‎ باب كيف الإشعار للميت

أي هذا باب يذكر فيه كيف الإشعار للميت في قوله صلى الله عليه وسلم : " أشعرنها إياه " ، وإنما أورد هذه الترجمة مختصا بقوله : " كيف الإشعار " مع أن هذه اللفظة قد ذكرت في الأحاديث المذكورة غير مرة تنبيها على أن الإشعار معناه في هذا الطريق الإلفاف ، وهو قوله : " وزعم " الإشعار ألففنها فيه على ما يجيء الآن .
وقال الحسن : الخرقة الخامسة تشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع .

مطابقته للترجمة من حيث إن شد الفخذين والوركين بالخرقة الخامسة هو لفها ، وقد فسر الإشعار في آخر حديث [8/46] الباب باللف ، وبهذا المقدار يستأنس به في وجه المطابقة ، والحسن هو البصري ، وأشار بقوله : : " الخرقة الخامسة " إلى أن الميت يكفن بخمسة أثواب ، لكن هذا في حق النساء ، وفي حق الرجال بثلاثة ، وهو كفن السنة في حقهما على ما عرف في موضعه .
قوله : " الفخذين والوركين " ، منصوبان على المفعولية ، والفاعل هو الضمير الذي في : " يشد " الراجع إلى الغاسل بالقرينة الدالة عليه ، ويروى : " الفخذان والوركان " مرفوعين ؛ لأنهما مفعولان نابا عن الفاعل ، ففي الأولى يشد على بناء المعلوم ، وفي الثانية على بناء المجهول . قوله : " تحت الدرع " بكسر الدال وهو القميص هنا ، وقال صاحب التلويح : وهذا التعليق رواه ، وأخلى بعده بياضا ، وقال بعضهم : وقد وصله ابن أبي شيبة نحوه . قلت : لم يبين وصله بمن ، وفي أي موضع وصله ، والظاهر أنه غير صحيح ، ثم قال : وروى الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة ، " عن أم عطية قالت : فكفناها في خمسة أثواب ، وخمرناها بما يخمر به الحي " ، وهذا يصلح مستندا لكون كفن المرأة خمسة أثواب ؛ لأن قوله : " الخرقة الخامسة " تستدعي الأربعة قبله ، وهذا عين مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .
23 - حدثنا أحمد ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرنا ابن جريج أن أيوب أخبره قال : سمعت ابن سيرين يقول : جاءت أم عطية رضي الله عنها امرأة من الأنصار من اللاتي بايعن ، قدمت البصرة تبادر ابنا لها ، فلم تدركه ، فحدثتنا قالت : دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته ، فقال : اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافورا ، فإذا فرغتن فآذنني ، قالت : فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه ، فقال : أشعرنها إياه ، ولم يزد على ذلك ولا أدري ، أي بناته ، وزعم الإشعار الففنها فيه ، وكذلك كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تشعر ولا تؤزر .

مطابقته للترجمة في قوله : " وزعم الإشعار الففنها فيه " وفيه بيان كيفية الإشعار وهو اللف ، وصدر السند مثل صدر سند الحديث في الباب السابق ؛ لأن في كل منهما حدثنا أحمد قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرنا ابن جريج إلى هنا كلاهما سواء عن أحمد بن صالح على الخلاف ، عن عبد الله ابن وهب المصري ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وهناك قال أيوب وسمعت حفصة بنت سيرين قال : حدثنا أم عطية وهنا أن أيوب أخبره قال : سمعت ابن سيرين يقول : جاءت أم عطية امرأة الحديث .
ذكر معناه : قوله : " امرأة من الأنصار " مرفوع لأنه عطف بيان ولا يلزم في عطف البيان أن يكون من الأعلام والكنى ، وكلمة من في الموضعين بيانية ، ويجوز أن تكون الثانية للتبعيض . قوله : " قدمت البصرة " بيان لقوله : " جاءت " ، أو بدل منه . قوله : " تبادر ابنا لها " جملة حالية ، وتبادر من المبادرة ، وهي الإسراع ، والمعنى أنها أسرعت في المجيء إلى بصرة لأجل ابنها الذي كان فيها ، ولم تدركه ؛ لأنه إما مات قبل مجيئها ، وإما خرج إلى موضع آخر .
قوله : " فحدثتنا " أي أم عطية ، والقائل بهذا ابن سيرين قوله : " ذلك " بكسر الكاف خطابا لأم عطية لأنها كانت الغاسلة قوله : " في الآخرة " ، أي في الغسلة الآخرة قوله : " حقوه " ، أي إزاره قوله : " ولم يزد على ذلك " ، أي قال أيوب : لم يزد ابن سيرين على المذكور بخلاف حفصة بنت سيرين فإنها زادت أشياء منها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ابدءوا بميامنها ومواضع الوضوء منها " قوله : " ولا أدري أي بناته "، أي قال أيوب : ولا أدري أي بناته كانت المغسولة ؛ فأي مبتدأ وخبره محذوف والتقدير : أي بناته كانت ونحوه ، وهذا لا ينافي ما قاله آخرون أنها زينب ؛ إذ عدم علمه لا ينافي علم الغير ، وقد صرح عاصم في روايته عن حفصة أنها زينب ، وهي رواية مسلم قال : حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وعمرو الناقد جميعا ، عن أبي معاوية قال عمرو : حدثنا محمد بن حازم أبو معاوية قال : حدثنا عاصم الأحول ، عن حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية قالت : : " لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : اغسلنها وترا " الحديث قوله : " وزعم " ، أي أيوب قوله : " الإشعار " منصوب بقوله : " زعم " ، أي قال أيوب : إن معنى أشعرنها في الحديث ، أي ألففنها .
[8/47] فيه من الإلفاف ، وذكر فيه لفظة الإشعار ، مع أنه ليس فيه صيغة الأمر ، ثم فسره بصيغة الأمر بقوله : ألففنها فيه ، وذلك لأنه طلب الاختصار ، وتقديره : أن الإشعار هو اللف ، فمعنى : " أشعرنها إياه " ألففنها فيه ، ولا التباس فيه للقرينة الدالة على ذلك . قوله : " وكذلك كان ابن سيرين " ، أي قال أيوب : " وكذلك كان محمد بن سيرين يأمر بالمرأة أن تشعر " ، أي تلف وتشعر على صيغة المجهول ، وكذلك قوله : " ولا تؤزر " ، أي ولا تجعل الشعار عليها مثل الإزار ؛ لأن الإزار لا يعم البدن ، بخلاف الشعار ، وكان ابن سيرين أعلم التابعين بعمل الموتى وأيوب بعده . قوله : " لا تؤزر " بضم التاء وسكون الهمزة وفتح الزاي ، ويجوز بفتح الهمزة وتشديد الزاي من التأزير .