باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه

أي هذا باب في بيان من استعد الكفن ، أي أعده وليست السين للطلب . قوله : " فلم ينكر عليه " على صيغة المجهول ، ويروى على صيغة المعلوم ، ويكون الفاعل هو النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : يروى : " فلم ينكره بها " ، أي فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي طلب البردة التي أهديت إليه ، وكان طلبه إياها منه صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكفن فيها ، وكانت الصحابة أنكروا عليه ، فلما قال : : " إنما طلبتها لأكفن فيها " أعذروه ، فلم ينكروا ذلك عليه ، وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى تلك القضية ، واستفيد من ذلك جواز تحصيل ما لا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته ؛ لأن أفضل ما ينظر فيه الرجل في الوقت المهمل وفسحة الأجل الاعتداد للمعاد ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : : " أفضل المؤمنين إيمانا أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا " ، وقال الضميري : لا يستحب الإنسان أن يعد لنفسه كفنا لئلا يحاسب عليه ، وهو صحيح إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها ، أو من أثر أهل الخير والصلحاء ؛ فإنه حسن ، وهل يلحق بذلك حفر القبر في حياته ، فقال ابن بطال : قد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت بأيديهم ؛ ليتمثلوا حلول الموت فيه . ورد عليه بعضهم بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة ، ولو كان مستحبا لكثر فيهم . قلت : لا يلزم من عدم وقوعه من أحد من الصحابة عدم جوازه ؛ لأن ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، ولا سيما إذا فعله قوم من الصلحاء الأخيار .
39 - حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل رضي الله عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها ، أتدرون ما البردة ؟ قالوا : الشملة ، قال : نعم ، قالت : نسجتها بيدي ، فجئت لأكسوكها ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ، فخرج إلينا ، وإنها إزاره ، فحسنها فلان ، فقال : اكسنيها ما أحسنها ، قال القوم : ما أحسنت ، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ثم [8/62] سألته ، وعلمت أنه لا يرد ، قال : إني والله ما سألته لألبسها ، إنما سألته لتكون كفني ، قال سهل : فكانت كفنه .

مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الرجل الذي سأل تلك البردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنكرت الصحابة عليه سؤاله ، قال : : " سألته لتكون تلك البردة كفني " ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إياها ، واستعدها ليكفن فيها ، فكفن فيها ، وأخبر بذلك سهل حيث قال : فكانت كفنه .
ذكر رجاله :
وهم أربعة الأول عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : عبد العزيز بن أبي حازم . الثالث : أبوه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج القاضي من عباد أهل المدينة وزهادهم . الرابع : سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه .
ذكر لطائف إسناده :
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن رواته مدنيون غير أن عبد الله بن مسلمة سكن البصرة ، وهو من رباعيات البخاري . وأخرجه ابن ماجه أيضا في اللباس عن هشام بن عمار به .
ذكر معناه : قوله : " أن امرأة " ، لم يعرف اسمها . قوله : " ببردة " ، هي كساء كانت العرب تلتحف به فيه خطوط ، ويجمع على برد كغرفة وغرف ، وقال ابن قرقول : هي النمرة . قوله : " حاشيتها " ، مرفوع بقوله : " منسوجة " ، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل قاله الداودي يعني أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية . وقيل : حاشية الثوب هدبه ، فكأنه أراد أنها جديدة لم تقطع هدبها ، ولم تلبس بعد ، وقال القزاز : حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفيهما الهدب ، قال الجوهري : الحاشية واحدة حواشي الثوب ، وهي جوانبه . قوله : " تدرون " ، ويروى : " أتدرون " بهمزة الاستفهام ، ويروى: " هل تدرون " وعلى كل حال هذه الجملة قول سهيل بن سعد بينه أبو غسان عن أبي حازم ، كما أخرجه البخاري في الأدب ، ولفظه: " فقال سهل للقوم أتدرون ما البردة قالوا الشملة " . انتهى .
والشملة كساء يشتمل به ، وهي أعم لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها قوله: " تدرون " إلى قوله : " قالت : نسجتها " جمل معترضة في كلام المرأة المذكورة قوله: " فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها " ، أي حال كونه محتاجا إلى تلك البردة ، ويروى: " محتاج إليها " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي أخذها ، وهو محتاج إليها ، وإن شئت تقول وهو محتاج إليها ، وقد علم أن الجملة الاسمية إذا وقعت حالا يجوز فيها الأمران الواو وتركها . فإن قلت : من أين عرفوا احتياج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك . قلت : يمكن أن يكون ذلك بصريح القول من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو بقرينة حالية دلت على ذلك . قوله : " فخرج إلينا وإنها إزاره " ، أي فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ، وإن البردة المذكورة إزاره ، يعني متزرا بها ، يدل على ذلك رواية الطبراني عن هشام بن سعد عن أبي حازم : " فاتزر بها ثم خرج " ، وفي رواية ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عبد العزيز: " فخرج إلينا فيها " ، قوله : " فحسنها فلان " ، أي نسبها إلى الحسن وهو ماض من التحسين في الروايات كلها ، وفي رواية للبخاري في اللباس من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم: " فجسها " بالجيم وتشديد السين بغير نون ، وكذا وقع في رواية الطبراني من طريق أخرى عن ابن أبي حازم .
وقال المحب الطبري : فلان هو عبد الرحمن بن عوف ، وفي الطبراني عن قتيبة هو سعد بن أبي وقاص ، وقد أخرج البخاري في اللباس والنسائي في الزينة عن قتيبة ، ولم يذكرا ذلك عنه ، وفي رواية ابن ماجه : " فجاء فلان ابن فلان رجل سماه يومئذ " ، وهذا يدل على أن الراوي سماه ونسبه ، وفي رواية أخرى للطبراني أن السائل المذكور أعرابي ، ولكن في سنده زمعة بن صالح وهو ضعيف . قوله: " ما أحسنها " ، كلمة ما هنا للتعجب ، وهو بنصب النون ، وفي رواية ابن ماجه : : " فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه البردة اكسنيها ، قال : نعم فلما دخل طواها وأرسل بها إليه " ، قوله : " ما أحسنت " كلمة ما هنا نافية . قوله : " لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها " ، أي لبس البردة المذكورة النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه محتاجا إليها ، وفي رواية ابن ماجه : " والله ما أحسنت كساها النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إليها " ، أي وهو محتاج إليها . قوله : " أنه لا يرد " ، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلا ، وكذا وقع في رواية ابن ماجه بتصريح المفعول ونحوه وقع في رواية يعقوب في البيوع ، وفي رواية أبي غسان في الأدب : " لا يسأل شيء [8/63] فيمنعه " ، أي يعطي كل من طلب ما يطلبه . قوله : " ما سألته لألبسها " ، أي ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن ألبسها ، وأن المقدرة مصدرية ، وفي رواية أبي غسان : " فقال رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم " ، وفي رواية للطبراني عن زمعة بن صالح: " أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن تفرغ " .
ذكر ما يستفاد منه : فيه حسن خلق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسعة جوده وقبوله الهدية قال المهلب : فيه جواز ترك مكافأة الفقير على هديته ، وفيه نظر ؛ لأن المكافأة كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة ؛ فلا يلزم من السكوت عنها هنا أن لا يكون فعلها على أنه ليس في الحديث الجزم يكون ذلك هدية لاحتمال عرضها إياها عليه لأجل الشراء ، ولئن سلمنا أنها كانت هدية فلا يلزم أن تكون المكافأة على الفور . قال : وفيه جواز الاعتماد على القرائن ، ولو تجردت لقولهم : فأخذها محتاجا إليها ، وفيه نظر أيضا لاحتمال سبق القول منه بذلك كما ذكرناه . قال : وفيه الترغيب في المصنوع بالنسبة إلى صانعه إذا كان ماهرا ، وفيه نظر أيضا لاحتمال إرادتها بنسبتها إليها إزالة ما يخشى من التدليس . وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس إما ليعرفه قدرها ، وإما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك ، وفيه مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرا ، وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم ، وفيه التبرك بآثار الصالحين ، وفيه جواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه كما قد ذكرناه ، وفيه جواز المسألة بالمعروف ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يرد سائلا . وفيه بركة ما لبسه مما يلي جسده ، وفيه قبول السلطان الهدية من الفقير ، وفيه جواز السؤال من السلطان ، وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعطي حتى لا يجد شيئا فيدخل بذلك في جملة المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .