60 - حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطته ، قال : فغرف بيديه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت شيئا بعده .

مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الالتزام ، والحديث الماضي بطريق المطابقة ، وأحاديث الباب ثلاثة كلها عن أبي هريرة ، والحديث الثالث يدل على أنه لم يحدث بجميع محفوظه ، ودلالته على الترجمة بالمطابقة .
بيان رجاله :
وهم خمسة :
الأول : أحمد بن أبي بكر ، واسم أبي بكر القاسم ، وقيل : زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري العوفي ، قاضي المدينة وعالمها ، وهو أحد من حمل الموطأ ، عن مالك ، روى عنه الستة لكن النسائي بواسطة . وأخرج له مسلم حديث أبي هريرة " السفر قطعة من العذاب " فقط .
قال أبو حاتم : وأبو زرعة صدوق ، مات سنة [2/183] اثنتين وأربعين ومائتين ، عن اثنتين وتسعين سنة .
الثاني : محمد بن إبراهيم بن دينار المدني ، ويقال : الأنصاري ، كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ، فقيها فاضلا له بالعلم عناية .
قال البخاري : هو معروف بالحديث ، وقال أبو حاتم : ثقة ، روى له الجماعة .
الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة القرشي العامري المدني ، الثقة كبير الشأن ، وقال أحمد : كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكا كان أشد تنقية للرجال منه ، وأقدمه المهدي بغداد حتى حدث بها ، ثم رجع يريد المدينة ، فمات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة ، ولد سنة ثمانين .
الرابع : سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني .
الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .
بيان لطائف إسناده
منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن كلهم أئمة أجلاء .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :
أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن إبراهيم بن المنذر ، عن ابن أبي فديك . وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمد بن المثنى ، عن عثمان بن عمر ، كلاهما عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة .
بيان الإعراب والمعاني
قوله " قلت : يا رسول الله " ويروى : " قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، قوله " كثيرا " صفة لقوله " حديثا " ؛ لأنه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل .
قوله " أنساه " جملة في محل النصب ؛ لأنها صفة أخرى لقوله " حديثا " والنسيان جهل بعد العلم .
والفرق بينه وبين السهو أن النسيان زوال عن الحافظة والمدركة ، والسهو زوال عن الحافظة فقط ، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه ، والخطأ ما لا يتنبه به ، ويقال : المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب ، وإن كان لا على ما ينبغي ينظر ، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط وإن كان من غير قصد منه ، فإن كان يتنبه بأيسر تنبيه فهو السهو وإلا فهو الخطأ ، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلته عن الحفظ ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض .
قوله " قال " أي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : " ابسط رداءك " .
قوله " فبسطته " عطف على " ابسط " ، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف ، والذي يمنعه يقدر شيئا ، والتقدير لما قال : ابسط رداءك امتثلت أمره فبسطته ، فغرف ، أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه ؛ لأنه لم يكن إلا إشارة محضة .
قوله " ضمه " بالهاء رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " ضم " بلا هاء ، والضمير يرجع إلى الحديث ، يدل عليه ما روي في غير الصحيح " فغرف بيديه ، ثم قال : ضم .. " الحديث .
وفي بعض طرقه عند البخاري : " لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا ، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته ثم جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي " .
هذا ، وفي مسلم : " أيكم يبسط ثوبه فيأخذ ؟ " فذكره بمعناه ، ثم قال : " فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به " ، ففي قوله " بعد ذلك اليوم " دليل على العموم وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئا سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أن ذلك خاص بتلك المقالة كما يعطيه ظاهر قوله " من مقالته تلك " ويعضد العموم ما جاء في حديث أبي هريرة : " إنه شكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ينسى " ، ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان . قلت : تنكير شيئا بعد النفي يدل على العموم ؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه ، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره ، فإن قلت : قوله " فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا " يدل على تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط ، وقوله " فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به " يدل على تخصيص عدم النسيان بالحديث فقط . قلت : الجواب يفهم مما ذكرناه الآن ، وكيف لا وأبو هريرة استدل بذلك على كثرة محفوظه من الحديث ؟ ! فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها أو نقول : ويحتمل أن يكون قد وقعت له قضيتان إحداهما خاصة والأخرى عامة ، فإن قلت : ما هذه المقالة ؟ قلت : هي مبهمة في جميع طرق الحديث من رواية الزهري غير أنه صرح بها
في طريق أخرى عن أبي هريرة ، أخرجها أبو نعيم في الحلية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى ، فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة " .
وقال الشيخ قطب الدين : وقوله " وضمه " فيه ثلاث لغات في الميم الفتح والكسر والضم ، وقال بعضهم : لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده ، واختاره الفارسي ، وجوزه صاحب الفصيح [2/184] وغيره . قلت : مثل هذه الكلمة يجوز فيه أربعة أوجه من حيث قواعد الصرفيين :
الأول : ضم الميم تبعا للضاد .
والثاني : فتحها ؛ لأن الفتحة أخف الحركات .
والثالث : كسرها ؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر .
والرابع : فك الإدغام أعني اضمم . وقال بعضهم : ويجوز ضمها ، وقيل : يتعين لأجل ضمة الهاء . قلت : دعوى التعيين غير صحيحة ، ولا كون الضمة لأجل الهاء وإنما هو لأجل ضمة الضاد كما ذكرنا ، وقال : ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء . قلت : إن أراد بالإسكان في حالة الوقف فمسلم ، وإن أراد مطلقا فممنوع فافهم ؛ فإن مثل هذا لا يحققه إلا من أمعن في النظر في العلوم الآلية .
قوله " بعد " بضم الدال ؛ لأنه قطع من الإضافة فيبنى على الضم ، وفي بعض النسخ " بعده " أي بعد هذا الضم .
ومما يستفاد منه : معجزة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث رفع من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان ، حتى قيل : إنه مشتق منه ، وحصول هذا من بسط الرداء وضمه أيضا معجزة ؛ حيث جعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ، فأخذ غرفة منه ورماها في ردائه ، ومثل بذلك في عالم الحس .
حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا ابن أبي فديك بهذا ، أو قال : غرف بيده فيه .

ساق البخاري الحديث المذكور بهذا السند بعينه في علامات النبوة ، فقال : حدثني إبراهيم بن المنذر ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلت : " يا رسول الله ، إني سمعت منك حديثا كثيرا فأنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطت ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت حديثا بعد " .
والاختلاف بين الحديثين في بعض الألفاظ ، ففي الأول : " إني أسمع منك " ، وفي هذا " سمعت منك " وهناك " أنساه " وهاهنا : " فأنساه " بالفاء ، وهناك " فبسطته " وهنا " فبسطت " بدون ضمير المفعول ، وهناك " فغرف بيديه " وهاهنا " بيده " ، وهناك " فما نسيت شيئا " وهنا " فما نسيت حديثا " .
وفي رواية الأكثرين في حديث الباب : " فغرف " ، ووقع في رواية المستملي وحده يحذف ، وقال صاحب المطالع في باب حفظ العلم في رواية المستملي : قوله " ابسط رداءك " قول ابن أبي فديك ، وقال : يحذف فيه ، أي كأنه يرمي بيده في رداء أبي هريرة شيئا لما كان قبل ذلك فغرف بيده ، ثم قال : ضمه ، انتهى كلامه .
وادعى بعضهم أن هذا تصحيف ، ولم يقم عليه برهانا غير أنه قال : لما وضح من سياقه في علامات النبوة ، وقد رواه ابن سعد في الطبقات ، عن ابن أبي فديك ، فقال : فغرف ، وهذا ليس يقوم به دليل على ما لا يخفى ، ولو كان تصحيفا لنبه عليه صاحب المطالع .
وإبراهيم بن المنذر مر في أول كتاب العلم ، وابن أبي فديك هو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني ، وأبو فديك بضم الفاء وفتح الدال المهملة اسمه دينار ، مات سنة مائتين .
قوله " بهذا " أي بهذا الحديث ، قوله " قال " أي ابن أبي فديك : يحذف بيده إلى فيه ، من الحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة وبالفاء .
وفي العباب في فصل الحاء المهملة : حذفته بالعصا أي رميته ، وهو بين كل حاذف وقاذف ، فالحاذف بالعصا والقاذف بالحجر .
وقال الليث : الحذف الرمي عن جانب ، والضرب عن جانب ، وقال في فصل الخاء المعجمة : الخذف رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما ، تأخذه بين سبابتيك تخذف به . قلت : ومن هذا قال بعضهم : الحذف بالمهملة بالعصا والخذف بالمعجمة بالحصى .
وقال الكرماني : وقد وجد في بعض النسخ هاهنا : حدثنا إبراهيم بن المنذر .. إلخ ، ثم قال : والظاهر أن ابن أبي فديك يرويه أيضا عن ابن أبي ذئب ، فيتفق معه إلى آخر الإسناد الأول مع احتمال روايته عن غيره . قلت : هذا غفلة منه ، ولو اطلع على ما رواه البخاري في علامات النبوة لما تردد هاهنا ولجزم برواية ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب .