باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة

أي : هذا باب في بيان من لم يظهر حزنه عند حلول المصيبة وهذا الباب عكس الباب السابق ؛ لأن فيه من أظهر حزنه ، وفي هذا من لم يظهر ، وفي كل منهما لم يصرح بالحكم أما ذاك فقد بينا وجهه ، وأما هذا ففيه ترك ما أبيح له من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه لله تعالى ، وفيه قهر النفس بالصبر الذي هو خير لقوله تعالى : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
وقال محمد بن كعب القرظي : الجزع القول السيئ والظن السيئ .

مطابقته للترجمة من حيث المقابلة ، وهي ذكر الشيء وما يضاده معه ، وذلك أن ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظن الحسن ، وإظهاره مع الجزع الذي يؤديه إلى ما حظره الشرع قول سيئ وظن سيئ ، ومحمد بن كعب بن سليم القرظي بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء معجمة المديني حليف الأوس ، سمع زيد بن أرقم وغيره قال : قتيبة بلغني أنه ولد في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال الواقدي : توفي بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة وهو ابن ثمان وتسعين سنة . ومعنى القول السيئ ما يبعث الحزن غالبا والظن السيئ الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر أو اليأس من تفويض ما هو خير له من الفائت .
وقال يعقوب عليه السلام : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله

مطابقته للترجمة من حيث إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة وأزكى السلام لما ابتلي صبر ، ولم يشك إلى أحد ، ولا بث حزنه إلا إلى الله فطابق الترجمة من هذه الحيثية . والبث بفتح الباء الموحدة وتشديد الثاء المثلثة شدة الحزن .
59 - حدثنا بشر بن الحكم ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : اشتكى ابن لأبي طلحة قال : فمات وأبو طلحة خارج ، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئا ونحته في جانب البيت ، فلما جاء أبو طلحة قال : كيف الغلام ؟ قالت : قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح ، وظن أبو طلحة أنها صادقة قال : فبات فلما أصبح اغتسل ، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما . قال سفيان : فقال رجل من الأنصار : فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن .

مطابقته للترجمة ظاهرة وهي أن امرأة أبي طلحة لما مات ابنها لم تظهر الحزن ، بل أظهرت الفرح والسرور حتى [8/98] جامعها أبو طلحة في تلك الليلة ، فلما أصبح واغتسل ، وأراد الخروج من عندها أعلمته بذلك .
( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ابن الحكم بفتحتين العبدي مر في باب التهجد . الثاني سفيان بن عيينة . الثالث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك ، مات سنة أربع وثلاثين ومائة . الرابع أنس بن مالك .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع وبصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في أربعة مواضع . قال أبو نعيم : هذا الحديث مما تفرد به البخاري عن بشر بن الحكم . وأخرجه مسلم من طرق عن ثابت ، عن أنس . وأخرجه البخاري ومسلم أيضا من طريق أنس بن سيرين ومحمد بن سعد من طريق حميد الطويل كلاهما عن أنس . وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة ، وهو أخو إسحاق المذكور عن أنس رضي الله تعالى عنه .
( ذكر معناه ) قوله : " اشتكى ابن لأبي طلحة " أي : مرض وليس المراد أنه صدرت منه الشكوى ، لكن لما كان الأصل أن المريض يحصل منه ذلك استعمل في كل مرض لكل مريض ، والابن المذكور هو أبو عمير صاحب النغير قاله ابن حبان والخطيب في آخرين ، وأبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري ، وامرأته هي أم أنس بن مالك . قوله : " خارج " أي خارج البيت وكان يكون عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في أواخر النهار ، وفي رواية الإسماعيلي كان لأبي طلحة ولد فتوفي فأرسلت أم سليم أنسا يدعو أبا طلحة وأمرته أن لا يخبره بوفاة ابنه وكان أبو طلحة صائما .
قوله : " هيأت شيئا " أي : أعدت طعاما وأصلحته ، وقيل : هيأت شيئا من حالها وتزينت لزوجها تعرضا للجماع ، وقيل : هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفنته على ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي عن مشايخه عن صالح " فهيأت الصبي " وفي رواية حميد عند ابن سعد " فتوفي الغلام فهيأت أم سعيد أمره " وفي رواية عمارة بن زاذان عن ثابت " فهلك الصبي فقامت أم سليم فغسلته وكفنته وحنطته وسجت عليه ثوبا " . قوله : " ونحته " بفتح النون والحاء المهملة المشددة أي : جعلته في جانب البيت ، وقيل : بعدته . وفي رواية جعفر عن ثابت " فجعلته في مخدعها " .
قوله : " قد هدأت نفسه " بالهمز أي : سكنت نفسه بسكون الفاء ، والمعنى أن نفسه كانت قلقة منزعجة بعارض المرض فسكنت بالموت ، وظن أبو طلحة أن مرادها سكنت بالنوم لوجود العافية ، وفي رواية أبي ذر " هدأ نفسه " بفتح الفاء أي : سكن لأن المريض يكون نفسه عاليا ، فإذا زال مرضه سكن وكذا إذا مات ، ووقع في رواية أنس بن سيرين " هو أسكن ما كان " ونحوه في رواية جعفر عن ثابت ، وفي رواية معمر عن ثابت " أمسى هادئا " وفي رواية حميد " بخير ما كان " والكل متقارب المعاني . قولها : " وأرجو أن يكون قد استراح " من حسن المعاريض وهو ما احتمل له معنيان ، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه ، ولكن ورت به عن المعنى الذي كان يحزنها ألا يرى أن نفسه قد هدأ كما قالت بالموت وانقطاع النفس ، وأوهمته أنه استراح من قلقه ، وإنما استراح من نصب الدنيا وهمها .
وقال ابن بطال رحمه الله تعالى : هدأ نفسه من معاريض الكلام ، وأرادت بسكون النفس الموت ، وظن أبو طلحة رحمه الله تعالى أنها تريد به سكون نفسه من المرض وزوال العلة وتبدلها بالعافية ، وأنها صادقة فيما خيل إليه في ظاهر قولها وبارك الله لها بدعائه صلى الله عليه وسلم فرزقا تسعة أولاد من القراء الصلحاء ، وذلك بصبرهما فيما نالها ومراعاتها زوجها . قوله : " وظن أبو طلحة أنها صادقة " أي : بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت . قوله : " فبات " أي بات أبو طلحة مع امرأته المذكورة وهذه كناية عن الجماع ، ولهذا لما أصبح اغتسل ؛ لأن الغسل غالبا لا يكون إلا من الجماع ، وقد وقع التصريح بذلك في رواية أنس بن سيرين " فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها " وفي رواية حماد ، عن ثابت " ثم تطيبت " زاد جعفر عن ثابت " فتعرضت له حتى وقع بها " وفي رواية سليمان عن ثابت " ثم تصنعت له أحسن ما كانت تتصنع قبل ذلك فوقع بها " .
وفي رواية عبد الله بن عبد الله " ثم تعرضت له فأصاب منها " . قوله : " فلما أراد أن يخرج " أي : فلما أراد أبو طلحة أن يخرج من البيت أعلمته أي : أعلمت أبا طلحة بأنه أي : بأن الصبي قد مات ، وفيه زيادة لمسلم قال : حدثني محمد بن حاتم بن ميمون ، حدثنا بهز ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، " عن [8/99] أنس قال : مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها : لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه قال : فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب قال : ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها ، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت : يا أبا طلحة أرأيت أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا قالت : احتسب ابنك قال : فغضب وقال : تركتيني ثم تلطخت ثم أخبرتيني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله لكما في غابر ليلتكما قال : فحملت " الحديث بطوله .
وفي رواية عبد الله " فقالت : يا أبا طلحة أرأيت قوما أعاروا متاعهم ثم بدا لهم فيه فأخذوه فكأنهم وجدوا في أنفسهم " زاد حماد في روايته عن ثابت " فأبوا أن يردوها فقال أبو طلحة : ليس لهم ذلك إن العارية مؤداة إلى أهلها ثم اتفقا فقالت : إن الله أعارنا فلانا ثم أخذه منا " زاد حماد " فاسترجع " .
قوله : " لعل الله أن يبارك لهما في ليلتهما " كذا هو في رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره " يبارك لكما في ليلتكما " وفي رواية أنس بن سيرين " اللهم بارك لهما " والكل دعاء لا تعارض فيه ، وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة " فولدت غلاما " وفي رواية عبد الله بن عبد الله " فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة " .
قوله : " قال سفيان " هو ابن عيينة المذكور في السند . قوله : " فقال رجل من الأنصار " هو عباية بن رفاعة ، وهو في رواية البيهقي في ( الدلائل ) وغيره من طريق سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة قال : " كانت أم أنس تحب أبا طلحة " فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت عن أنس ، وقال في آخره : " فولدت له غلاما قال عباية : فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن " .
قال بعضهم : أفادت هذه الرواية أن في رواية سفيان تجوزا في قوله : لهما لأن ظاهره أنه من ولدهما بغير واسطة ، وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة وهو عبد الله بن أبي طلحة . قلت : لا نسلم التجوز في رواية سفيان لأنه ما صرح في قوله : قال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن ، ولم يقل : رأيت منهما أو لهما تسعة أولاد . وقوله صلى الله عليه وسلم : " يبارك لهما " لا يستلزم أن يكون التسعة منهما .
فإن قلت : قد وقع في رواية عباية " سبع بنين " وفي رواية سفيان " تسعة أولاد " قلت : الظاهر أن المراد بالسبعة من ختم القرآن كله وبالتسعة من قرأ معظمه . فإن قلت : ذكر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب أن له من الولد إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعمارة وإبراهيم وعمير وزيد ومحمد ، وأربع من البنات . قلت : قول عباية : رأيت سبعة أو تسعة في رواية سفيان لا ينافي الزيادة ؛ لأنه ما أخبر إلا عمن رآه .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه عدم إظهار الحزن عند المصيبة وهو فقه الباب كما فعلت أم سليم ، فإنها اختارت الصبر وقهرت نفسها ، وفيه منقبة عظيمة لأم سليم بصبرها ورضائها بقضاء الله تعالى ، وفيه جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة لمن قدر عليها وأن ذلك مما ينال به العبد رفيع الدرجات وجزيل الأجر ، وفيه أن المرأة تتزين لزوجها تعرضا للجماع ، وفيه أن من ترك شيئا لله تعالى وآثر ما ندب إليه وحض عليه من جميل الصبر أنه يعوض خيرا مما فاته ، ألا ترى قوله : " فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن " . وفيه مشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها ، وشرط جوازها أن لا تبطل حقا لمسلم ، وفيه إجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم .