60 51 - مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي . وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ . وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌ مُحَجَّلَةٌ ، فِي [2/160] خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ، أَلَا يَعْرِفَ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، غُرًّا مُحَجَّلِينَ ، مِنَ الْوُضُوءِ . وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ . فَلَا يُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي ، كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ، أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ ! أَلَا هَلُمَّ ! أَلَا هَلُمَّ ! فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بِعْدَكَ . فَأَقُولُ : فَسُحْقًا . فَسُحْقًا . فَسُحْقًا .

1837 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَقَابِرِ ، وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ . وَهَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لِلرِّجَالِ ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِلنِّسَاءِ .
[2/161] 1838 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ .
1839 - وَزَارَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْرَ أُمِّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي أَلْفِ مُقَنَّعٍ .
[2/162] 1840 - وَزَارَتْ عَائِشَةُ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
1841 - وَزَارَ ابْنُ عُمَرَ قَبْرَ أَخِيهِ عَاصِمٍ .
1842 - وَلَا خِلَافَ فِي إِبَاحَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ ، وَكَرَاهِيَتِهَا لِلنِّسَاءِ .
1843 - وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ .
1844 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ .
[2/163] 1845 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِأَسَانِيدِهَا فِي " التَّمْهِيدِ " عِنْدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ .
1846 - وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَكَشْفُ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
1847 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَى الْقُبُورِ قَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ . غَفَرَ اللَّهُ الْعَظِيمُ لَنَا وَلَكُمْ .
1848 - وَفِي بَعْضِهَا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ ، وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ . اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أُجُورَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ .
1849 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي " التَّمْهِيدِ " .
1850 - وَقَدْ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَقِيعَ فَسَلَّمَ عَلَى الْمَوْتَى ، وَدَعَا لَهُمْ .
1851 - وَقَالَ صَخْرُ بْنُ أَبِي سُمَيَّةَ : رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، فَقَامَ عَلَى بَابِ عَائِشَةَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ . السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ .
[2/164] 1852 - وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ وَاسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْقُبُورِ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ جَنَائِزَهُمْ .
1853 - وَقَالَ الْحَسَنُ : مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ ، خَرَجَتْ مِنَ الدُّنْيَا وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَةٌ ، فَأَدْخِلْ عَلَيْهَا رَوْحًا مِنْكَ ، وَسَلَامًا مِنِّي ، كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ .
1854 - وَأَظُنُّ قَوْلَهُ : وَسَلَامًا مِنِّي مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " .
1855 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْقُبُورِ ! أَخْبِرُونَا عَنَّا بِخَبَرِكُمْ . أَمَّا خَبَرُكُمْ قِبَلَنَا فَالنِّسَاءُ قَدْ تَزَوَّجْنَ ، وَالْمَالُ قَدْ قُسِّمَ ، وَالْمَسَاكِنُ قَدْ سَكَنَهَا قَوْمٌ غَيْرُكُمْ . ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا : لَمْ نَرَ زَادًا خَيْرًا مِنَ التَّقْوَى .
1856 - وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ مَرَّ عَلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ . أَخْبَارُ مَا عِنْدَنَا أَنَّ نِسَاءَكُمْ قَدْ تَزَوَّجْنَ ، وَدُورَكُمْ قَدْ سُكِنَتْ ، وَأَمْوَالَكُمْ قَدْ قُسِّمَتْ ، فَأَجَابَهُ هَاتِفٌ يَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ! أَخْبَارُ مَا عِنْدَنَا أَنَّ مَا قَدَّمْنَا وَجَدْنَا ، وَمَا أَنْفَقْنَا فَقَدْ رَبِحْنَا ، وَمَا خَلَّفْنَا فَقَدْ خَسِرْنَاهُ .
1857 - وَهَذَا مِنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِبَارِ ، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ .
[2/165] 1858 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَالَ : أَمْلَتْ عَلَيْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الرَّيَّانِ الْمُسْتَمْلِيِّ فِي دَارِهَا بِمِصْرَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، قَالَتْ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ أَحَدٍ مَرَّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ .
1859 - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ مِينَا أَوْ عَنْ مِينَاسَ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَجُلٌ فِي يَوْمٍ فِيهِ دِفْءٌ فَأَتَى الْجَبَّانَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَتَى قَبْرًا فَاتَّكَأَ عَلَيْهِ ، فَسَمِعَ صَوْتًا : ارْتَفِعْ عَنِّي لَا تُؤْذِينِي أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ وَلَا نَعْمَلُ . لَأَنْ تَكُونَ لِي مِثْلُ رَكْعَتَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .
1860 - وَرُوِّينَا عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا بِالْمَقَابِرِ إِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ مِنْ وَرَائِي يَقُولُ : يَا ثَابِتُ لَا يَغُرَّنَّكَ سُكُوتُهَا ، فَكَمْ مِنْ مَغْمُومٍ فِيهَا ، وَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا .
1861 - وَرَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : أَلَا تُسَلِّمُونَ عَلَى الشُّهَدَاءِ فَيَرُدُّونَ عَلَيْكُمْ ؟ .
1862 - وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ دَخْلَ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَقَالَ : أَقْرِئْ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي السَّلَامَ .
1863 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي خَالَتِي ، [2/166] وَكَانَتْ مِنَ الْعَوَابِدِ ، وَكَانَتْ كَثِيرًا مَا تَرْكَبُ إِلَى الشُّهَدَاءِ ، قَالَتْ : صَلَّيْتُ يَوْمًا عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمَّا قُمْتُ قُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَدَّ السَّلَامِ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ ، أَعْرِفُهُ كَمَا أَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي ، وَمَا فِي الْوَادِي دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ . قَالَتْ : فَاقْشَعَرَّتْ لَهُ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي .
1864 - وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَخْبَارِ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا مَوْضِعًا لِإِيرَادِهَا . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنَ الِاعْتِبَارِ بِهَا ، وَالْفِكْرَةِ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهَا .
1865 - وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي السَّلَامِ عَلَى الْقُبُورِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَبْنِيَةِ الْقُبُورِ .
1866 - وَكَانَ ابْنُ وَضَّاحٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا ، وَيَحْتَجُّ بِحِكَايَاتٍ فِيهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ قَبْلَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
1867 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ فَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ :
1868 - أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَرْدُودٌ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ : دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ فِي حَالِ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَا يَأْمَنُهَا مُؤْمِنٌ وَعَاقِلٌ .
1869 - أَلَا تَرَى قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ
[2/167] 1870 - وَقَوْلُ يُوسُفَ : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
1871 - وَكَذَلِكَ كَانَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ .
1872 - وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا ، لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ ، وَلَكِنَّهَا لُغَةٌ لِلْعَرَبِ .
1873 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
1874 - وَالشَّكُّ لَا سَبِيلَ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عَلَّامِ الْغُيُوبِ .
1875 - وَقَوْلُهُ : وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ كُلُّهُمْ إِخْوَةٌ فِي دِينِهِمْ .
1876 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
1877 - وَقَدْ قُرِئَتْ : فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ ( بَيْنَ إِخْوَانِكُمْ ) .
[2/168] فَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَمَنْ صَحِبَكَ وَصَحِبْتَهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى الشَّيْخُ صَاحِبًا لِلتِّلْمِيذِ ، وَالتِّلْمِيذُ صَاحِبًا لِلشَّيْخِ . وَالصَّاحِبُ : الْقَرِينُ الْمُمَاشِي الْمُصَاحِبُ ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَحَابَةٌ وَأَصْحَابٌ .
1879 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، فَرَوَى أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَرَأَيْتَ مَنْ آمَنَ بِكَ وَلَمْ يَرَكَ ، وَصَدَّقَكَ وَلَمْ يَرَكَ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أُولَئِكَ إِخْوَانُنَا ، أُولَئِكَ مَعَنَا ، طُوبَى لَهُمْ طُوبَى لَهُمْ .
1880 - وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : طُوبَى لِمَنْ رَآنِي فَآمَنَ بِي ، وَطُوبَى سَبْعَ مَرار لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي .
1881 - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي ، وَلَمْ يَرَوْنِي .
[2/179] 1882 - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلٍ بَيْنَهُمْ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ . قَالَ : بَلَى ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَرِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ .
[2/170] 1883 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَحْوُهُ .
1884 - وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا فَقَعَدَ ، وَجَاءَهُ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا عُمَرُ ! إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى إِخْوَانِي . قَالَ عُمَرُ : أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّكُمْ أَصْحَابِي . وَإِخْوَانِي قَوْمٌ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي .
1885 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِجُلَسَائِهِ يَوْمًا : أَيُّ النَّاسِ أَعْجَبُ إِيمَانًا ؟ قَالُوا : الْمَلَائِكَةُ . قَالَ : وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَمْرُ فَوْقَهُمْ يَرَوْنَهُ ؟ قَالُوا : الْأَنْبِيَاءُ . قَالَ : وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَمْرُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ؟ قَالُوا : فَنَحْنُ . قَالَ : وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَرَوْنَ ؟ ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعْجَبُ النَّاسِ إِيمَانًا قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي . أُولَئِكَ إِخْوَانِي حَقًّا .
1886 - وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي حُبًّا لِي نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي ، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ .
[2/171] 1887 - كَذَا رَوَاهُ سُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
1888 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي حُبًّا لِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعْطِي أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، وَيَرَانِي .
1889 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : أَتَدْرُونَ أَيُّ الْخَلْقِ أَفْضَلُ إِيمَانًا ؟ قُلْنَا : الْمَلَائِكَةُ . قَالَ : وَحُقَّ لَهُمْ ، بَلْ غَيْرُهُمْ . قُلْنَا : الْأَنْبِيَاءُ . قَالَ : حُقَّ لَهُمْ بَلْ غَيْرُهُمْ . قُلْنَا : الشُّهَدَاءُ . قَالَ : هُمْ كَذَلِكَ ، وَحُقَّ لَهُمْ بَلْ غَيْرُهُمْ . ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَفْضَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ، يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ، وَيَجِدُونَ وَرَقًا فَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ ، فَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا .
1890 - وَرُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَهُوَ أَصَحُّ .
1891 - أَخْبَرَنَا سُهَيْلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِجَازَةً ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ سَوَاءً .
[2/172] 1892 - قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : تَفْسِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
1893 - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ . قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا ؟ قَالَ ، قَوْمٌ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ ، فَيَجِدُونَ كِتَابًا بَيْنَ لَوْحَيْنِ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهِ ، وَيُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ، وَيُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْتُ بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِهِ ، فَهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ .
1894 - فَقَدْ أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ فِي آخِرِ أُمَّتِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ مَنْ صَحِبَهُ .
1895 - وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ مَرْزُوقٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي جُمُعَةَ ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ .

1896 - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ - رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذْ طَلَعَ رَاكِبَانِ ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ : كِنْدِيَّانِ مَذْحِجِيَّانِ حَتَّى أَتَيَاهُ ، فَإِذَا رَجُلَانِ مِنْ مَذْحِجَ ، فَدَنَا أَحَدُهُمَا إِلَيْهِ لِيُبَايِعَهُ . فَلَمَّا أَخَذَ بِيَدِهِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَرَأَيْتَ مَنْ رَآكَ فَصَدَّقَكَ وَآمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ مَاذَا لَهُ ؟ قَالَ : طُوبَى لَهُ ، فَمَسَحَ عَلَى يَدِهِ وَانْصَرَفَ . ثُمَّ قَامَ الْآخَرُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ لِيُبَايِعَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَرَأَيْتَ مَنْ آمَنَ بِكَ وَصَدَقَكَ وَاتَّبَعَكَ وَلَمْ يَرَكَ ؟ قَالَ : طُوبَى لَهُ طُوبَى لَهُ . ثُمَّ مَسَحَ عَلَى يَدِهِ وَانْصَرَفَ .
[2/173] 1897 - وَمِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ وَتَدَلَّيْنَا مِنْهَا ، فَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَّةٍ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا . فَقَالَ : هَذِهِ قُبُورُ أَصْحَابِنَا . ثُمَّ مَشَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا .
1898 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلَّهَا وَغَيْرَهَا فِي مَعْنَاهَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ .
1899 - وَهِيَ أَحَادِيثُ كُلُّهَا حِسَانٌ ، وَرُوَاتُهَا مَعْرُوفُونَ وَلَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا .
1900 - كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ ، فَهَذِهِ أَحْرَى أَلَّا تَكُونَ عَلَى الْعُمُومِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
[2/174] 1901 - وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قُبُورِ الشُّهَدَاءِ : " قُبُورُ إِخْوَانِنَا " ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشُّهَدَاءَ مَعَهُ ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ لَا يُقَاسُ بِهِمْ مَنْ سِوَاهُمْ .
1902 - إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا نَحْوَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ؟ " .
1903 - وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ .
1904 - وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمِّرُ فِي الْإِسْلَامِ لِلتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ .
1905 - يُعَارِضُهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ .
1906 - وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
1907 - وَقَوْلُهُ : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الْآيَةَ .
1908 - ثُمَّ قَالَ : وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ الْآيَةَ - مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَهِدَايَةٌ .
[2/175] 1909 - وَتَهْذِيبُ آثَارِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ : " قَرْنِي " - عَلَى الْجُمْلَةُ فَقَرْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جُمْلَةً خَيْرٌ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي يَلِيهِ .
1910 - وَأَمَّا عَلَى الْخُصُوصِ وَالتَّفْضِيلِ فَعَلَى مَا قَالَ عُمَرُ فِي قَوْلِهِ : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ إِنَّمَا كَانُوا كَذَلِكَ بِمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ .
1911 - وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَحْوَالَ النَّاسِ فِي الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ الْآيَةَ ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الْآيَةَ فَسَوَّى بَيْنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَبَيْنَ السَّابِقِينَ .
1912 - وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي قَوْلِهِ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْعُمُومِ وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ فِي أَنَّ قَرْنَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيهِ الْكُفَّارُ وَالْفُجَّارُ ، كَمَا كَانَ فِيهِ الْأَخْيَارُ وَالْأَشْرَارُ . وَكَانَ فِيهِ الْمُنَافِقُونَ وَالْفُسَّاقُ وَالزُّنَاةُ وَالسُّرَّاقُ ، كَمَا كَانَ فِيهِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالْفُضَلَاءُ وَالْعُلَمَاءُ ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا كُلِّهِ عِنْدَنَا : أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، أَيْ : خَيْرُ النَّاسِ فِي قَرْنِي كَمَا قَالَ تَعَالَى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ أَيْ : فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ . فَيَكُونُ خَيْرُ النَّاسِ فِي قَرْنِهِ أَهْلُ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ . وَمَنْ شَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ خَيْرُ النَّاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
1913 - وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ [2/176] عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ عَدَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1914 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، فَالْفَرَطُ : الْمُتَقَدِّمُ الْمَاشِي مِنْ أَمَامٍ إِلَى الْمَاءِ .
1915 - هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَغَيْرِهِ .
1916 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَنَا فَرَطُهُمْ : أَنَا إِمَامُهُمْ وَهُمْ وَرَائِي يَتْبَعُونَنِي .
1917 - وَاسْتَشْهَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
فَأَثَارَ فَارِطَهُمْ غُطَاطًا جُثَّمَا
أَصْوَاتُهَا كَتَرَاطُنِ الْفُرْسِ
1918 - وَقَالَ الْقَطَّامِيُّ :
فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا
كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
1919 - وَقَالَ لَبِيدٌ :
فَوَرَدْنَا قَبْلَ فُرَّاطِ الْقَطَا
إِنَّ مِنْ وِرْدِيَ تَغْلِيسَ النَّهَلُ
1920 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفَارِطُ هَاهُنَا : السَّابِقُ إِلَى الْمَاءِ . وَالنَّهَلُ : الشَّرْبَةُ الْأُولَى .
[2/177] 1921 - وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَضَعَ ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ : لَوْلَا أَنَّهُ مَوْعِدُ صِدْقٍ وَوَعْدٌ جَامِعٌ وَأَنَّ الْمَاضِيَ فَرَطُ الْبَاقِي ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
1922 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمَةَ الْقُرَشِيُّ :
ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ فَرَطًا
وَبَقِيتُ كَالْمَغْمُورِ فِي خَلَفِ
مِنْ كُلِّ مَطْوِيٍّ عَلَى حَنَقٍ
مُتَكَلِّفٍ يُكْفَى لَا يَكْفِي
1923 - وَقَالَ غَيْرُهُ : وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ الْتِقَاطَا لَمْ أَلْقَ إِذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطَا إِلَّا الْقَطَا أَوَابِدًا غِطَاطَا 1924 - الْأَوَابِدُ : الطَّيْرُ الَّتِي لَا تَبْرَحُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا مِنْ بُلْدَانِهَا ، وَالْقَوَاطِعُ الَّتِي تَقْطَعُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، فِي زَمَنٍ بَعْدَ زَمَنٍ . وَالْأَوَابِدُ أَيْضًا : الْإِبِلُ إِذَا تَوَحَّشَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَالْأَوَابِدُ أَيْضًا : الدَّوَاهِي . يُقَالُ مِنْهُ : جَاءَ فَلَانٌ بِآبِدَةٍ .
1925 - وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْغِطَاطُ : طَيْرٌ يُشْبِهُ الْقَطَا .
1926 - وَروي عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَنَّهُ قَالَ : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، وَالصُّنَابِحُ بْنُ الْأَعْسَرِ الْأَحْمَسِيُّ ، وَجُنْدَبٌ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ .
[2/178] 1927 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَلَيُذَادَنَّ " فَمَعْنَاهُ : فَلَيُبْعَدَنَّ ، وَلَيُطْرَدَنَّ .
1928 - وَقَالَ زُهَيْرٌ :
وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِهِ
يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
1929 - وَقَالَ الرَّاجِزُ :
يَا أَخَوَيَّ نَهْنِهَا وَذُودَا
إِنِّي أَرَى حَوْضَكُمَا مَوْرُودَا
1930 - وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى : " فَلَا يُذَادَنَّ " عَلَى النَّهْيِ فَقِيلَ : إِنَّهُ قَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ نَافِعٍ وَمُطَرِّفٌ .
1931 - وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مَعْنًى حَسَنًا لِرِوَايَةِ يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّهْيِ ، أَيْ : لَا يَفْعَلُ أَحَدٌ فِعْلًا يُطْرَدُ بِهِ عَنْ حَوْضِي .
1932 - لَكِنَّ قَوْلَهُ : " أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ " خَبَرٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّسْخُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1933 - وَمِمَّا يُشْبِهُ رِوَايَةَ يَحْيَى وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : أَنَا فَرَطُكُمْ أَعْلَى الْحَوْضِ ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، فَلَا يَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ .
1934 - وَهَذَا فِي مَعْنَى رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ .
[2/179] 1935 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَمَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَتَوَضَّئُونَ مِثْلَ وُضُوئِنَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، لِأَنَّ الْغُرَّةَ فِي الْوَجْهِ ، وَالتَّحْجِيلَ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ .
1936 - هَذَا مَا لَا مَدْفَعَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ أَنَّ وُضُوءَ سَائِرِ الْأُمَمِ لَا يُكْسِبُهَا غُرَّةً وَلَا تَحْجِيلًا ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بُورِكَ لَهَا فِي وُضُوئِهَا بِمَا أُعْطِيَتْ مِنْ ذَلِكَ ، شَرَفًا لَهَا وَلِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَسَائِرِ فَضَائِلِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ ، كَمَا فُضِّلَ نَبِيُّهَا بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَغَيْرِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1937 - وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَنْبِيَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فَيَكْتَسِبُونَ بِذَلِكَ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ ، وَلَا يَتَوَضَّأُ أَتْبَاعُهُمْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ ، كَمَا خُصَّ نَبِيُّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَشْيَاءَ دُونَ أُمَّتِهِ ، مِنْهَا : نِكَاحُ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ ، وَالْمَوْهُوبَةِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَالْوِصَالُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ .
[2/180] 1938 - فَيَكُونُ مِنْ فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ تُشْبِهَ الْأَنْبِيَاءَ ، كَمَا جَاءَ عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : يَا رَبِّ ! أَجِدُ أُمَّةً كُلُّهُمْ كَالْأَنْبِيَاءِ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي ، فَقَالَ : تِلْكَ أَمَةُ أَحْمَدَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ .
1939 - وَقَدْ رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدِّثُ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا لِلْحِسَابِ ، ثُمَّ دُعِيَ الْأَنْبِيَاءُ مَعَ كُلِّ نَبِيِّ أُمَّتُهُ ، وَأَنَّهُ رَأَى لِكُلِّ نَبِيٍّ نُورَيْنِ يَمْشِي بَيْنَهُمَا ، وَلِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ نُورٌ وَاحِدٌ يَمْشِي بِهِ حَتَّى دُعِيَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَإِذَا شَعْرُ رَأْسِهِ وَوَجْهُهُ نُورٌ كُلُّهُ يَرَاهُ كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ ، وَإِذَا لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ نُورَانِ كَنُورِ الْأَنْبِيَاءِ . فَقَالَ كَعْبٌ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهَا رُؤْيَا : مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ وَمَا عِلْمُكَ بِهِ ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا رُؤْيَا ، فَنَاشَدَهُ كَعْبٌ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ : لَقَدْ رَأَيْتَ مَا تَقُولُ فِي مَنَامِكَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ . فَقَالَ كَعْبٌ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ إِنَّ هَذِهِ لَصِفَةُ أَحْمَدَ وَأُمَّتِهِ . وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ مَا قَرَأْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَإِسْنَادُ هَذَا الْخَبَرِ فِي التَّمْهِيدِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1940 - وَهَذَا لَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ .

1941 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذَا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا : هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي فَلَمْ يَأْتِ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ ، وَلَا لَهُ إِسْنَادٌ يُحْتَجُّ بِهِ ، لِأَنَّهُ [2/181] حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى زَيْدِ بْنِ الْحَوَارِيِّ الْعَمِّيِّ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ زَيْدٍ ، هُوَ انْفَرَدَ بِهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ .
[2/182] 1942 - وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ أَيْضًا ، فَمَرَّةً يَجْعَلُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .

1943 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ .
1944 - وَهُوَ أَيْضًا مُنْكَرٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ لَمَّا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، قَالَ : هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي .
1945 - وَقَدْ تَوَضَّأَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُقَصِّرَ عَنْ ثَلَاثٍ لَوْ كَانَتْ وُضُوءَ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ .
1946 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرٌّ مِنَ السُّجُودِ ، وَمُحَجَّلُونَ مِنَ الْوُضُوءِ .
1947 - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ سِيمَى أُمَّتِي لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهَا .
1948 - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ فِي السُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ ، فَأَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ فَأَعْرِفُ أُمَّتِي بَيْنَ الْأُمَمِ ، وَأَنْظُرُ عَنْ يَمِينِي فَأَعْرِفُ أُمَّتِي بَيْنَ الْأُمَمِ [2/183] وَأَنْظُرُ عَنْ شَمَالِي فَأَعْرِفُ أُمَّتِي بَيْنَ الْأُمَمِ . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَلَا يَكُونُ مِنَ الْأُمَمِ كَذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ .
1949 - وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : غُرٌّ مُحَجَّلُونَ بُلْقٌ مِنَ الْوُضُوءِ .
1950 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ .
1951 - وَكُلُّهَا تَدَلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1952 - وَأَمَّا قَوْلُهُ " فَسُحْقًا " فَمَعْنَاهُ : فَبُعْدًا ، وَالسُّحْقُ وَالْبُعْدُ ، وَالْإِسْحَاقُ وَالْإِبْعَادُ ، وَالتَّسْحِيقُ وَالتَّبْعِيدُ سَوَاءٌ . وَكَذَلِكَ النَّأْيُ وَالْبُعْدُ لَفْظَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، إِلَّا أَنَّ سُحْقًا وَبُعْدًا هَكَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ ، كَمَا نَقُولُ : أَبْعَدَهُ اللَّهُ ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ ، وَسَحَقَهُ اللَّهُ ، وَمَحَقَهُ اللَّهُ أَيْضًا .
1953 - وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ يَعْنِي مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ .
[2/184] 1954 - وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ وَالْمُبْعَدِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1955 - وَأَشَدُّهُمْ طَرْدًا مَنْ خَالَفَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَفَارَقَ سَبِيلَهُمْ ، مِثْلُ الْخَوَارِجِ عَلَى اخْتِلَافِ فِرَقِهَا ، وَالرَّوَافِضِ عَلَى تَبَايُنِ ضَلَالِهَا ، وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَصْنَافِ أَهْوَائِهَا ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُبَدِّلُونَ .
1956 - وَكَذَلِكَ الظَّلَمَةُ الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ ، وَتَطْمِيسِ الْحَقِّ وَقَتْلِ أَهْلِهِ وَإِذْلَالِهِمْ ، كُلُّهُمْ مُبَدِّلٌ ، يَظْهَرُ ويظهر عَلَى يَدَيْهِ مِنْ تَغْيِيرِ سُنَنِ الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، فَالنَّاسُ عَلَى دِينِ الْمُلُوكِ .
1957 - وَرَحِمَ اللَّهُ ابْنَ الْمُبَارَكِ فَإِنَّهُ الْقَائِلُ : وَهَلْ بَدَّلَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا 1958 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلُحَ النَّاسُ : الْأُمَرَاءُ ، وَالْعُلَمَاءُ .
1959 - وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَأَخْطَأَ أَقَلُّ فَسَادًا مِمَّا جَاهَرَ بِتَرْكِ الْحَقِّ ، الْمُعْلِنِينَ بِالْكَبَائِرِ ، الْمُسْتَخِفِّينَ بِهَا .
[2/185] 1960 - كُلُّ هَؤُلَاءِ يُخَافُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُنُوا بِهَذَا الْخَبَرِ .
1961 - وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنْ هُوَ شَرُّ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، وَصَدَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ .
1962 - وَلَا يُعْتَبَرُ أَعْظَمُ مِمَّا وَصَفْنَا عَنْ أَئِمَّةِ الْفِسْقِ وَالظُّلْمِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ إِلَّا كَافِرٌ جَاحِدٌ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ . وَيَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ، وَلَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .