975 931 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ : عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ ، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ ، [14/13] فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ ، فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِيًّا وَتَعَفُّفًا ، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا فِي ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبْطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ " . وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ : " لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

19251 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُؤْجَرُ الْإِنْسَانُ فِي اكْتِسَابِهَا لِأَعْيَانِهَا ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ فِي اسْتِعْمَالِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ مِنَ الْفَضْلِ فِي عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهَا خَيْلٌ كُلُّهَا ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُ مُكْتَسِبِيهَا لِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ فِيهَا .
19252 - وَفِيهِ : أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكْتَبُ لِلْمَرْءِ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا سَبَبٌ وَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ فَضْلُ الْحَسَنَةِ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُكْمُ السَّيِّئَاتِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
[14/14] 19253 - يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَرَكَاتِ الْخَيْلِ وَتَقَلُّبَهَا وَرَعْيَهَا وَرَوَثَهَا فِي سَيِّئَاتِ الْمُفْتَخِرِ بِهَا ، كَمَا ذَكَرَهَا فِي حَسَنَاتِ الرَّابِطِ الَّذِي رَبَطَهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قَطَعَتْ حَبْلَهَا نَهَارًا ، فَأَفْسَدَتْ زَرْعًا ، أَوْ رَمَحَتْ فَقَتَلَتْ أَوْ جَنَتْ : أَنَّ صَاحِبَهَا بَرِيءٌ مِنَ الضَّمَانِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ .
19254 - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَ مُنْتَظِرًا الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَّلَاة .
19255 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ، وَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ سَبَبُ شُهُودِهَا .
19256 - وَكَذَلِكَ انْتِظَارُ الْعَدُوِّ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ ، فِيهِ إِرْصَادٌ لِلْعَدُوِّ ، وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الْمَوْضِعِ ، وَعِدَّةٌ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَسَبَبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ .
19257 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي " التَّمْهِيدِ " بِالشَّوَاهِدِ ، فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا قَابَلَهَا هُنَاكَ .
19258 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا مِنْ صِحَابِ كَنْزٍ . . . " . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْكَنْزِ .
[14/15] قَالَ : ثُمَّ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَيْلِ ؟ فَقَالَ : " الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَجَمَالٌ ، وَعَلَى آخَرَ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَهُوَ الَّذِي يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِمَرْجٍ ، فَأَكَلَتْ مِنْهُ فَمَا غَيَّبَتْهُ فِي بُطُونِهَا ، فَهُوَ لَهُ أَجْرٌ ، وَإِنْ مَرَّتْ بِنَهْرٍ ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، فَمَا شَرِبَتْ فِي بُطُونِهَا ، فَهُوَ لَهُ أَجْرٌ وَإِنِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا كَانَ لَهُ أَجْرٌ . . " . . حَتَّى ذَكَرَ أَرْوَاثَهَا وَأَبْوَالَهَا ، " وَأَمَّا الَّذِي لَهُ سِتْرٌ وَجَمَالٌ ، فَرَجُلٌ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا وَلَا سِيَّمَا مِنْ ظَهْرِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ، فَرَجُلٌ ، يَتَّخِذُهَا بَذَخًا وَأَشَرًا ، وَرِيَاءً أَوْ سُمْعَةً " .
ثُمَّ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحُمُرِ ؟ فَقَالَ : " مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ ، غَيْرَ الْآيَةِ الْفَاذَّةِ الْجَامِعَةِ : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .
19259 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ، فَالطِّيَلُ . وَهُوَ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ وَيُقَالُ فِيهِ : طِوَلٌ وَطِيَلٌ .
19260 - قَالَ طَرَفَةُ :
[14/16]
لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الْفَتَى
لَكَ الطِّيَلِ الْمُرْخَا وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ
19261 - وَقَدْ أَتَيْنَا مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى الطِّيَلِ بِكَثِيرٍ مِنَ الشِّعْرِ فِي " التَّمْهِيدِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
19262 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، فَإِنَّ الْاسْتِنَانَ أَنْ يَلِجَ الْفَرَسُ فِي عَدْوِهِ فِي إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ .
19263 - يُقَالُ مِنْهُ : جَاءَتِ الْإِبِلُ سَنَنًا أَيْ تَسْتَنُّ فِي عَدْوِهَا وَتُسْرِعُ .
19264 - وَمِنْهُ الْمَثَلُ الْقَائِلُ : " اسْتَنَّتِ الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَا " ، تُضْرَبُ [14/17] لِلرَّجُلِ الضَّعِيفِ يَرَى الْجُلَدَاءَ يَفْعَلُونَ شَيْئًا ، فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ .
19265 - قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ :
فَبَلَغْنَا صُنْعَهُ حَتَّى نَشَا
فَارِهَ الْبَالِ لَجُوجًا فِي السَّنَنِ
.
19266 - فَارِهَ الْبَالِ ، أَيْ : نَاعِمَ الْبَالِ .
19267 - وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ :
لَا تَأْسَيَنَّ عَلَى شَيْءٍ فَكُلُّ
فَتًى إِلَى مَنِيَّتِهِ يُسَنَّنُ فِي عُنْفِ
.
19268 - وَمِنْهَا شَوَاهِدُ غَيْرُهَا قَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي " التَّمْهِيدِ " .
19269 - وَالشَّرَفُ وَالشَّرَفَانِ : الْكُدْيَةُ وَالْكُدْيَتَانِ ، وَالْجَبَلُ الصَّغِيرُ الْمُعْتَدِلُ [14/18] وَالْجَبَلَانِ .
19270 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَغَنِّيًا ، فَيُرِيدُ اسْتِغْنَاءً يُقَالُ فِيهِ : تَغَنَّيْتُ تَغَنِّيًا ، وَتَغَانَيْتُ تَغَانِيًا ، وَاسْتَغْنَيْتُ اسْتِغْنَاءً وَشَوَاهِدُهُ بِالشِّعْرِ فِي " التَّمْهِيدِ " .
19271 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
19272 - ( أَحَدُهَا ) : حُسْنُ مَلَكَتِهَا ، وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهَا ، وَرُكُوبُهَا غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهَا ، وَخَصَّ الرِّقَابَ وَالظُّهُورَ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَعَارُ الرِّقَابُ فِي مَوْضِعِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَالْفُرُوضِ الْوَاجِبَةِ ، وَفِي مُعْظَمِ الشَّيْءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يُرِيدُ الْإِنْسَانَ كُلَّهُ .
[14/19] 19273 - وَكَمَا قَالَ كُثَيِّرٌ :
غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا
غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ
.
19274 - وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْعُنُقَ فِي مِثْلِ هَذَا كَالرَّقَبَةِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ " .
[14/20] 19275 - قَالَ : هَذَا لَمْ يُوجِبْ عَلَى مَالِكِ الْخَيْلِ فِيهَا شَيْئًا ، يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ لِعُمْرِهِ مِنْ مِسْكِينٍ أَوْ فَقِيرٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِمْ .
19276 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ لَا يَرَى فِي الْأَمْوَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
19277 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ ، فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ " .
19278 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَصَدَّقَ .
19279 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي " التَّمْهِيدِ " وَذَكَرْنَا فِي بَابِ الْكَنْزِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا هُوَ الشِّفَاءُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
19280 - وَقَدْ تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ الزَّكَاةُ ، كَمَا قَالَ : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ
[14/21] 19281 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَلَا يَنْسَى حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا " إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِفْقَارُ ظَهْرِهَا ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
19282 - وَإِلَى هَذَا وَنَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ فِيمَا أَحْسَبُ ؛ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : يُرِيدُ أن لا يَنْسَى يَتَصَدَّقُ لِلَّهِ تَعَالَى بِبَعْضِ مَا يَكْسِبُهُ عَلَيْهَا .
19283 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ قَالَ فِي الْمَالِ حُقُوقٌ سِوَى الزَّكَاةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
19284 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُ بِذَلِكَ فِي " التَّمْهِيدِ " .
19285 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَطَاءٍ ، فَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ : إِنَّ لِي إِبِلًا ، فَهَلْ عَلَيَّ فِيهَا حَقٌّ بَعْدَ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
19286 - وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ : قلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا خَيْرُ الْمَالِ ؟ قَالَ : " نِعْمَ الْمَالُ الْأَرْبَعُونَ وَالْأَكْثَرُ السِّتُّونَ ، وَوَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْمِئِينَ إِلَّا مَنْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ فِي رِسْلِهَا وَنَجْدَتِهَا ، وَأَفْقَرَ ظَهْرَهَا وَأَطْرَقَ فَحْلَهَا ، وَمَنَحَ [14/22] غَزِيرَتَهَا وَنَحَرَ سَمِينَهَا فَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ، وَذَكَرَ تَمَامَهَا .
19287 - وَقَدْ ذَكَرْنَا تَمَامَ الْخَبَرِ فِي " التَّمْهِيدِ " .
19288 - وَقَالَ آخَرُونَ : " وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا " : الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا .
19289 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِيهَا إِذَا كَانَتِ الْخَيْلُ سَائِمَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا يُطْلَبُ فَسْلُهَا .
19290 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ .
19291 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ : فَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ مَعْرُوفَانِ .
19292 - وَأَمَّا النِّوَاءُ فَمَصْدَرُ نَاوَأْتُ الْعَدُوَّ مُنَاوَأَةً ، وَنِوَاءً أَوْ هِيَ الْمُنَاوَأَةُ .
19293 - قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : أَصْلُهُ مِنْ نَاءَ إِلَيْكَ وَنُؤْتَ إِلَيْهِ أَيْ نَهَضَ إِلَيْكَ وَنَهَضْتَ إِلَيْهِ .
19294 - قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ :
[14/23]
بَلَّتْ قُتَيْبَةُ فِي النِّوَاءِ بِفَارِسٍ
لَا طَائِشٍ رَعِشٍ وَلَا وَقَّافِ
.
19295 - وَقَالَ أَعْشَى بَاهِلَةَ :
[14/24]
أَمَا يُصِبْكَ عَدُوٌّ فِي مُنَاوَأَةٍ يَوْمًا
فَقَدْ كُنْتَ تَسْتَعْلِي وَتَنْتَصِرُ
.
19296 - وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ :
[14/25]
إِذَا أَنْتَ نَاوَأْتَ الرِّجَالَ وَلَمْ تَنُؤْ
بِقَرْنَيْنِ غَرَّتْكَ الْقُرُونُ الْكَوَامِلُ
وَلَا يَسْتَوِي قَرْنُ النِّطَاحِ الَّذِي بِهِ
تَنُوءُ وَقَرْنٌ كُلَّمَا نُؤْتَ مَائِلُ
.
19297 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ، فَالْفَاذُّ هُوَ الشَّاذُّ وَيُقَالُ : فَاذَّةٌ وَفَذَّةٌ وَفَاذٌّ وَفَذٌّ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ . . . . . " .
19298 - وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ فِي عُمُومِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، لَا آيَةَ أَعَمُّ مِنْهَا .
19299 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي " التَّمْهِيدِ " .
19300 - وَقَوْلُهُ فِي الْحُمُرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ " .
[14/26] 19301 - وَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : إِذَا نَحَرْتَ حِمَارًا فَانْظُرْ كَيْفَ تَنْحَرُهُ .
19302 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْخَيْلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهَا مَا جَاءَ ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ : عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ .
19303 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُئِيَ صَبَاحًا وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ ، وَقَالَ : " إِنَّ جِبْرِيلَ عَاتَبَنِي اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ " .
19304 - أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ : قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، فَذَكَرَهُ .
19305 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ فِي الْخَيْلِ كَانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحُمُرِ : " لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ " .
19306 - فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَيْلِ كَانَ بِوَحْيٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : " إِنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ " ؟
19307 - وَرَوَى زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ :
[14/27] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ عَجْلَانَ بْنَ سَهْلٍ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَرْتَبِطْهُ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً ، كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً .
19308 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ :