|
باب القيام للجنازة
أي : هذا باب في بيان القيام للجنازة إذا مرت به ولم يكن معها ، وإنما لم يشر إلى الحكم ؛ لأن فيه اختلافا على ما نذكره إن شاء الله تعالى . 65 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم . قال سفيان : قال الزهري : قال : أخبرني سالم عن أبيه قال : أخبرنا عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم . زاد الحميدي حتى تخلفكم أو توضع .
مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني سفيان بن عيينة . الثالث محمد بن مسلم الزهري . الرابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . الخامس أبوه عبد الله بن عمر . السادس عامر بن ربيعة بفتح الراء وكسر الباء الموحدة صاحب الهجرتين ، مر في كتاب تقصير الصلاة . السابع الحميدي بضم الحاء وفتح الميم ، واسمه عبد الله بن الزبير القرشي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، والإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن سفيان والحميدي مكيان والزهري وسالم مدنيان ، وفيه أن الحميدي أيضا من أفراده ، وفيه رواية تابعي عن تابعي ، ورواية صحابي عن صحابي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير جميعهم عن سفيان إلى آخره ، وعن قتيبة وعن محمد بن رمح كلاهما عن ليث ، وعن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب وعن أبي كامل الجحدري ، عن حماد بن زيد ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، عن ابن علية ، وعن أبي موسى عن ابن أبي عدي ، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق . وأخرجه أبو داود عن مسدد عن سفيان ، وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عامر بن ربيعة ، وعن قتيبة عن الليث ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة . وأخرجه النسائي عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عامر بن ربيعة . وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح ، عن الليث بن سعد ، عن نافع إلى آخره . وأخرجه الطحاوي أيضا من خمس طرق صحاح . [8/107] ( ذكر معناه ) . قوله : " حتى تخلفكم " بضم التاء وتشديد اللام أي : تتجاوزكم وتجعلكم خلفها ، وليس المراد التخصيص بكون الجنازة تتقدم ، بل المراد مفارقتها سواء تخلف القائم لها وراءها أو خلفها القائم وراءه وتقدم ، وهو من قولك : خلفت فلانا ورائي فتخلف عني أي : تأخر وهو بتشديد اللام ، وأما خلفت بتخفيف اللام فمعناه صرت خليفة عنه تقول : خلفت الرجل في أهله إذا أقمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعله وخلف الله لك بخير وأخلف عليك خيرا أي : أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه . والخلف بتحريك اللام والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أن بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر يقال : خلف صدق وخلف سوء قال الله تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ثم إسناد التخليف إلى الجنازة على سبيل المجاز ؛ لأن المراد حاملها . قوله : " زاد الحميدي " يعني عن سفيان بهذا الإسناد ، وقد رواه الحميدي موصولا في مسنده . قوله : " أو توضع " هذا روي بألفاظ مختلفة ففي رواية البخاري " حتى تخلفكم أو توضع " أي : أو توضع الجنازة من أعناق الرجال على الأرض . وفي رواية النسائي " حتى تخلفه أو توضع " وفي رواية للبخاري " حتى تخلفكم " فقط وفي رواية الطحاوي " حتى توضع أو تخلفكم " وقال عياض : وفي لفظ " حتى تخلف أو توضع " ثم هل المراد بالوضع الوضع على الأرض أو وضعها في اللحد اختلفت فيه الروايات ، فقال أبو داود في سننه عقيب حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الجنازة فقوموا ، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع " روى هذا الحديث الثوري عن سهل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال فيه : " حتى توضع بالأرض " ورواه أبو معاوية عن سهيل قال : " حتى توضع في اللحد " . قال أبو داود : وسفيان أحفظ من أبي معاوية . ( ذكر ما يستنبط منه ) احتج بهذا الحديث وأمثاله من حديث عثمان أخرجه الطحاوي من حديث أبان بن عثمان أنه مرت به جنازة ، فقام لها وقال : إن عثمان مرت به جنازة فقام لها وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام لها ، ورواه أحمد والبزار أيضا . ومن حديث أبي سعيد المذكور آنفا ، ومن حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا صلى أحدكم على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه ، فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع " أخرجه الطحاوي . وروى ابن ماجه من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فقام وقال : قوموا فإن للموت فزعا " . ومن حديث يزيد بن ثابت " أنهم كانوا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلعت جنازة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام من معه ، فلم يزالوا قياما حتى بعدت " رواه النسائي . ومن حديث عبد الله بن سخبرة أن أبا موسى أخبرهم " أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا مرت به جنازة قام حتى تجاوزه " . رواه ابن أبي شيبة وقوم على أن الجنازة إذا مرت بأحد يقوم لها ، وهم المسور بن مخرمة وقتادة ومحمد بن سيرين والشعبي والنخعي وإسحاق بن إبراهيم وعمرو بن ميمون ، وقال أبو عمر في التمهيد : جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة وقال بها جماعة من السلف والخلف ، ورأوها غير منسوخة وقالوا : لا يجلس من اتبع الجنازة حتى توضع عن أعناق الرجال ، منهم إسحاق والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري ، وذهب إلى ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وبه قال محمد بن الحسن . وقال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها ، ولمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع . قلت : أراد بالآخرين عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود ونافع وابن جبير وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأبا يوسف ومحمدا ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ومجاهد وأبي إسحاق ، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة ، قاله الحازمي وقال عياض : ومنهم من ذهب إلى التوسعة والتخيير وليس بشيء ، وهو قول أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية . وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه ، عن علي رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد " وعند ابن حبان في صحيحه " كان يأمرنا بالقيام في الجنائز ثم جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس " قال الحازمي : قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن : حدثنا أبو بكر الطبري ، حدثنا يحيى بن محمد البصري ، حدثنا أبو حذيفة ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي معمر قال : مرت بنا جنازة فقمت فقال : على من أفتاك هذا ؟ قلت : أبو موسى الأشعري فقال : على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة ، [8/108] فلما نسخ ذلك ونهى عنه " . انتهى . ثم اختلفوا في الأمر المذكور في الحديث فقيل للوجوب : وإن القيام للجنازة إذا مرت واجب ، وقيل : للندب والاستحباب وإليه ذهب ابن حزم ، وقيل : كان واجبا ثم نسخ على ما ذكرنا ، واختار النووي على أنه للاستحباب ، وإليه ذهب المتولي من الشافعية وقال النووي : والحديث ليس بمنسوخ ولا تصح دعوى النسخ في مثل هذا ؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر . قلت : ورد التصريح بالنسخ في حديث علي رضي الله تعالى عنه المذكور ، وتكلم الشافعي رضي الله تعالى عنه على حديث عامر بن ربيعة باحتمالات حكاه عنه البيهقي والحازمي فقال : وهذا لا يعدو أن يكون منسوخا وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قام لها لعلة ، وقد رواها بعض المحدثين أنها كانت جنازة يهودي فقام لها كراهة أن تطوله . قال : وأيهما كان فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله قال : والحجة في ذلك في الآخر من أمره إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ ، وإن كان الأول استحبابا فالآخر من أمره هو الاستحباب وإن كان مباحا فلا بأس بالقيام والقعود . قال : والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعله ثم الأمر بالقيام للجنازة في حديث الباب وغيره عام في جنازة المسلم وغيره من أهل الكتاب ، وقد ورد في حديث أبي موسى الأشعري التصريح بذلك فيما رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند والطحاوي من رواية ليث ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مرت بكم جنازة فإن كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا فقوموا لها ؛ فإنه ليس يقوم لها ولكن يقوم لمن معها من الملائكة " . وقال شيخنا زين الدين رحمه الله في حديث أبي موسى هذا : التخصيص بجنازة المسلم وأهل الكتاب ، والعلة المذكورة فيه تقتضي عدم تخصيصه بهم بل بجميع بني آدم وإن كانوا كفارا غير أهل كتاب ؛ لأن الملائكة مع كل نفس . واختلفت الأحاديث في تعليل القيام بجنازة اليهودي أو اليهودية ، ففي حديث جابر التعليل بقوله : " إن الموت فزع " وحديث جابر أخرجه البخاري على ما يأتي ، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا . وفي حديث سهل بن حنيف وقيس التعليل بكونها نفسا ، وحديثهما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي على ما يأتي . وفي حديث أنس " إنما قمنا للملائكة " أخرجه النسائي من رواية حماد بن سلمة ، عن قتادة " عن أنس أن جنازة مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فقيل : إنها جنازة يهودي فقال : إنما قمنا للملائكة " ورجاله رجال الصحيح . وفي حديث عبد الله بن عمرو " إنما يقومون إعظاما للذي يقبض الأرواح " أخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية ربيعة بن سيف المغافري ، عن أبي عبد الرحمن الجبلي " عن عبد الله بن عمرو قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها ؟ قال : نعم فقوموا لها ؛ فإنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض الأرواح " . وفي حديث الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه كره أن تعلو رأسه . أخرجه النسائي " فقال الحسن : مر بجنازة يهودي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقها جالسا فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام " وفي حديث رواه الطحاوي بإسناده عن الحسن وابن عباس أو عن أحدهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة يهودي فقام وقال : آذاني " نتنها " ويروى آذاني " ريحها " .
|