1382 - قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ، أَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ، فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فَلْيُمَضْمِضْ وَلَا يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ . وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فَلْيَغْسِلْ وَجْهَهُ ، ثُمَّ لِيُعِدْ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ ، أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ .

1383 - قَوْلُهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدَهُ لَا يُرَاعَى فِي الْمَسْنُونِ مَعَ الْمَفْرُوضِ ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي الْمَفْرُوضِ مِنَ الْوُضُوءِ ، إِلَّا أَنَّ مُرَاعَاتَهُ لِذَلِكَ مَا دَامَ فِي مَكَانِهِ ، فَإِنْ بَعُدَ شَيْئًا اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ ، وَلَوْ صَلَّى لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ .
1384 - وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ إِلَّا عَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ ، فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ .
1385 - وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : مَنْ نَكَسَ مِنْ مَفْرُوضِ وُضُوئِهِ شَيْئًا أَصْلَحَ وُضُوءَهُ بِالْحَضْرَةِ ، فَأَخَّرَ مَا قَدَّمَ ، وَغَسَلَ مَا بَعْدَهُ . وَإِنْ كَانَ قَدْ تَطَاوَلَ غَسَلَ مَا نَسِيَ وَحْدَهُ .
[2/57] 1386 - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخَّرَ مِنَ الْوُضُوءِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ . وَالصَّوَابُ غَسْلُ مَا بَعْدَهُ إِلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ لِيَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفٌ .
1387 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ وَلَمْ يُصَلِّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْوُضُوءَ عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ ثُمَّ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَمْ نَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ عَلَى النَّسَقِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ .
1388 - وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ : تَرْتِيبُ الْوُضُوءِ عِنْدَ مَالِكٍ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَلَا يُفْسِدُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ مَنْكُوسٍ .
1389 - وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، والْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : مَنْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ، أَوْ قَدَّمَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ غَسْلِ يَدَيْهِ ، أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهِهِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ فَذَلِكَ يُجْزِيهِ إِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ الصَّلَاةَ .
1390 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّعْقِيبَ وَلَا تُعْطِي رُتْبَةً عِنْدَ جَمَاعَةِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ . وَقَالُوا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ : أَعْطِ زَيْدًا [2/58] وَعَمْرًا دِينَارًا دِينَارًا : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَطَاءِ ، وَلَا يُوجِبُ تَقْدِمَةَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو فِي الْعَطَاءِ . قَالُوا : فَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِنَّمَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْغُسْلِ وَلَا يُوجِبُ النَّسَقَ .
1391 - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَبَدَأَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ .
1392 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
1393 - وَجَائِزٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ فِي حِينِ صَلَاةٍ أَنْ يَبْدَأَ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ .
1394 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
1395 - لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ إِخْرَاجُ الدِّيَةِ وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ أَنْ يُخْرِجَ الدِّيَةَ وَيُسَلِّمَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَرِّرَ الرَّقَبَةَ . وَهَذَا مَنْسُوقٌ بِالْوَاوِ ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ .
1396 - فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ رُتْبَةً ، قَالُوا : وَلَسْنَا نُنْكِرُ - إِذَا صَحِبَ الْوَاوَ بَيَانٌ يُوجِبُ التَّقْدِمَةَ - أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِمَوْضِعِ الْبَيَانِ ، كَمَا وَرَدَ الْبَيَانُ بِالْإِجْمَاعِ فِي قَوْلِهِ : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : " نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ " .
1397 - وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ حَقَّ الْوَاوِ فِي اللُّغَةِ التَّسْوِيَةُ لَا غَيْرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَيَانُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَنَحْفَظُهُ .
[2/59] 1398 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ مَا احْتَاجَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُبَيِّنَ الِابْتِدَاءَ بِالصَّفَا ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ ذَلِكَ إِعْلَامًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنَ الْوَاوِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
1399 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا التَّنَازُعُ فِيمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ .
1400 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : " لَا نُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِنَا بَدَأْنَا فِي الْوُضُوءِ إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي " ، وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَلَمْ يَبِنْ لَهُمْ مِنَ الْآيَةِ إِلَّا مَعْنَى الْجَمْعِ لَا مَعْنَى التَّرْتِيبِ .
1401 - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
[2/60] 1402 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَمْعَ لَا الرُّتْبَةَ ، وَلَيْسَ وُضُوءُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ أَبَدًا - بَيَانًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ كَبَيَانِهِ لِرَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ بَيِّنَةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الْبَيَانِ ، وَالصَّلَوَاتُ مُجْمَلَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ .
1403 - هَذِهِ جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ فِي مَسْأَلَةِ تَنْكِيسِ الْوُضُوءِ .
1404 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ إِلَّا الْمُزَنِيَّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ - كُلُّهُمْ يَقُولُ : مَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَكُونَ وُضُوءُهُ عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ .
1405 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو مُصْعَبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَالِكًا مِنْهُمْ وَإِمَامٌ فِيهِمْ .
[2/61] 1406 - قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : مَنْ قَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَةِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِمَا صَلَّى بِذَلِكَ الْوُضُوءِ .
1407 - وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْ قَالُوا : الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ وَالْجَمْعَ جَمِيعًا ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنِ الْكِسَائِيِّ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَهِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ .
1408 - قَالُوا : وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي فَائِدَةِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا .
1409 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ أَحْيَانًا كَمَا قَالَ : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَلَا تُوجِبُهَا أَحْيَانًا كَمَا قَالَ : اسْجُدِي وَارْكَعِي لَكَانَ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ بَيَانٌ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ مُنْذُ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ إِلَّا عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ . فَصَارَ ذَلِكَ فَرْضًا ، كَمَا كَانَ بَيَانُهُ لِعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ فَرْضًا .
1410 - وَضَعَّفُوا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَالُوا : هَذَا [2/62] مُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ .
1411 - وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَالْمُنْقَطِعُ مِنَ الْحَدِيثِ لَا تَجِبُ بِهِ حُجَّةٌ .
1412 - قَالُوا : عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْ صَحِيحِ النَّقْلِ إِلَّا قَوْلَهُ : " مَا أُبَالِي بِالْيُمْنَى بَدَأَتُ أَوْ بِالْيُسْرَى " ، وَهَذَا مَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ إِلَّا مَا فِي الِابْتِدَاءِ بِالْيُمْنَى مِنَ الِاسْتِحْبَابِ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ .

1413 - قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتُمْ تُقِرُّونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ ، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَشْهُورٌ ثَابِتٌ عَنْ عَلِيٍّ .
1414 - قَالُوا : فَهَذَا عَلِيٌّ قَدْ أَوْجَبَتْ عِنْدَهُ ( أَوْ ) الَّتِي هِيَ فِي أَكْثَرِ [2/63] أَحْوَالِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ - الْقَبْلَ وَالْبَعْدَ ، فَالْوَاوُ عِنْدَهُ أَحْرَى بِهَذَا .
1415 - وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ عَمِلْتُ بِهِ مَا نَدِمْتُ عَلَى الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَلَّا أَكُونَ مَشَيْتُ ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ فبدأ بالرِّجَالِ .
1416 - فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ عِنْدَهُ الْقَبْلَ ، وَالْبَعْدَ ، وَالتَّرْتِيبَ .
1417 - وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا
1418 - قَالَ : ضَجَّ وَاللَّهِ الْقَوْمُ مِنَ الصَّغَائِرِ قَبْلَ الْكَبَائِرِ ، فَهَذَا أَيْضًا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
1419 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَيْنِ عَنْهُمَا بِأَسَانِيدِهِمَا فِي التَّمْهِيدِ .
1420 - قَالُوا : وَحُرُوفُ الْعَطْفِ كُلُّهَا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُوجِبُ الرُّتْبَةَ إِلَّا الْوَاوَ ، فَإِنَّهُمُ قد اخْتَلَفُوا فِيهَا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ أَخَوَاتِهَا مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ .
[2/64] 1421 - وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ عِبَادَتُهَا فِي شَرِيعَتِهَا السُّجُودُ قَبْلَ الرُّكُوعِ .
1422 - وَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهَا بِالْقُنُوتِ وَهُوَ الطَّاعَةُ ، ثُمَّ السُّجُودِ وَهُوَ الصَّلَاةُ بِعَيْنِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأَدْبَارَ السُّجُودِ يُرِيدُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ .
1423 - ثُمَّ قَالَ : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أَيْ : اشْكُرِي مَعَ الشَّاكِرِينَ .
1424 - وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ أَيْ : سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ .
1425 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ .
1426 - قَالُوا : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا فَأَجْمَعُوا أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ .
1427 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا ، وَقَالَ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ
1428 - قَالُوا : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُخُولُ الْمَسْحِ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجْلَيْنِ وَأَخَّرَ الْمَسْحَ لَمَا فُهِمَ الْمُرَادُ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَسْحِ ، فَأَدْخَلَ الْمَسْحَ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ قُدِّمَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ لِيَثْبُتَ تَرْتِيبُ الرَّأْسِ قَبْلَ [2/65] الرِّجْلَيْنِ . وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ، وَلَمَا احْتَاجَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُلْتَبِسٍ مُحْتَاجٍ إِلَى التَّأْوِيلِ لَوْلَا فَائِدَةُ التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ .
1429 - أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الرَّأْسِ لَيْسَ مِنْ جَعْلِ الرِّجْلَيْنِ مَمْسُوحَتَيْنِ فَالْفَائِدَةُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ . وَلِهَذَا وَرَدَتِ الْآيَةُ بِدُخُولِ الْمَسْحِ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1430 - قَالُوا : وَلَيْسَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ فِي التَّقْدِمَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا فِي بَدَنٍ ، وَالْآخَرُ فِي بَدَنٍ وَقَدْ يَجِبُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْآخَرُ . وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَالرَّقَبَةُ : شَيْئَانِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إِلَى الرُّتْبَةِ .
1431 - وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَفَرْضٌ وَاحِدٌ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اللَّذَيْنِ أُمِرْنَا فِيهِمَا بِالتَّرْتِيبِ .
1432 - قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي الْعَطَاءِ وَبَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي عَطِيَّةٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِلَّا عَلَى الرُّتْبَةِ . فَالْوَاجِبُ أَلَّا يُقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قَطُّ ، وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَتَاهُمَا ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا . فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّتْبَةَ فِي الْوُضُوءِ كَهِيَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[2/66] 1433 - وَرَجَّحُوا قَوْلَهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ الْوَاجِبِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ . قَالُوا : لِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى النَّسَقِ وَصَلَّى كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً بِإِجْمَاعٍ .
1434 - هَذَا جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَهُمْ إِدْخَالَاتٌ وَاعْتِرَاضَاتٌ ، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُهَا يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا وَلَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .