافعل .
وفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجود السهو في حديث أبي هريرة وابن مسعود المتفق عليهما دليل على أن سجود السهو واجب ، إذا كان لما يبطل الصلاة تعمده .
واختلف العلماء في وجوب سجود السهو :
فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء ، منهم : الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي ، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق .
لكن أحمد إنما يوجبه إذا كان لما يبطل عمده الصلاة خاصة ، فأما ما لا يبطل الصلاة عمده ، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله ، سوى السلام ، فليس بواجب عنده ؛ لأن السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه ، فجبرانه أولى ، فأما ما يجب فعله أو تركه ، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج .
[6/516] وحكي عن مالك وأبي ثور : إن كان من نقصان وجب ؛ لأن محله قبل السلام ، فيكون من جملة أجزاء الصَّلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ؛ لأن محله بعد التحلل من الصلاة .
وقال الشافعي : هو سنة بكل حال .
وحكي رواية عن أحمد ، وتأولها بعض أصحابه .
واستدل لذلك بأنه روي في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم : " فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان " .
وأجيب : بأن المراد بالنافلة الزيادة على آخر الصلاة ، كما في حديث عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه توضأ ، وقال : " من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة " .
خرجه مسلم .
وأراد بالنافلة : زيادة في حسناته ؛ حيث كانَ الوضوء مكفرا للذنوب .
فمن قالَ : إن سجود السهو سنة ، لم تبطل الصَّلاة بتركه بحال ، وهو قول الشافعي وعبد الملك المالكي .
وكذلك مذهب أبي حنيفة ، لكنه عنده : إذا فعل وقع موقع الفرض ، والتحق به ، وإن كان بعد السلام حين لو أحدث فيه أو خرج الوقت بطلت الصلاة المتقدمة .
واختلفت الرواية عن أحمد : هل تبطل الصلاة بترك السجود للسهو ، عنه روايتان :
[6/517] أحدهما : إن تركه عمدا ، وكان محله قبل السلام بطلت الصلاة ، وإن كان محله بعد السلام لم تبطل ، وإن كان تركه نسيانًا لم تبطل بكل حال .
وحكي مثله عن أبي ثور .
لأن ما محله قبل السلام - وهو واجب - هو كالجزء من الصلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ، فإنه خارج عن الصلاة ، فهو كالأذان ، عند من يقول بوجوبه ، لا يبطل الصلاة تركه .
والرواية الثانية : إذا نسيه حتى طال الفصل أعاد الصلاة .
وهذا يدل على أن تركه يبطل الصلاة بكل حال ، وهو قول الحكم وابن شبرمة ؛ لأنه سجود واجب في الصَّلاة أو لأجلها ، فهوَ كسجود صلب الصَّلاة .
وكذلك قال مالك ، فيما قبل السلام .
وقال فيما بعده : لا يبطل تركه مطلقا .
وروي عن مالك : اختصاص البطلان فيما قبل السلام بترك الأفعال دون الأقوال .
ومذهب الثوري : أن سجود السهو واجب ، وليس هو من صلب الصلاة ، فمن ضحك فيه أو أحدث ، فلا شيء عليه .
ولكنه قال فيمن سلم وهو يرى أنه ينبغي أن يسجد في صلاته : أعاد الصلاة ؛ لأنه أدخل في صلاته زيادة .
يعني به : السلام .
وهذا يدل على تفريقه بين سجود السهو الذي قبل السلام وبعده ، كقول أحمد .
وكذلك قال الليث ، فيمن نسي سجود السهو الذي قبل السلام ، فلم يذكره [6/518] حتى صلى صلاة أخرى ، أنه يعيد الصلاة التي نسي سجودها ، فإن كان السجود بعد السلام سجد سجدتي السهو ، ولم يعد صلاته .
نقله عنه ابن وهب في " كتاب سجود السهو " له ، ووافقه عليه .