48 - حدثنا إسماعيل بن خليل ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، قال : حدثنا أبو إسحاق وهو الشيباني ، عن أبي بردة ، عن أبيه قال : لما أصيب عمر رضي الله عنه جعل صهيب يقول : وا أخاه فقال عمر : أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء الحي .

مطابقته للترجمة من حيث التبعية للحديث السابق فإن فيه خاطب عمر صهيبا بقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه " وهنا خاطبه بقوله : " أما علمت " إلى آخره .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول إسماعيل بن خليل أبو عبد الله الخراز قال البخاري : جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين . الثاني علي بن مسهر أبو الحسن القرشي . الثالث أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني واسم أبي سليمان فيروز . الرابع أبو بردة بضم الباء الموحدة اسمه الحارث ويقال : عامر . الخامس أبوه أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه أحدهم مذكور بالكناية مفسر بالنسبة .
والحديث أخرجه مسلم أيضا في الجنائز عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، وعن علي بن حجر ، عن شعيب بن صفوان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة به .
قوله : " أما علمت " صريح في أن الحكم ليس خاصا بالكافر . قوله : " ببكاء الحي " المراد من الحي من يقابل الميت قيل : يحتمل أن يكون المراد به القبيلة ، وتكون اللام فيه بدل الضمير ، والتقدير يعذب ببكاء حيه أي قبيلته فيوافق الرواية الأخرى " ببكاء أهله " وفي رواية لمسلم " عن أبي موسى قال : لما أصيب عمر أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر فقام بحياله يبكي فقال له عمر : على م تبكي أعلي تبكي ؟ قال : إني والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين قال : والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يبكى عليه يعذب قال : فذكرت ذلك لموسى بن طلحة فقال : كانت عائشة تقول : إنما كان أولئك اليهود " انتهى .
وفي الحديث دلالة على أن صهيبا أحد من سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر رضي الله تعالى عنه ، وقيل : إنما أنكر عمر على صهيب بكاءه لرفع صوته بقوله : وا أخاه ففهم منه أن إظهاره لذلك قبل موت عمر يشعر باستصحابه ذلك بعد وفاته أو زيادته عليه ، فابتدره بالإنكار لذلك . وقال ابن بطال : إن قيل : كيف نهى صهيبا عن البكاء وأقر نساء بني المغيرة على البكاء على خالد كما سيأتي عن قريب ؟ فالجواب أنه خشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهى عنه ، ولهذا قال في قصة خالد : ما لم يكن نقع أو لقلقة .
قلت : قوله : " يعذب ببكاء الحي " لم يرد دمع العين لجوازه على ما جاء في الحديث ، وإنما المراد البكاء الذي يتبعه الندب والنوح ، فإن ذلك إذا اجتمع سمي بكاء ؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه ، قال الخليل : من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن ، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت .
قال الجوهري : إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء ، وإذا قصرت أردت الدموع . قال أبو منصور الجواليقي : يقال للبكاء إذا تبعه الصوت والندب بكاء ، ولا يقال للندب إذا خلا عن بكاء بكاء فيكون المراد في الحديث البكاء الذي يتبعه الصوت لا مجرد الدمع والله أعلم .