221 192 - وَذُكِرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ، ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ ، وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبَجَانِيَّةً لَهُ ، [4/388] فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِمَ ؟ فَقَالَ : " إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ " .

5562 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا عَلَمٌ ، فَقَالَ : " شَغَلَنِي أَعْلَامُ هَذِهِ ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ ، وَأَتُونِي بِأَنْبَجَانِيَّةٍ " .
5563 - هَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِالتَّذْكِيرِ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ أَنْبَجَانِيَّةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِسَاءٌ أَنْبَجَانِيٌّ .
5564 - وَالْكِسَاءُ لَا يُؤَنَّثُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ خَمِيصَةً ، أَوْ شَمْلَةً ، أَوْ نَحْوَ هَذَا .
[4/389] 5565 - وَالْخَمِيصَةُ كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ بِعَلَمِ أَكْثَرِ شَيْءٍ .
5566 - وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ عَلَمٍ ، وَالْخَمَائِصُ مِنْ لِبْسِ الْأَشْرَافِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَلَمُ فِيهَا أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ .
5567 - وَأَمَّا الْأَنْبَجَانِيُّ فَكِسَاءُ صُوفٍ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ فِيهِ .
5568 - وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا هُوَ كِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ ، قَالَ : وَلَا يُقَالُ : أَنْبَجَانِيٌّ ; لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبَجَ .
5569 - قَالَ : وَفُتِحَتْ بَاؤُهُ فِي النَّسَبِ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ وَمَخْبَرَانِيٍّ .
5570 - وَقَالَ ثَعْلَبٌ : أَنْبَجَانِيٌّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا : كُلُّ مَا كَثُفَ وَالْتَفَّ .
5571 - قَالُوا : شَاةٌ أَنْبَجَانِيَّةٌ : أَيْ كَثِيرَةُ الصُّوفِ مُلْتَفَّتُهُ .
5572 - وَغَيْرُ ابْنِ قُتَيْبَةَ يَقُولُ : جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ : أَنْبَجَانِيٌّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ رُوَاتَهُ عَرَبٌ فُصَحَاءُ ، وَمِنَ الْأَنْسَابِ مَا يَجْرِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْمُوعٌ ، هَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبَجَ .
[4/390] 5573 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ قَبُولُ الْهَدَايَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيَأْكُلُهَا ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ .
5574 - وَالْهَدِيَّةُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُسْلِمِينَ الْكُرَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْفُضَلَاءِ ، وَيَسْتَحِبُّهَا الْعُلَمَاءُ مَا لَمْ يَسْلُكْ بِهَا سَبِيلَ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ حَقٍّ ، أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ ، أَوْ أَخْذٍ عَلَى حَقٍّ يَجِبُ الْقِيَامُ بِهِ .
5575 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا يَجِبُ مِنَ الْهَدَايَا لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالِهِ وَسَائِرِ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ قِبَلِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ - فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
5576 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي " - فَإِنَّ قَوْلَهُ : كَادَ يَفْتِنُنِي ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ .
5577 - وَكَادَ فِي اللُّغَةِ تُوجِبُ الْقُرْبَ ، وَتَدْفَعُ الْوُقُوعَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَخْطَفُ الْبَرْقُ بَصَرَ أَحَدٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ " .
5578 - وَالْفِتْنَةُ الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْزِلَ بِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَمِيصَةِ وَنَظَرِهِ إِلَى عَلَمِهَا - هُوَ الشُّغْلُ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِمَا يَجِبُ فِيهَا مِنْ خُشُوعٍ وَعَمَلٍ ، وَفِكْرُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .
5579 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ خَالِهِ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ : لِمَ دَعَاكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ : قَالَ : [4/391] " إِنِّي رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ ، فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا ; فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا " .
5580 - وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا .
5581 - وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ : مُصْحَفٌ ، أَوْ سَيْفٌ ، أَوْ نَحْوُهُ .
5582 - وَسُفْيَانُ عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : تَقَدَّمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بِحِمْصَ ، فَرَأَى فِي الْقِبْلَةِ عَرَقَةً ، فَقَالَ : غَطُّوا عَنَّا هَذِهِ الْعَرَقَةَ .
5583 - وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ : إِنَّمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ ; لِأَنَّهُ كَرِهَهَا ، إِذْ كَانَتْ سَبَبَ غَفْلَةٍ ، وَشُغْلٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ : " اخْرُجُوا عَنْ هَذَا الْوَادِي الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ; فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ " .
5584 - قَالَ ; وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ إِلَى غَيْرِهِ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ .
5585 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ : " لَا تَتَصَدَّقِي مِمَّا لَا تَأْكُلِينَ " .
5586 - قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْوَى خَلْقِ اللَّهِ عَلَى دَفْعِ الْوَسْوَسَةِ ، [4/392] وَلَكِنْ كَرِهَهَا لِلْغَفْلَةِ عَنِ الذِّكْرِ .
5587 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ .
5588 - وَمِمَّا قَدَّمْتُهُ فِيمَا ظَهَرَ إِلَيَّ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ; وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا رَدَّ الْخَمِيصَةَ إِلَى مُهْدِيهَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُمْ وَأَعْلَمَهُ بِمَا نَابَهُ فِيهَا - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِبَاسَهَا فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشُّغْلِ بِهَا فِي صَلَاتِهِ فَوْقَ مَا خَشِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ .
5589 - وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ إِخْبَارُهُمْ لَهُ بِمَا عَرَضَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا .
5590 - وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامُهُ بِمَا نَابَهُ فِي الْخَمِيصَةِ عِنْدَ رَدِّهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ لِتَطِيبَ نَفْسُهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ مَا لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ مِنْهُ مَنْ رُدَّتْ هَدِيَّتُهُ عَلَيْهِ .
5591 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ وَالْمُهْدِي إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ فِيهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا .
5592 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَائْتُوِنِي بِأَنْبَجَانِيَّةٍ لَهُ " ، أَوْ بِأَنْبَجَانِيَّةٍ " عَلَى الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ - فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ أَنَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ أَخَذَ مِنْهُ كِسَاءً آخَرَ لَا عَلَمَ فِيهِ ; لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ [4/393] هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ ، وَلَا قَلًى لَهُ ، وَلَا كَرَاهِيَةً لِكَسْبِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
5593 - وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمَرْءَ فِي صَلَاتِهِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِقَامَةِ فَرَائِضِهَا وَأَرْكَانِهَا لَا يُفْسِدُهَا وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتَهَا .
5594 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ لِعَائِشَةَ قِرَامٌ قَدْ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ ; فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَعْرِضُ لِي تَصَاوِيرُهُ فِي صَلَاتِي " .
5595 - وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدَنِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاذًا الْقَارِئَ يَسْأَلُ أَبِي زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي ، وَالرَّجُلُ فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : إِنِّي مَا أُبَالِي أَعَمُودٌ مِنْ عَمَدِ الْمَسْجِدِ اسْتَقْبَلَنِي فِي صَلَاتِي ، أَوِ اسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ .
5596 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَشْغَلَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْهُ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ .