808 [12/71] ( 31 ) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرُ بِعَدُوٍّ
770 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ [12/72] [12/73] [12/74] [12/75] [12/76] مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ . وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ .
مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، فَنَحَرُوا الْهَدْيَ . وَحَلَقُوا رُؤوسَهُمْ . وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ . وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ . ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا يَعُودُوا لِشَيْءٍ .
771 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ : إنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ ، صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ .
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ . ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ . أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ .
ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ . فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا . وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ [12/77] وَأَهْدَى .
16834 - قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ . كَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ . فَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ .


[12/78] 16835 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْإِحْصَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهَا الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ ، وَبِالسُّلْطَانِ الْجَائِرِ ، وَمِنْهَا بِالْمَرَضِ .
16836 - وَأَصْلُ الْأَسْرِ فِي اللُّغَةِ : الْحَبْسُ ، وَالْمَنْعُ .
16837 - قَالَ الْخَلِيلُ ، وَغَيْرُهُ : حَصَرْتُ الرَّجُلَ حَصْرًا : مَنَعْتُهُ وَحَبَسْتُهُ .
16838 - قَالَ : وَأُحْصِرَ الرَّجُلُ عَنْ بُلُوغِ مَكَّةَ وَالْمَنَاسِكِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ .
16839 - هَكَذَا قَالُوا ، جَعَلُوا الْأَوَّلَ ثُلَاثِيًّا مِنْ حَصَرْتُ ، وَالثَّانِيَ رُبَاعِيًّا مِنْ أَحْصَرْتُ فِي الْمَرَضِ .
16840 - وَعَلَى هَذَا خَرَجَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ " ، وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا إِحْصَارَ الْعَدُوِّ .
16841 - وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : يقَالَ : أَحْصَرَ مِنْ عَدُوٍّ ، وَمِنَ الْمَرَضِ جَمِيعًا ، وَقَالُوا : حَصَرَ ، وَأَحْصَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْمَرَضِ وَالْعَدُوِّ ، وَمَعْنَى أَحْصَرَ : حَبَسَ .
1682 - وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا مِنَ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَ حَبْسُهُمْ وَمَنْعُهُمْ يَوْمَئِذٍ بِالْعَدُوِّ .
16843 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَنَّهُ يَحُلُّ مِنْ [12/79] إِحْرَامِهِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ سَاقَ هَدْيًا نَحَرَهُ ، فَقَدْ وَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ يحَلَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حِيلَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَرُورَةً ; فَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ فَرْضَ الْحَجِّ .
16844 - وَخَالَفَهُ فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ يَنْحَرُهُ [12/80] فِي الْمَكَانِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ ، وَيَحِلُّ وَيَنْصَرِفُ .
16845 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُحْصَرِ بَعَدُوٍّ أَنَّهُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُصِرَ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ هَدْيًا .
16846 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْهَدْيِ ، فَإِذَا نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ حَلَّ .
16847 - وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ .
16848 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِعَدُوٍّ " يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُبِسَ ، وَصُدَّ ، وَمُنِعَ فِي الْحِلِّ كَانَ أَوْ فِي الْحَرَمِ .
16849 - وَخَالَفَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدُ .
16850 - وَاخْتُلِفَ فِي نَحْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، هَلْ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوِ الْحَرَمِ ؟ .
16851 - فَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ : لَمْ يَنْحَرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدْيَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ .
16851 م - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ .
16852 - وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي وَغَيْرِهِمْ : لَمْ يَنْحَرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدْيَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا فِي الْحِلِّ .
16853 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
16854 - وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ ، قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مُجَمِّعِ [12/81] ابْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ نَحَرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا عَاصِفًا ; فَحَمَلَتْ شُعُورَهُمْ فَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ .
16855 - وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ حَلَقُوا بِالْحِلِّ .
16856 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ يَعْنِي حتى تَنْحَرُوا ، وَمَحِلُّهُ هَذَا نَحْرُهُ .
16857 - وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهُ فِي الْبَدَنِ : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَهَذَا لِمَنْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَكَّةُ كُلُّهَا وَمِنًى مَسْجِدٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا ، وَلَيْسَ الْبَيْتُ بِمَوْضِعِ النَّحْرِ .
16858 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَى الْمُحْصَرِ أَنْ يُقَدِّمَ الْهَدْيَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ .
[12/82] 16859 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ ، وَالْإِحْصَارُ بِعَدُوٍّ سَوَاءٌ . وَتَبْيِينُ مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
16860 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ .
16861 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
16862 - يُرِيدُونَ أَنَّ حَصْرَ الْعَدُوِّ لَا يُشْبِهُهُ حَصْرُ الْمَرَضِ وَلَا غَيرِهِ ; لِأَنَّهُ مَنْ حُصِرَ بِالْعَدُوِّ خَاصَّةً يَحِلُّ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا دُونَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ ، وَالْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
16863 - وَلَا قَضَاءَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ إِذَا فَاتَهُ مَا دَخَلَ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَبِخِلَافِ الْمَرِيضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَرُورَةً وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ؟ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .
16864 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَنَّهُمَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، يَنْحَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ ، وَيَحِلُّ يَوْمَ النَّحْرِ إِنْ شَاءَ ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ .
16865 - وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ .
16866 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَا يَتَحَلَّلُ دُونَ يَوْمِ النَّحْرِ .
[12/83] 16867 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ .
16868 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كَمَا لَوْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ فِي الْحِلِّ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَكِّيًّا فَيَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ .
16869 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : أَهْلُ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ كَأَهْلِ الْآفَاقِ .
16870 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْإِحْصَارُ بِعَدُوٍّ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ ; يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحِلُّ مَكَانَهُ .
16871 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أَتَى مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَلَا يَكُونُ مُحْصَرًا .
16872 - وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ ، وَيُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَهْدِيَ .
16873 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
16874 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكُونُ مُحْصَرًا .
16875 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .
16876 - وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلٌ آخَرُ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً .
16877 - وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ فَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا :
16878 - إِبَاحَةُ الْإِهْلَالِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَلِمَ نَفِذَ ، وَإِنْ مَنَعَهُ مَانِعٌ صَنَعَ مَا يَجِبُ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ مَسْأَلَةَ الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ .
[12/84] فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
16879 - وَفِيهِ رُكُوبُ الطَّرِيقِ فِي الْخَوْفِ ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ فِيهِ سَلَامَةُ الْمُهْجَةِ ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَخَفْ فِي الْفِتْنَةِ إِلَّا مَنْعَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ خَاصَّةً دُونَ الْقَتْلِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي فِتْنَتِهِمْ يَقْتُلُونَ مَنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ .
16880 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمُ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ - وَقَدْ كَانَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ - فَفِيهِ جَوَازُ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
16881 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، وَإِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ، وَفِي إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْحَجِّ وَفِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْعُمْرَةِ .
16882 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَنَّهُ جَائِزٌ ; وَيَكُونُ قَارِنًا ، وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ مَنْ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا .
16883 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِنْ أَكْمَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مَا لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
16884 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ الطَّوَافِ مَا لَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ .
[12/85] 16885 - وَهَذَا شُذُوذٌ لَا نَظَرَ فِيهِ ، وَلَا سَلَفَ لَهُ .
16886 - وَقَالَ أَشْهَبُ : مَتَى طَافَ لِعُمْرَتِهِ شَوْطًا وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا .
16887 - وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

16888 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِيمَنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ فِي الطَّوَافِ .
16889 - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعَدَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ لَزِمَهُ ، وَصَارَ قَارِنًا .
16890 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا قَبْلَ الْأَخْذِ بِالطَّوَافِ .
16891 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ قَارِنًا .
16892 - وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ عَطَاءٍ .
16893 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
16894 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : " ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ ، وَأَهْدَى " فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ طَوَافَ الدُّخُولِ إِذَا وَصَلَ بِالسَّعْيِ يَجْزِي عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ تَرَكَهُ جَاهِلًا أَوْ لِسُنَّةٍ وَلَمْ يُؤَدِّهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ . وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَ مَالِكٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
16895 - عَلَى أَنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِهِ ، عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ [12/86] الْإِفَاضَةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْوُقُوفِ بعَرَفَةَ قَبْلَ الْجَمْرَةِ أَوْ بَعْدَهَا .
16896 - وَهُوَ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ .
16897 - وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . وَأَنْكَرَ رِوَايَةَ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ .
16898 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لا يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، لِأَنَّ طَوَافَ قَبْلِ عَرَفَةَ سَاقِطٌ عَنِ الْمَكِّيِّ ، وَعَنِ الْمُرَاهِقِ .
16899 - وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ الَّذِي يُجْزِي عَنْ طَوَافِ الْقُدُومِ إِذَا وَصَلَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِلنَّاسِي وَالْجَاهِلِ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ . فَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا أَوْ مَكِّيًّا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ . وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .
16900 - وَهَذَا يَدُلُّكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَمِنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ الْمُفْتَرَضَ فِي الْحَجِّ طَوَافٌ وَاحِدٌ لَا غَيْرَ وَمَا سِوَاهُ سُنَّةٌ . إِلَّا أَنَّ حُكْمَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَسُنَّتِهِ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ النَّحْرِ مِمَّا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .
16901 - وَفِيمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي أَنَّ الْقَارِنَ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ .
16902 - وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَقَوْلِهَا [12/87] فِيهِ : " وَأَمَّا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
16903 - وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ : " وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى شَاةً " ، وَلَمْ يَقُلْهُ فِي " الْمُوَطَّأِ " يَحْيَى ، وَلَا ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَلَا أَبُو الْمُصْعَبِ .
16904 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا عَلَى الْقَارِنِ مِنَ الْهَدْيِ أَوِ الصِّيَامِ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْقَارِنَ أَوِ الْمُتَمَتِّعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيٌ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ . وَكَانَ يَقُولُ : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ : يُرِيدُ بَدَنَةً دُونَ بُدْنِهِ أَوْ بَقَرَةً مِنْ بَقَرِهِ ، وَهَذَا مِنْ مَذْهَبِهِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ مَحْفُوظٌ ، وَهُوَ يُرِيدُ رِوَايَةَ الْقَعْنَبِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، وَيَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَهْدَى شَاةً ) .
16905 - إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قَالُوا : شَاةٌ .
[12/88] 16906 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ .
16907 - وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي الْقَارِنِ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ ، هُوَ وَالْمُتَمَتِّعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ .
16908 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ الْقَارِنَ فِي ذَلِكَ شَاةٌ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ ، قَالَ : وَهُوَ أَخَفُّ شَأْنًا مِنَ الْمُتَمَتِّعِ .
16909 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُجْزِئُهُ شَاةٌ ، وَالْبَقَرَةُ أَفْضَلُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ عِنْدَهُمُ إِلَّا الدَّمُ عَنِ الْمُعْسِرِ ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ ، أَوْ رَمْيَ الْجِمَارِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُهَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ صِيَامٌ .
16910 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قِيَاسُ الْقَارِنِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ أَوْلَى ، وَأَقْرَبُ ، وَأَصْوَبُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ، أَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلدمِّ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقَارِنِ ، وَهُوَ سُقُوطُ السَّعْيِ عَنْهُ لِحَجِّهِ أَوْ لِعُمْرَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ .
16911 - وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ بِمَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا [12/89] النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِيَّ يُحَدِّثُ أَبِي مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ ، قَالَ : خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عَامَ حَاصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَهْلُ الشَّامِ بِمَكَّةَ وَبَعَثَ مَعِي رِجَالًا مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنَعُونِي أَنْ أَدْخُلَ الْحَرَمَ ، فَنَحَرْتُ الْهَدْيَ مَكَانِي ثُمَّ حَلَلْتُ ، ثُمَّ رَجْعتُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجْتُ لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَسَأَلْتُهُ ؟ فَقَالَ : أَبْدِلِ الْهَدْيَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبْدِلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ .
16912 - قَوْلُهُ : " خَرَجْتُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي " ، لَيْسَ فِيهِ قَوْلٌ غَيْرُ قَوْلِهِ ، وَالْخَبَرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ حُجَّةٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا قَالَ لَهُ : أَبْدِلِ الْهَدْيَ .
16913 - وَذَلِكَ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَأَشْهَبَ فِي إِيجَابِهِمَا الْهَدْيَ عَلَى الْمُحْصَرِ دُونَ الْقَضَاءِ .
16914 - وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ قَضَاءً لِتِلْكَ الْعُمْرَةِ قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ .
16915 - وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى وَعُمْرَةٌ " .
[12/90] 16916 - قَالُوا : وَكَذَلِكَ كَلُّ مَمْنُوعٍ مَحْبُوسٍ ، مَمْنُوعٍ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ بِعَدُوٍّ أَوْ بِغَيْرِ عَدُوٍّ ، يَحِلُّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى إِنْ كَانَ حَاجًّا أَوْ عُمْرَةٌ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا .
16917 - وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِعَدُوٍّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ قَدْ حَلَّ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، احْتَجَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ [12/91] فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ : إِنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ لِي وَلَكُمْ قَضَاءٌ عَنِ الْعُمْرَةِ الَّتِي صُدِدْنَا عَنْهَا وَحُصِرْنَا .
16918 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاضَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ .
16919 - وَقَوْلُهُمْ : عُمْرَةُ الْقَضَاءِ ، وَعُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ سَوَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وبَاللِّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
16920 - وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ رَجَاؤُهُ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَأَدْرَكَ الْحَجَّ أَنَّهُ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَيْأَسَ ، فَإِذَا يَئِسَ حَلَّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَ وَقَصَّرَ وَرَجَعَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَرُورَةً .
16921 - وَخَالَفَهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْقَضَاءَ .
16922 - وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ .