2 [1/172] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ .
1 - كِتَابُ وَقُوتِ الصَّلَاةِ ( 1 ) بَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ
[1/173] 1 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ؟ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ .
[1/174] 2 - قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ، زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ .


26 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ ، صَحِيحٌ ، مُسْنَدٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ .
27 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " أَنَّ ( أَنَّ ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَعَنْ ، وَأَنَّ السَّنَدَ الْمُعَنْعَنَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يُبَيَّنَ الِانْقِطَاعُ ، وَقَدْ بَانَ [1/175] فِي هَذَا الْحَدِيثِ اتِّصَالُهُ لِمُجَالَسَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ بَعْضًا
.
28 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مُشَاهَدَةَ ابْنِ شِهَابٍ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ : مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ .
29 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ وَرِوَايَاتِهِمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - كَمَا وَصَفْتُ لَكَ - فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " ، وَفِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا الْمُغِيرَةُ هِيَ تِلْكَ أَيْضًا .
[1/176] 30 - وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي أَوْقَاتِهِنَّ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا .
31 - وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدُلُّ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ ، كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتَيْنِ ، فَتَكُونُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ .
32 - وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّاسَ صَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ .
33 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ وُجُوهٍ .
34 - وَأَمَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَفِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
35 - وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِ الْإِسْرَاءِ ، وَكَيْفَ كَانَ فَرْضُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ .
[1/177] 36 - وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ ، وَلَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ وَالسِّيَرِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَكَّةَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْغَدِ ، فَصَلَّى بِهِ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا ; إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هَيْئَتِهَا حِينَ فُرِضَتْ .
37 - فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، فَأُكْمِلَتْ أَرْبَعًا .
38 - وَمِنْ رُوَاةِ حَدِيثِنَا هَذَا مَنْ يَقُولُ : زِيدَ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ .
39 - وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، فِي رِوَايَةٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
40 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ .
[1/178] 41 - وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - وَكَانَ أَحَدَ عُلَمَاءِ قُرَيْشٍ بِالنَّسَبِ ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ ، وَالْفِقْهِ ، وَهُوَ رَوِايَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْهُ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَتْ أَرْبَعًا إِلَّا الْمَغْرِبَ ، فَإِنَّهَا فُرِضَتْ ثَلَاثًا ، وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ .
[1/179] 42 - وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ .
43 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ .
44 - وَوَضَعَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ تَمَامٍ قَبْلَهُ .
45 - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ .
46 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَذَكَرْنَا عِلَّةَ إِسْنَادِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
.
47 - فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ كَانَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ ، وَعَلَى أَنَّ الْأَصْلَ كَانَ أَرْبَعًا لَا رَكْعَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[1/180] 48 - فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى أَصْلِ الْفَرْضِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْقَصْرِ . وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ يُعَارِضُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَصْرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّفَرِ فِي الْأَمْنِ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ أَوْضَحَ أَنَّ الصَّلَاةَ زِيدَ فِيهَا فِي الْحَضَرِ .
49 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَرْضَ فِيهَا كَانَ بِمَكَّةَ وَالزِّيَادَةَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ مُتَأَخِّرَةٌ ، فَلَمْ يَكُنِ الْقَصْرُ مُبَاحًا إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَرْضِ ، وَذَلِكَ يَعُودُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فِي أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ أَرْبَعًا . وَلَا حَاجَةَ إِلَى أَصْلِ الْفَرْضِ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ بِأَنَّ صَلَاةَ الْحَضَرِ تَامَّةٌ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
50 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
51 - وَقَدْ مَضَى فِي " التَّمْهِيدِ " أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ عَنِ السَّلَفِ مَرْوِيَّيْنِ :
52 - ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بِمَكَّةَ الْكَعْبَةَ لِصَلَاتِهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ .
53 - وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي ؛ لِمَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [1/181] إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَا نَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ : الْقِبْلَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْيَهُودُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ ، وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا إِلَى قَوْلِهِ : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، يَعْنِي نَحْوَهُ ، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ ، وَقَالُوا : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وَقَالَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .
54 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِيُمَيِّزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ .
55 - وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، يَعْنِي تَحْوِيلَهَا عَلَى أَهْلِ الشَّكِّ ، لَا عَلَى الْخَاشِعِينَ يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ .
[1/182] 56 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَدَّادُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَتْ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوهَا عَمْدًا .
57 - وَقَوْلُهُ : وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ : يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَيَكْتُمُونَ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ .
[1/183] 58 - ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يَقُولُ : لَا تَكُنْ فِي شَكٍّ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَتُكَ ، وَكَانَتْ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ .
59 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَتَهُ ، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ الْيَهُودُ : بَيٌّ ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَسْجِدُ صَالِحٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ .
60 - فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَإِنِّي صَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِ صَالِحٍ وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ .
61 - قَالَ الرَّبِيعُ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّهُ رَأَى مَسْجِدَ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ .
62 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ فِي حِينِ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا .
63 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي تَارِيخِ صَرْفِ الْقِبْلَةِ هُنَاكَ أَيْضًا ، وَيَأْتِي ذَلِكَ مُجَوَّدًا فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، عِنْدَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
64 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [1/184] الْعُطَارِدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي ، فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ يَنْظُرُ : فَوَضَّأَ وَجْهَهُ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَمَضْمَضَ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .
65 - وَهَذَا إِنَّمَا أَخَذَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ .
66 - وَهُوَ حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ " .
67 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ ، أَيْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ .
68 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةً قَطُّ بِغَيْرِ طَهُورٍ .
69 - وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدِيثِ عِقْدِ [1/185] عَائِشَةَ حِينَ فَقَدُوا الشَّمْسَ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ .
70 - وَآيَةُ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً فَإِنَّمَا كَانَ سَبَبَ نُزُولِهَا التَّيَمُّمُ .
71 - وَسَنُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
72 - وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ نَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ فِرَارًا مِنْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ وُضُوءٍ مَعَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ .
73 - وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ فِي ذَلِكَ - قَوْلُهُ : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ " .
74 - حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، [1/186] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ " .
75 - وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ كَيْفَ كَانَ وَجْهُ تَأْخِيرِ بَنِي أُمَيَّةَ لِلصَّلَاةِ ، وَذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ مُسْنَدًا وَغَيْرَ مُسْنَدٍ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى .
76 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَيَسْتَحْلِفُونَ النَّاسَ أَنَّهُمْ مَا صَلَّوْا ، فَأُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فَاسْتُحْلِفَ أَنَّهُ مَا صَلَّى ، فَحَلَفَ : مَا صَلَّى ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى ، وَأُتِيَ مَكْحُولٌ فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : فَلِمَ جِئْنَا إِذًا ؟ فَذَكَرَ سُنَيْدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ - وَأَخَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّلَاةَ - ، فَرَأَيْتُهُمَا يُومِئَانِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَلَسْنَا حَتَّى صَلَّيَا مَعَهُ .
77 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، قَالَ : كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ ، فَكُنْتُ أُصَلِّي أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الظُّهْرَ ، ثُمَّ نَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَخْطُبُ ، ثُمَّ نُصَلِّي وَنَجْعَلُهَا نَافِلَةً .
78 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ ، قَالَ : قُلْتُ لِشَقِيقٍ : إِنَّ الْحَجَّاجَ يُمِيتُ الْجُمُعَةَ ، قَالَ : تَكْتُمُ عَلَيَّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : صَلِّهَا فِي بَيْتِكَ لِوَقْتِهَا ، وَلَا تَدَعِ الْجَمَاعَةَ .
[1/187] 79 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَطَالَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْخُطْبَةَ فَنَكَأْتُ يَدِي حَتَّى أَدْمَيْتَهَا ، ثُمَّ قُمْتُ وَخَرَجْتُ وَأَخَذَتْنِي السِّيَاطُ ، فَمَضَيْتُ .
80 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التَّمْهِيدِ " أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ ، وَزِيَادًا ، وَغَيْرَهُمَا أَخَّرُوهَا قَبْلُ .
81 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الزَّعْفَرَانِيُّ عَمَّارُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلُّوا إِلَى الْقِبْلَةِ " .
82 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدٍ ، قَالَ : وَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَأَنْكَرْتُ حَالَهُ فِي الْعَصْرِ .
83 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا جَهْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ - بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " وَأَنَّهُمَا إِنَّمَا جَهِلَا مِنْ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِفَرْضِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [1/188] لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ آيَةٌ مُفْصِحَةٌ بِذَلِكَ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ آيَةٌ تُتْلَى مَا جَهِلَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَا مِثْلُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
84 - وَقَدْ جَازَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ جَهْلُ كَثِيرٍ مِنَ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ خَاصَّةِ الْعُلَمَاءِ .
85 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَقَدْ شَذَّ عَنْهُ بَيْنَ عِلْمِ الْخَاصَّةِ وَارِدَةٌ بِنَقْلِ الْآحَادِ أَشْيَاءَ حَفِظَهَا غَيْرُهُ ، وَذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ أَجْوَزُ ، وَالْإِحَاطَةُ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ .
86 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ مِنْ فَرَائِضِهَا ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهَا . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ ، فَلَمْ نَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدِي عَنْهُمْ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى خِلَافُهُ بِمَا يُوَافِقُ الْجَمَاعَةَ فَصَارَ اتِّفَاقًا صَحِيحًا .
87 - وَالْوَقْتُ أَوَّلُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءَ لَهَا إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَالْمُتَوَضِّئُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُتَبَرِّعٌ مُبَادِرٌ إِلَى فَضْلٍ ، وَمُتَأَهِّبٌ لِفَرْضٍ .
88 - وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَوْقَاتَ أَيْضًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَالْإِجْمَاعِ - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : " أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا " .
89 - قَالَ مَالِكٌ : أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : " أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ " يَعْنِي ( الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ) " إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ " يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءِ ، " وَقُرْآنَ الْفَجْرِ " يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ .
90 - وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْهُمُ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
[1/189] 91 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ : " فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ " . ( فَحِينَ تُمْسُونَ ) : الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، وَ( حِينَ تُصْبِحُونَ ) : الصُّبْحُ " وَعَشِيًّا " : الْعَصْرُ ، وَحِينَ تُظْهِرُونَ : الظُّهْرُ .
92 - ثُمَّ قَالَ : " وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ " .
93 - وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ السَّلَفِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ بِهِ ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الذِّكْرُ : قَوْلُ ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْزِيهِ اللَّهِ - تَبَارَكَ اسْمُهُ - عَنْ كُلِّ مَا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ .
94 - وَكَذَلِكَ ظَاهَرُ قَوْلِهِ : " أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ " لَوْ تُرِكْنَا ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ لَوَجَبَتِ الصَّلَاةُ مِنَ الزَّوَالِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ دُلُوكَهَا زَوَالَهَا إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، فَلَيْسَ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ وَاضِحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ .
95 - وَأَصْبَحَ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ مُفَسَّرَةً ، وَهِيَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلَةً .
96 - وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مُجْمَلَاتٌ أَوْضَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَهَا ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : " وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ " .
97 - فَبَيَّنَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، فَمِنْ بَيَانِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا نَقَلَهُ الْآحَادُ الْعُدُولُ ، وَمِنْهَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ، فَقَطَعَ الْعُذْرَ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .
98 - وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا عِلْمُهُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
[1/190] 99 - أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَوَسَطِ الْقِبْلَةِ إِذَا اسْتُوقِنَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ بِالتَّفَقُّدِ وَالتَّأَمُّلِ ، وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ زِيَادَةِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَإِنْ كَانَ الظِّلُّ مُخَالِفًا فِي الصَّيْفِ لَهُ فِي الشِّتَاءِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ زَوَالُ الشَّمْسِ بِمَا ذَكَرْنَا أَوْ بِغَيْرِهِ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ .
100 - هَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ : أَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ " وَدُلُوكُهَا مَيْلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : دُلُوكُهَا : غُرُوبُهَا ، وَاللُّغَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ .
101 - وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوهَا بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَكُونَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَيْفًا وَشِتَاءً .
102 - وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنْ أَحَبَّ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ : الْبَدَارُ إِلَيْهَا فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهُ يُبْرَدُ بِهَا .
103 - قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : قَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ .
[1/191] 104 - وَفِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ .
105 - وَسَنُبَيِّنُ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عُمَرَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
106 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الْغُدُوِّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ .
107 - وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ .
108 - وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعَصْرَ بَعْدَ هَذَا الْمِقْدَارِ قَلِيلًا .
109 - وَهَذَا كُلُّهُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لِأَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الضَّرُورَاتِ وَمَنْ لَهُمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأَوْقَاتِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِمْ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
110 - وَفِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ ( آخِرَ ) وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ .
[1/192] 111 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : آخَرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَاصِلَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَزِيدَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةً عَلَى الْمِثْلِ .
112 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى " .
113 - وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا الصُّبْحِ لِلْإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ أَنَّهَا يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ . فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْأُخْرَى فَلَا .
114 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ " .
115 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " .
[1/193] 116 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ .
117 - وَلَمْ يَذْكُرُوا فَاصِلَةً ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ : ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ يَقْتَضِي الْفَاصِلَةَ .
118 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَخَالَفَ الْآثَارَ وَالنَّاسَ ، لِقَوْلِهِ بِالْمِثْلَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ .
119 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ قَالَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ .
120 - فَتَرَكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا مُفْرَدًا لَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا ، وَهَذَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا .
121 - وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَا ذَكَرْنَا فِيهِ ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ ، وَمِنْ قَوْلِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا فِي مُرَاعَاةِ الْمَيْلِ مِنَ الظِّلِّ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ ، وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ .
[1/194] 122 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ يَصِيرُ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ .
123 - وَهَذَا خِلَافُ الْآثَارِ ، وَخِلَافُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ قَوْلٌ - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ - مَهْجُورٌ .
124 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ .
125 - وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَمَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً فَهُوَ وَقْتٌ مُخْتَارٌ أَيْضًا لِصَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ .
126 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ .
127 - قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ : أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ .
128 - وَقَالَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ : الْقَامَتَانِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ مَذْكُورَتَانِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ .
129 - قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ .
130 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَذْكُرُ الْقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ .
[1/195] 131 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ .
132 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ آخِرُ وَقْتِهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ .
133 - وَهَذَا كُلُّهُ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ : كَالْحَائِضِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ .
134 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ صَلَّاهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ .
135 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي الصَّيْفِ إِذَا جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ ، وَمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى يُجَاوِزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ ، أَوْ قَدْرَ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى أَنْ جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ .
136 - قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ " .
[1/196] 137 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْأَحَادِيثُ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ، مَعَ حَدِيثِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا .
138 - وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تُسْتَعْمَلُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ .
139 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : وَقْتُ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ قَامَتَهُ فَيَزِيدُ عَلَى الْقَامَةِ إِلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ .
140 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَزَادَ عَلَى الظِّلِّ زِيَادَةً تَتَبَيَّنُ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ .
141 - وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ .
142 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يُدْرِكَ الْمُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ .
143 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ لِكُلِّ النَّاسِ : مَعْذُورٌ وَغَيْرُ مَعْذُورٍ ، صَاحِبُ ضَرُورَةٍ وَصَاحِبُ رَفَاهِيَةٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ غَيْرُهُ .
144 - وَعِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَيْضًا : أَوَّلُ الْوَقْتِ .
[1/197] 145 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ رَكَعَ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِهَا ، وَرَكْعَةً بَعْدَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَهَا .
146 - وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ " .
147 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ .
148 - فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ، وَبِهَذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ .
149 - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي " الْمُوَطَّإ " : " فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ " .
150 - وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَغِيبُ الشَّفَقِ ، وَالشَّفَقُ عِنْدَهُمُ الْحُمْرَةُ .
151 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَمِثْلُهُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهَا عِنْدَ سُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ وَالنَّاسُ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنَ [1/198] الْعَصْرِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : احْمَرَّتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ سُقُوطُ الشَّفَقِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ لَهُ : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ .
152 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثَ بُرَيْدَةَ وَغَيْرَهُمَا بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ .
153 - قَالُوا : وَهَذِهِ الْآثَارُ أَوْلَى مِنْ آثَارِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ; لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ كَانَتْ بِمَكَّةَ ، وَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ .
154 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَفِيهِ : " وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ " .
155 - وَحَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ قَالَ : " لَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ " .
[1/199] 156 - وَالشَّاهِدُ : النَّجْمُ .
157 - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا حَضَرَتِ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ .
158 - وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ ، وَقَدْ قَرَأَ فِيهَا بِالطُّورِ وَبِالصَّافَّاتِ وَالْأَعْرَافِ .
159 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَا كُلِّهَا فِي " التَّمْهِيدِ " .
160 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ قَوْلَيْنِ : [1/200] 161 - ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ مَمْدُودٌ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ كَمَا نَزَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّإ " .
162 - ( وَالْآخَرُ ) - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ - أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ لَا وَقْتَ لَهَا غَيْرَهُ فِي الِاخْتِيَارِ ، وَذَلِكَ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ .
163 - قَالَ : وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ .
164 - قَالَ : وَلَوْ جَازَ أَنْ تُقَاسَ الْمَوَاقِيتُ لَقِيلَ : لَا تَفُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ ; قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْهَا رَكْعَةً كَمَا قَالَ فِي الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّ الْمَوَاقِيتَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا .
165 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَإِنْ حَبَسَكَ عُذْرٌ فَأَخَّرْتَهَا إِلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي السَّفَرِ فَلَا بَأْسَ بِهَا ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ تَأْخِيرَهَا .
167 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ .
167 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ ذَكَرْنَاهُ فِي " التَّمْهِيدِ " فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ - عَلَى تَوَاتُرِهَا - لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا .
168 - وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَكُلُّهُمْ صَحِبَهُ بِالْمَدِينَةِ ، [1/201] وَحَكَى عَنْهُ صَلَاتَهُ بِهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ فِي الْوَقْتَيْنِ ، لَكِنْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتَيْنِ .
169 - عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُؤْخَذُ عَمَلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغْفَلُ عَنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ جَهْلُهُ وَلَا نِسْيَانُهُ .
170 - وَقَدْ حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي " الْخِلَافِ " : أَنَّ الْأَمْصَارَ كُلَّهَا بِأَسْرِهَا لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا عَلَى تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا فِي حِينِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَخَّرَ إِقَامَةَ الْمَغْرِبِ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ عَنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ .
171 - وَفِي هَذَا مَا يَكْفِي مَعَ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ فِي تَعْجِيلِهَا ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهَا وَاسِعًا لَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا كَعَمَلِهِمْ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَذَانٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ اتِّسَاعُ الْوَقْتِ .
[1/202] 172 - وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يُصَلِّيهَا وَقْتًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ .
173 - وَلَوْ وَسَّعَ لَهُمْ لَاتَّسَعُوا ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعُلَمَاءِ الْأَخْذُ بِالتَّوْسِعَةِ .
174 - وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّرْغِيبِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَالْبَدَارُ إِلَى الْوَقْتِ الْمُخْتَارُ .
175 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي " التَّمْهِيدِ " وَذَكَرْنَا الْآثَارَ الْمُسْنَدَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى هُنَاكَ أَيْضًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
176 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِلْمُقِيمِ مَغِيبُ الشَّفَقِ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الشَّفَقِ .
177 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَمَّا فِي الْحَضَرِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يُصَلِّيَ حَتَّى يَذْهَبَ الْبَيَاضُ ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ .
178 - وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِغَيْرِ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَلَّا يُعَجِّلُوا بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالنَّاسِ ، وَتَأْخِيرُهَا قَلِيلًا أَفْضَلُ عِنْدَهُ .
179 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ : أَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ أَحَبُّ إِلَيْهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا فِي الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهَا يُبْرَدُ بِهَا .
180 - وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَغِيبُ الشَّفَقُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ - فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ الِاشْتِرَاكُ مِنْ أَهْلِ الضَّرُورَاتِ .
[1/203] 181 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُسْتَحَبُّ فِي وَقْتِهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَا تَفُوتُ إِلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ .
182 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : آخِرُ وَقْتِهَا أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَا أَرَاهَا إِلَّا فَائِتَةً ، يَعْنِي وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِالِاشْتِرَاكِ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ .
183 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .
184 - وَقَالَ دَاوُدُ : وَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ .
185 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي أَحَادِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ - ثُلُثُ اللَّيْلِ .
186 - وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بِالْمَدِينَةِ لِلسَّائِلِ .
187 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - : سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ .
188 - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : وَنِصْفُ اللَّيْلِ .
189 - وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مِثْلُهُ .
190 - وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ .
191 - وَكُلُّهَا مُسْنَدَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَتُهَا فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " بِأَسَانِيدِهَا .
[1/204] 192 - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : " لَوْلَا أَنَّ أَشَقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " .
182 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .
183 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ التَّعْجِيلُ خَوْفَ الْمَشَقَّةِ .
184 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَانْصِدَاعُهُ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي الَّذِي يَنْتَشِرُ وَيَظْهَرُ ، وَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ .
195 - إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِهَا الْإِسْفَارُ .
196 - وَكَذَلِكَ حَكَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : الْإِسْفَارُ الْأَعْلَى .
197 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : آخِرُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ .
198 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْجَمَاعَةُ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ إِدْرَاكَ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الطُّلُوعِ عَلَى حَسْبِ مَا مَضَى فِي الْعَصْرِ .
199 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَفُوتُ صَلَاةُ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ مِنْهَا رَكْعَةً بِسُجُودِهَا ، فَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ .
[1/205] 200 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوَدَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
201 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ صَلَاةَ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ يُصَلِّيهَا ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُجَّتِهِمْ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
202 - وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ : " وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ - فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ : قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الظِّلُّ عَلَى الْجِدَارِ ، يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ ظَلُّ حُجْرَتِهَا عَلَى جُدُرِهَا .
203 - وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا شَيْئًا فَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ " أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ .
204 - وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ : بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَا وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا أَيْ مُرْتَقًى وَعُلُوًّا .
205 - وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يُخْرَجَ الظِّلُّ مِنْ قَاعَةِ حُجْرَتِهَا .
206 - وَكُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ أَيْضًا فَقَدْ ظَهَرَ ، وَالْحُجْرَةُ : الدَّارُ ، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ حَائِطٌ فَهُوَ حُجْرَةٌ .
[1/206] 207 - وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنْيَانِهِمْ وَحِيطَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ الْعَصْرِ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِصَرِ الْحِيطَانِ .
208 - وَإِنَّمَا أَرَادَ عُرْوَةُ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَخَّرَهَا إِلَيْهِ عَمَرُ .
209 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا مُحْتَلِمٌ فَأَنَالُ سُقُفَهَا بِيَدِي ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ .
210 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ ، وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ يَدْخُلُ ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ .
211 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حَالُهُ إِذْ صَارَ خَلِيفَةً ، وَحَسْبُكَ بِهِ اجْتِهَادًا فِي خِلَافَتِهِ .
212 - رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا " .
213 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِي بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ " .
[1/207] 214 - وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ : انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ ! أَوَ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ سَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَمَا زَالَ عُمَرُ يَعْتَلِمُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا .
215 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ وَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، فَأُنْكِرَتْ حَالُهُ فِي الْعَصْرِ .
216 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ عُمَرَ قَبِلَ خَبَرَ عُرْوَةَ وَحْدَهُ فِيمَا جَهِلَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ - وَهَذَا مِنَّا عَلَى التَّنْبِيهِ ، فَإِنَّ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ النَّاسِ ، مُسْتَعْمَلٌ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحُجَّةِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقُولُ : إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ .
217 - وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِلْحُجَّةِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ كِتَابًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ صُحْبَةِ الْأُمَرَاءِ .
218 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَصْحَبُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَعُرْوَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَخْلِقْ بِالْأَمِيرِ إِذَا صَحِب الْعُلَمَاءَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَاضِلًا .
219 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَسَأَلَنِي عَنِ الْحَسَنِ كَمَا يَسْأَلُ الرَّجُلُ عَنْ وَلَدِهِ ، فَقَالَ : كَيْفَ طُعْمَتُهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَدْخُلُ عَلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ ؟ وَأَيْنَ مَجْلِسُهُ مِنْهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يُطْعَمُ عِنْدَ عَدِيٍّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .
220 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ " جَامِعِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ " وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ .
[1/208] 221 - كَانُوا يَقُولُونَ : خَيْرُ الْأُمَرَاءِ مَنْ صَحِبَ الْعُلَمَاءَ ، وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ مَنْ صَحِبَ الْأُمَرَاءَ ; إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْحَقِّ ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَعَانَ الضَّعِيفَ .