باب زيارة القبور

أي : هذا باب في بيان حكم زيارة القبور ، ولم يصرح بالحكم لما فيه من الخلاف بين العلماء ، ويأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى .
44 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال : اتقي الله واصبري قالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه ، فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت : لم أعرفك ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى .

مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم لم ينه المرأة المذكورة عن زيارتها قبر ميتها ، وإنما أمرها بالصبر فدل على الجواز من هذه الحيثية ، فلعدم التصريح به لم يصرح البخاري أيضا بالحكم ، وقد مر هذا الحديث بعين هذا الإسناد في باب قول الرجل للمرأة عند القبر " اصبري " غير أن هنا زيادة من قوله : " قالت إليك عني " إلى آخره .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع .
[8/68] ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجنائز ، عن بندار ، عن غندر ، وفي الأحكام عن إسحاق بن منصور ، وأخرجه مسلم في الجنائز ، عن بندار ، عن غندر ، وعن أبي موسى وعن عقبة بن مكرم ، وعن أحمد بن إبراهيم وزهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود فيه عن أبي موسى محمد بن المثنى ، وأخرجه الترمذي فيه عن بندار به مختصرا ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي ، عن غندر به ، وفي اليوم والليلة عن عمرو بن علي ، عن أبي داود عنه به .
( ذكر معناه ) قوله : " بامرأة " لم يوقف على اسمها . قوله : " عند قبر " ولفظ مسلم " أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها : اتقي الله واصبري فقالت : وما تبالي مصيبتي ، فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت ، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت : يا رسول الله لم أعرفك فقال : إنما الصبر عند أول صدمة أو قال : عند أول الصدمة " . وفي رواية عبد الرزاق " قد أصيبت بولدها " .
قوله : " اتقي الله " قال القرطبي : الظاهر أنها كانت تنوح وهي تبكي ، فلهذا أمرها بالتقوى وهو الخوف من الله تعالى وقال الطيبي : " اتقي الله " توطئة لقوله : " واصبري " كأنه قال لها : خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي ؛ ليحصل لك الثواب . وفي رواية أبي نعيم في ( المستخرج ) " فقال : يا أمة الله اتقي الله " .
قوله : " إليك " من أسماء الأفعال ومعناها تنح عني وابعد . قوله : " فإنك لم تصب " على صيغة المجهول ، وفي لفظ للبخاري في الأحكام من وجه آخر عن شعبة " فإنك خلو من مصيبتي " والخلو بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام . وفي لفظ لمسلم " ما تبالي مصيبتي " وفي رواية أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة أنها قالت " يا عبد الله أنا الحراء الثكلاء ، ولو كنت مصابا عذرتني " وفي بعض النسخ بعد قوله : " فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه " الواو فيه للحال أي : قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هذا القول ، والحال أنها لم تعرف النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو عرفته لما خاطبته بهذا الخطاب . قوله : " فقيل لها " أي : للمرأة المذكورة فكأن القائل لها واحد ممن كان هناك ، وفي رواية الأحكام " فمر بها رجل فقال لها : إنه رسول الله " وفي رواية أبي يعلى " قال : فهل تعرفينه ؟ قالت : لا " وفي رواية الطبراني في ( الأوسط ) من طريق عطية ، عن أنس أن الذي سألها هو الفضل بن عباس ، وقد مر في رواية مسلم " فأخذها مثل الموت " أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خجلا منه ومهابة .
قوله : " فلم تجد عنده " أي : لم تجد هذه المرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم بوابين يمنعون الناس ، وفي رواية الأحكام " بوابا " بالإفراد قال الطيبي : فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم استشعرت خوفا وهيبة في نفسها فتصورت أنه مثل الملوك له صاحب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته .
قوله : " فقالت : لم أعرفك " وفي حديث أبي هريرة " فقالت : والله ما عرفتك " . قوله : " إنما الصبر " أي : إنما الصبر الكامل ليصح معنى الحصر على الصدمة الأولى ، وفي رواية الأحكام " عند أول صدمة " وأصل الصدم لغة الضرب في الشيء الصلب ، ثم استعير لكل أمر مكروه ، وحاصل المعنى أن الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى هو الذي يكون صبرا على الحقيقة ، وأما السكون بعد فوات المصيبة ربما لا يكون صبرا بل قد يكون سلوة كما يقع لكثير من أهل المصائب بخلاف أول وقوع المصيبة ، فإنه يصدم القلب بغتة فلا يكون السكون عند ذلك والرضى بالمقدور إلا صبرا على الحقيقة . وقال الخطابي : المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك ، فإنه على الأيام يسلو وقيل : إن المرء لا يؤجر على المصيبة ؛ لأنها ليست من صنعه ، وإنما يؤجر على حسن نيته وجميل صبره ، وقال ابن بطال : أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من التواضع والرفق بالجاهل ، وترك مؤاخذة المصاب ، وقبول اعتذاره . وفيه أن الحاكم لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس . وفيه أن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل وإن لم يعرف الآمر . وفيه أن الجزع من المنهيات لأمره صلى الله تعالى عليه وسلم لها بالتقوى مقرونا بالصبر ، وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة ، وفيه أن المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المنوي لا أثر لها وبنى عليه بعضهم ما إذا قال : يا هند أنت طالق فصادف عمرة أن عمرة لا تطلق . وفيه جواز زيارة القبور مطلقا سواء كان الزائر رجلا أو امرأة ، وسواء كان المزور مسلما أو كافرا لعدم الفصل في ذلك . وقال النووي : وبالجواز قطع الجمهور وقال الماوردي : لا يجوز زيارة قبر الكافر مستدلا بقوله تعالى : وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ وهذا غلط وفي الاستدلال [8/69] بالآية المذكورة نظر لا يخفى .
واعلم أن الناس اختلفوا في زيارة القبور فقال الحازمي : أهل العلم قاطبة على الإذن في ذلك للرجال ، وقال ابن عبد البر : الإباحة في زيارة القبور إباحة عموم ، كما كان النهي عن زيارتها نهي عموم ، ثم ورد النسخ في الإباحة على العموم فجائز للرجال والنساء زيارة القبور .
وروي في الإباحة أحاديث كثيرة ، منها حديث بريدة أخرجه مسلم قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " الحديث . ورواه الترمذي أيضا ولفظه " قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها ؛ فإنها تذكر بالآخرة " . ومنها حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور ؛ فإنها تذكر في الدنيا وتذكر الآخرة " . ومنها حديث أنس أخرجه ابن أبي شيبة عنه قال : " نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن زيارة القبور ، ثم قال : زوروها ولا تقولوا هجرا " يعني سوء . ومنها حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود عنه قال : " زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال : استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي فزوروا القبور ؛ فإنها تذكر الموت " ورواه أيضا مختصرا . ومنها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أخرجه ابن ماجه عنها " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رخص في زيارة القبور " . ومنها حديث حيان الأنصاري أخرجه الطبراني في الكبير قال : " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر " الحديث . وفيه " وأحل لهم ثلاثة أشياء كان ينهاهم عنها ، أحل لهم لحوم الأضاحي وزيارة القبور والأوعية " . ومنها حديث أبي ذر أخرجه الحاكم عنه قال : " قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : زر القبور تذكر بها الآخرة " . ومنها حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أخرجه أحمد عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ؛ فإنها تذكركم الآخرة " ومنها حديث ابن عباس أخرجه أحمد عنه " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم " ومنها حديث مجمع بن جارية أخرجه ابن أبي الدنيا " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى المقبرة فقال : السلام على أهل القبور " الحديث ، وفيه إسماعيل بن عياش .
وعن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه أتى المقبرة فسلم عليهم وقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليهم " وعند ابن عبد البر بسند صحيح " ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام " ولما أخرج الترمذي حديث بريدة قال : والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بزيارة القبور بأسا ، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، ولما روي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله زوارات القبور " قال : هذا حديث حسن صحيح ثم قال : وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور ، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء ، وقال بعضهم : إنما تكره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن .
وروى أبو داود عن ابن عباس قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " واحتج بهذا الحديث قوم فقالوا : إنما اقتضت الإباحة في زيارة القبور للرجال دون النساء ، وقال ابن عبد البر : يمكن أن يكون هذا قبل الإباحة قال : وتوقي ذلك للنساء المتجملات أحب إلي ، وأما الشواب فلا يؤمن من الفتنة عليهن وبهن حيث خرجن ، ولا شيء للمرأة أحسن من لزوم قعر بيتها ، ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات فكيف إلى المقابر ، وما أظن سقوط فرض الجمعة عليهن إلا دليلا على إمساكهن عن الخروج فيما عداها .
قال : واحتج من أباح زيارة القبور للنساء بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها رواه في ( التمهيد ) من رواية بسطام بن مسلم ، عن أبي التياح ، عن عبد الله بن أبي مليكة " أن عائشة رضي الله تعالى عنها أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها : يا أم المؤمنين من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه فقلت لها : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم كان ينهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها " .
وفرق قوم بين قواعد النساء وبين شبابهن ، وبين أن ينفردن بالزيارة أو يخالطن الرجال فقال القرطبي : أما الشواب فحرام عليهن الخروج ، وأما القواعد فمباح لهن ذلك قال : وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال قال : ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى . وقال القرطبي أيضا : حمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من يكثر [8/70] الزيارة ؛ لأن زوارات للمبالغة ، ويمكن أن يقال : إن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة ، والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها ولما يخاف عليها من الصراخ ، وغير ذلك من المفاسد ، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات .
وفي ( التوضيح ) وحديث بريدة صريح في نسخ نهي زيارة القبور ، والظاهر أن الشعبي والنخعي لم يبلغهما أحاديث الإباحة .
وكان الشارع يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، وكان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم يفعلون ذلك ، وزار الشارع قبر أمه يوم الفتح في ألف مقنع ، ذكره ابن أبي الدنيا . وذكر ابن أبي شيبة ، عن علي وابن مسعود وأنس رضي الله عنهم إجازة الزيارة ، وكانت فاطمة رضي الله عنها تزور قبر حمزة رضي الله عنه كل جمعة ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يزور قبر أبيه فيقف عليه ويدعو له ، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تزور قبر أخيها عبد الرحمن وقبره بمكة ذكره أجمع عبد الرزاق .
وقال ابن حبيب : لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها ، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسئل مالك عن زيارة القبور فقال : قد كان نهى عنه ثم أذن فيه ، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا . وفي ( التوضيح ) أيضا : والأمة مجمعة على زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبره المكرم فقال : السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه .
ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد ، فلما استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها نسخ النهي عن زيارتها ؛ لأنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا . وعن طاوس كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام ؛ لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام ، وحاصل الكلام من هذا كله أن زيارة القبور مكروهة للنساء ، بل حرام في هذا الزمان ولا سيما نساء مصر ؛ لأن خروجهن على وجه فيه الفساد والفتنة ، وإنما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة ، وللاعتبار بمن مضى ، وللتزهد في الدنيا .