1392 1354 - قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ .
30499 - قَالَ مَالِكٌ : وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا . فَيَقْتَدِي بِكَ غَيْرُكَ .


30500 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَفْسِيرُ الْعُلَمَاءِ لِمَعْنَى النَّجْشِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى [21/77] وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ فِيهِ ، بَلِ الْمَعْنَى فِيهِ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ .
30501 - قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ ، قَالَ : وَالنَّجْشُ خَدِيعَةٌ ، وَلَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدِّينِ ، وَهُوَ أَنْ يَحْضُرَ السِّلْعَةَ تُبَاعُ ، فَيُعْطِيَ بِهَا الشَّيْءَ ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا ; لِيَقْتَدِيَ بِهِ السُّوَّامُ ، فَيُعْطُوا بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا سَوْمَهُ .
30502 - وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِارْتِكَابِهِ مَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ ، وَعَقْدُ الشِّرَاءِ نَافِذٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ النَّجْشِ .
30503 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَحِلُّ النَّجْشُ ، وَفَسَّرُوهُ بِنَحْوِ مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
30504 - وَتَفْسِيرُ النَّجْشِ عَنْهُمْ فِي تَحْصِيلِ مَذَاهِبِهِمْ أَنْ يَدُسَّ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ; لِيُعْطِيَ فِي سِلْعَتِهِ الَّتِي عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ عَطَاءً هُوَ أَكْثَرُ مَنْ ثَمَنِهَا ، وَهُوَ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى شِرَائِهَا ، وَلَكِنْ لِيَغْتَرَّ بِهِ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَهَا ، فَيَرْغَبَ فِيهَا ، وَيَغْتَرَّ بِعَطَائِهِ ، فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا لِذَلِكَ ، أَوْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْبَائِعُ نَفْسُهُ ; لِيَغُرَّ النَّاسَ بِذَلِكَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ رَبُّهَا .
30505 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَاصٍ بِفِعْلِهِ .
30506 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَيْعِ عَلَى هَذَا إِذَا صَحَّ :
[21/78] 30507 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ النَّجْشُ فِي الْبَيْعِ ، فَمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنَجُوشَةٍ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا عَلِمَ ، وَهُوَ عَيْبٌ مِنَ الْعُيُوبِ .
30508 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي هَذَا لِمَالِكٍ ، وَمِنْ تَابَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ ، وَالتَّحْصِيلِ فِي الشَّاةِ ، وَالْبَقَرَةِ ، وَالنَّاقَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، إِذَا عَلِمَ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُحَفَّلَةً ، وَلَمْ يَقْضِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ .
30509 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّصْرِيَةَ غِشٌ وَخَدِيعَةٌ ، فَكَذَلِكَ النَّجْشُ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ ، وَيَكُونُ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قِيَاسًا ، وَنَظَرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
30510 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : بَيْعُ النَّجْشِ مَكْرُوهٌ ، وَالْبَيْعُ لَازِمٌ ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ، وَإِنَّمَا هِيَ خَدِيعَةٌ فِي الثَّمَنِ .
30511 - وَقَدْ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَحَفَّظَ وَيُحْضِرَ مَنْ يَمِيزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَمِيزُ .
30512 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ : الْبَيْعُ فِي النَّجْشِ مَفْسُوخٌ مَرْدُودٌ عَلَى بَائِعِهِ ; لِأَنَّهُ طَابَقَ النَّهْيَ فَفَسَدَ .
30513 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَاهِلًا ، أَوْ مُخْتَارًا فَسَدَ الْبَيْعُ إِنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ إِلَّا أَنْ يُحِبَّ الْمُشْتَرِي التَّمَسُّكَ بِالسِّلْعَةِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ ، فَإِنْ فَاتَتْ [21/79] فِي يَدِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ .
هَذَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ النَّاجِشُ ، وَلَوْ كَانَ بِأَمْرِهِ ، وَإِذْنِهِ ، أَوْ بِسَبَبِهِ .
30514 - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ أَجْنَبِيًّا لَا يُعْرَفُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ ، وَأَمَّا الْبَيْعُ ، فَهُوَ صَحِيحٌ .
.
30515 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ " ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ :
30516 - فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : تَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَهْلُ الْبَادِيَةِ ، وَأَهْلُ الْقُرَى .
30517 - وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ مِنْ أَهْلِ الرِّيفِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْبَيْعِ لَهُمْ بَأْسٌ مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ يَعْرِفُ السَّوْمَ ، إِلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُشْبِهُ أَهْلَ الْبَادِيَةِ ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَبِيعَ لَهُمْ حَاضِرٌ .
30518 - وَقَالَ فِي الْبَدَوِيِّ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ ، فَيَسْأَلُ الْحَاضِرَ عَنِ السِّعْرِ أَكْرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ .
30519 - قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ، إِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ ، وَأَمَّا مَا أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ ، فَلَا بَأْسَ .
30520 - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَلَا يَبِعْ مِصْرِيٌّ لِمَدَنِيٍّ ، وَلَا مَدَنِيٌّ لِمِصْرِيٍّ ، وَلَكِنْ يُشِيرُ عَلَيْهِ .
[21/80] 30521 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : لَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي ، وَلَا لِأَهْلِ الْقُرَى .
30522 - وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قُرَّةَ ; مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، قَالَ : قَلْتُ لِمَالِكٍ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ " مَا تَفْسِيرُهُ ؟
30523 - قَالَ : لَا يَبِعْ أَهْلُ الْقُرَى لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ سِلَعَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ بِعْتُ بِالسِّلْعَةِ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ، وَلَمْ يَقْدَمْ مَعَ سِلْعَتِهِ .
قَالَ : لَا يَنْبَغِي لَهُ ، قُلْتُ : وَمَنْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ ؟ قَالَ : أَهْلُ الْعَمُودِ ، قُلْتُ لَهُ : الْقُرَى الْمَسْكُونَةُ الَّتِي لَا يُفَارِقُهَا أَهْلُهَا يُقِيمُونَ فِيهَا تَكُونُ قُرًى صِغَارًا فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ ، فَيَقْدَمُ بَعْضُ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى الصِّغَارِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالسِّلْعَةِ ، فَيَبِيعُهُمَا لَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ أَهْلُ الْعَمُودِ .
30524 - وَرَوَى أَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي أَنَّهُ يُفْسَخُ .
30525 - وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ ، قَالَ : وَإِنْ فَاتَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
30526 - وَرَوَى سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُمْضِي الْبَيْعَ .
30527 - قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَالَ لِي غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَرُدُّ الْبَيْعَ .
30528 - وَرَوَى زُونَانُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ ، عَالِمًا كَانَ بِالنَّهْيِ عَنْ [21/81] ذَلِكَ ، أَوْ جَاهِلًا .
30529 - وَرَوَى عِيسَى ، وَسَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ الْحَاضِرُ إِذَا بَاعَ لِلْبَادِي .
30530 - زَادَ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ إِنْ كَانَ مُعْتَادًا لِذَلِكَ .
30531 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي .
30532 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي شِرَائِهِ لَهُ ، فَمَرَّةً قَالَ : لَا يَشْتَرِي لَهُ ، وَلَا يُشِيرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَبِيعُهُ .
30533 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ .
30534 - قَالَ : الشِّرَاءُ لِلْبَادِي مِثْلُ الْبَيْعِ .
30535 - قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ " ، أَيْ لَا يَشْتَرِي عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَلَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ .
30536 - قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْبَدَوِيِّ ، وَلَا يَبِيعَ لَهُ ، وَلَا أَنْ يَبْعَثَ الْحَضَرِيُّ لِلْبَدَوِيِّ مَتَاعًا ، فَيَبِيعَهُ لَهُ ، وَلَا يُشِيرَهُ فِي الْبَيْعِ إِنْ قَدِمَ عَلَيْهِ .
30537 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالسِّعْرِ .
[21/82] 30538 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي .
30539 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ .
30540 - قَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ " .
30541 - وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سَبْعٌ " ، فَذَكَرَ مِنْهَا أَنْ يَنْصَحَ لَهُ .
30542 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَإِنْ بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَهُوَ عَاصٍ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ ، وَيَجُوزُ الْبَيْعُ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " .
[21/83] 30543 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ عَامٌّ ، " وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ " خَاصٌّ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ الْخُصُوصَ اسْتِثْنَاءٌ ، كَمَا قَالَ : " الدِّينُ النَّصِيحَةُ " حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْصَحَ أَخَاهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ " ، لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثَانِ يُسْتَعْمَلُ الْعَامُّ مِنْهُمَا فِي مَا عَدَا الْمَخْصُوصَ .
30544 - وَمَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْحَاضِرَةِ .
30545 - وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ .
30546 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَى عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ أَنَّهُ فِي صَاحِبِ السِّلْعَةِ الْجَالِبِ لَهَا إِلَى الْمِصْرِ أَلَّا يَخْدَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى السُّوقِ .
30547 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، ذَرُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " .
30548 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِالْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ [21/84] " فِي التَّمْهِيدِ " .
30549 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ فِي زَمَانِهِ ، أَرَادَ أَنْ يُصِيبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .
30550 - قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ .
30551 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْخَيَّاطِ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَنْهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ .
30552 - قَالَ مُسْلِمٌ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ .
30553 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ : " لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ ، وَالْغَنَمَ " ، فَهُوَ مَنْ صَرَّيْتُ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ ، وَالْمَاءَ فِي الْحَوْضِ ، فَالشَّاةُ مُصَرَّاةٌ .
30554 - وَكَذَلِكَ النَّاقَةُ ، وَهِيَ الْمُحَفَّلَةُ ، سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً ; لِأَنَّ اللَّبَنَ صُرِّيَ فِي ضَرْعِهَا أَيَّامًا حَتَّى اجْتَمَعَ ، وَكَثُرَ .
[21/85] 30555 - وَمَعْنَى صَرَّى حَبَسَ ، وَجَمَعَ ، وَلَمْ يَحْلُبْ حَتَّى عَظُمَ ضَرْعُهَا ; لِيَظُنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ لَبَنُ لَيْلَةٍ ، وَنَحْوِهَا ، فَيَغْتَرَّ بِمَا يَرَى مِنْ عِظَمِ ضَرْعِهَا .
30556 - وَقِيلَ لِلْمُصَرَّاةِ مُحَفَّلَةٌ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ اجْتَمَعَ فِي ضَرْعِهَا ، فَصَارَتْ حَافِلَةً .
وَالْحَافِلُ : الْكَثِيرَةُ اللَّبَنِ الْعَظِيمَةُ الضَّرْعِ ، وَمِنْهُ قِيلَ : مَجْلِسٌ حَافِلٌ إِذَا كَثُرَ فِيهِ الْقَوْمُ .
30557 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُقْرِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : وَأَشْهَدُ عَلَى الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خِلَابَةٌ ، وَلَا تَحِلُّ خِلَابَةُ الْمُسْلِمِ " .
30558 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَوَى : لَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ ، وَلَا الْغَنَمَ ، فَقَدْ أَخْطَأَ ، [21/86] وَلَوْ كَانَتْ تَصُرُّوا لَكَانَتْ مَصْرُورَةً ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ .
30559 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ ، وَالْغَنَمَ ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " ; فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ ، وَاسْتَعْمَلَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ .
30560 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ .
30561 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ .
30562 - ذَكَرَ أَسَدٌ ، وَسَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا قَالَا لَهُ : أَيَأْخُذُ مَالِكٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
[21/87] 30563 - قَالَ مَالِكٌ : أَوَفِي الْأَخْذِ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ ؟ !
30564 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَنَا آخُذُ بِهِ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي : أَرَى لِأَهْلِ الْبُلْدَانِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ هَذَا أَنْ يُعْطُوا الصَّاعَ مِنْ عَيْشِهِمْ .
30565 - قَالَ : وَأَهْلُ مِصْرَ عَيْشُهُمُ الْحِنْطَةُ .
30566 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، وَأَتَوْا بِأَشْيَاءَ لَا يَصِحُّ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى .
30567 - وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ نَحْوَ ذَلِكَ .
30568 - ذَكَرَ الْقَعْنَبِيُّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنِ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " .
30569 - وَقَالَ : سَمِعْتُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ ، وَلَا الْمُوَطَّإِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَهُ اللَّبَنُ بِمَا أَعْلَفَ ، وَضَمِنَ ، قِيلَ لَهُ : نَرَاكَ تُضَعِّفُ الْحَدِيثَ ، قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ مَوْضِعُهُ ، وَلَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ ، وَلَا الثَّابِتِ ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ .
30570 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ رِوَايَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا عَنْ مَالِكٍ ، وَمَا رَوَاهَا عَنْهُ إِلَّا ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ اخْتِلَافٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ .

[21/88] 30571 - وَهُوَ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِشِّ ، وَالدُّلْسَةِ بِالْعُيُوبِ ، وَأَصْلٌ أَيْضًا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِمَنْ وَجَدَ فِيمَا يَشْتَرِيهِ مِنَ السِّلَعِ .
30572 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَعِيبِ بَيْعٌ يَقَعُ صَحِيحًا بِدَلِيلِ التَّخْيِيرِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ رَضِيَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ جَازَ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ بَيْعُ الْمَعِيبِ فَاسِدًا ، أَوْ حَرَامًا ، لَمْ يَصِحَّ الرِّضَا بِهِ .
30573 - وَهَذَا أَصْلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا سَائِرُ مَا فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ .
30574 - أَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْهُمْ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، فَقَدِ اسْتَعْمَلُوهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَعُمُومِهِ ، وَظَاهِرِهِ ، وَقَالُوا : إِذَا بَانَ لَهُ - أَيْ مُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ - إِذَا بَانَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ مُحَفَّلَةٌ رَدَّهَا فِي الثَّلَاثِ أَوْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ .
30575 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَيُّمَا رَجُلٍ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً ، فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَحَبَّهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ أَسْخَطَهَا رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " .
[21/89] 30576 - هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ بَيْعَ الْمُصَرَّاةِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .
30577 - وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْخِيَارِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِهَذَا الْخَبَرِ .
30578 - قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً ، فَاحْتَلَبَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنَّ سَخِطَهَا لِاخْتِلَافِ لَبَنِهَا رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ قُوتِ ذَلِكَ الْبَلَدِ تَمْرًا كَانَ ، أَوْ بُرًّا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .
30579 - وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ .
30580 - وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : إِنْ عَلِمَ مُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ ، فَرَدَّهَا قَبْلَ أَنْ يَحْلُبَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلُبِ اللَّبَنَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ يَلْزَمُ غُرْمُ الصَّاعِ .
30581 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَقِفْ عَلَيْهِ .
30582 - قَالَ عِيسَى : وَلَوْ حَلَبَهَا مَرَّةً ، ثُمَّ حَلَبَهَا ثَانِيَةً ، فَنَقَصَ لَبَنُهَا رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لِحَلْبَتِهِ الْأُولَى ، وَلَوْ جَاءَ بِاللَّبَنِ بِعَيْنِهِ كَمَا حَلَبَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَزِمَهُ غُرْمُ الصَّاعِ ; لِأَنَّ الصَّاعَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ لَبَنًا ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى .
[21/90] 30583 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُصَرَّاةِ : يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا يَرُدُّ غَيْرَ التَّمْرِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا .
30584 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .
30585 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَيَحْيَى عَلَى أُصُولِهِمْ أَنَّ التَّمْرَ إِذَا عُدِمَ وَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ ، لَا قِيمَةِ اللَّبَنِ .
30586 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يُعْطِي مَعَ الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ إِذَا رَدَّهَا قِيمَةَ اللَّبَنِ .
30587 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَرُدُّ إِلَّا التَّمْرَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قال : حدثني ابن حمدان ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا سَمْرَاءَ " .
30588 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادٌ ، عَنْ [21/91] أَيُّوبَ ، وَهِشَامٌ ، وَحَبِيبٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : " مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ " .
30589 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : " وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، لَا سَمْرَاءَ " .
30590 - وَالسَّمْرَاءُ عِنْدَهُمُ الْبُرُّ ، يَقُولُ : تَمْرٌ ، لَا بُرٌّ .
30591 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ; " فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُبْتَاعَ الْمُصَرَّاةِ إِذَا حَلَبَهَا مَرَّةً ، وَثَانِيَةً بَعْدَ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ ; لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ مُصَرَّاةً ، لَمْ يَكُنْ فِي حَلْبَتِهِ الثَّالِثَةِ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِهِ إِذَا قَامَ طَالِبًا لِرَدِّهَا بِمَا قَامَ لَهُ مِنْ تَصْرِيَتِهَا ، فَلَوْ حَلَبَهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ كَانَ مِنْهُ رِضًى بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا .
30592 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحَلْبَةَ الثَّالِثَةَ رِضًا مِنْهُ بِهَا .
30593 - وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ . وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ .
3594 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ لَمَّا كَانَ لَبَنُهَا مَغِيبًا لَا يُوقَفُ عَلَى مَبْلَغِهِ لِاخْتِلَاطِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِهِ ، وَجَهِلَ مِقْدَارَهُ ، وَأَمْكَنَ التَّدَاعِي فِي قِيمَةِ قَطْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّهُ فِيهِ مِنَ الصَّاعِ الْمَذْكُورِ ، كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دِيَةِ الْجَنِينِ قَطَعَ فِيهِ بِالْغُرَّةِ حَسْمًا لِتَدَاعِي الْمَوْتِ فِيهِ وَالْحَيَاةِ ; لِأَنَّ الْجَنِينَ لَمَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي حِينِ [21/92] ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ ، فَتَكُونَ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّنَازُعَ فِيهِ وَالْخِصَامَ ، بِأَنْ جَعَلَ فِيهِ غُرَّةَ عَبْدٍ ، أَوْ أَمَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا رَمَتْهُ مَيِّتًا .
30595 - وَفِي اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْجَنِينِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ ، وَتَسْلِيمًا لَهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
30596 - - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ ، وَالْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ .
30597 - قَالُوا : وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّبَنَ الْمَحْلُوبَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى - وَهُوَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ ، وَقَدْ خَالَطَهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّبَنِ الْحَادِثِ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ .
30598 - - وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَبَهَا ثَالِثَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، غَلَّةٌ طَارِئَةٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَكَيْفَ يَرُدُّ لَهُ شَيْئًا ؟
30599 - - قَالُوا : وَالْأُصُولُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَهْلَكَاتِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالْمِثْلِ ، أَوْ بِالْقِيمَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي ضَمَانِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ الَّذِي حَلَبَهُ الْمُشْتَرِي فِي أَوَّلِ حَلْبَةٍ ، وَهُوَ مِلْكُ الْبَائِعِ فِي حِينِ الْبَيْعِ ، لَمْ يُضْمَنْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ لَمْ يَفُتْ ، وَهُوَ مِمَّا قَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ ، كَمَا [21/93] وَقَعَتْ عَلَى الْمُصَرَّاةِ نَفْسِهَا .
30600 - وَقَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُصَرَّاةِ مَنْسُوخٌ كَمَا نُسِخَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي غَرَامَةِ مِثْلَيِ الشَّيْءِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ الَّتِي لَا قَطْعَ فِيهَا غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ نَسَخَهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ .
30601 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " مَنْسُوخٌ أَيْضًا بِتَحْرِيمِ الرِّبَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ رِبًا ، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وجَعَلَ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ طَعَامًا طَعَامًا مِثْلَهُ ، قَالَ : فَإِنْ فَاتَ ، فَقِيمَتُهُ ذَهَبًا ، أَوْ وَرِقًا .
30602 - قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ مَنْسُوخٌ .
30603 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ ، لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ لَمَّا اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِئِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْدِيرُ مَا لِلْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ ; لِأَنَّ تَقْوِيمَ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنَ اللَّبَنِ ، وَكَانَا جَمِيعًا عَاجِزَيْنِ عَنْ تَحْدِيدِهِ حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَائِعِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ الْغَالِبَ فِي قُوتِهِمْ يَوْمَئِذٍ .
30604 - وَفِي الْأُصُولِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِثْلُ حُكْمِهِ فِي الْجَنِينِ ، وَفِي الْأَصَابِعِ ، [21/94] وَالْأَسْنَانِ ، جَعَلَ الصَّغِيرَ مِنْهَا كَالْكَبِيرِ .
30605 - وَكَذَلِكَ الْمُوضِحَةُ ، حَكَمَ فِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّةِ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْجَمَالِ ، وَالْمَنْفَعَةِ .
30606 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ الْمُزَنِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا ، فَاسْتَغَلَّهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ ، فَخَاصَمَ فِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَضَى لَهُ بِرَدِّهِ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّهُ قَدْ أَخَذَ خَرَاجَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ " .
30607 - هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ .
30608 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنَّهُ قَدِ اسْتَغَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ " .
30609 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، [21/95] قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : " الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ " .
30610 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ إِذَا رَدَّهَا مُشْتَرِيهَا بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ ، أَوْ بِعَيْبٍ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ ، لَمْ يَرُدَّ اللَّبَنَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ غَلَّةٌ طَرَأَتْ فِي مِلْكِهِ ، وَكَانَ ضَامِنًا لِأَصْلِهَا ، وَلَمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَبَنِ التَّصْرِيَةِ . الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ مَعَ الشَّاةِ ، أَوِ النَّاقَةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لَيْسَ بِقِيمَةٍ .
30611 - وَلَمَّا كَانَ لَبَنُ الشَّاةِ يَخْتَلِفُ ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ الْبَقَرَةِ ، وَالنَّاقَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ : كَيْفَ كَانَتْ إِلَّا الصَّاعَ الْمَذْكُورَ ، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ قَطْعِ شِعْبِ الْخُصُومَةِ ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ .
30612 - وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ فِي لَبَنِ شَاةٍ غُرَّةٌ ، أَوْ بَقَرَاتٍ غُرَّةٌ ، أَوْ نُوقٍ غُرَّةٌ إِلَّا الصَّاعَ عِبَادَةً ، وَتَسْلِيمًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ سَائِرِ الْبُيُوعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
30613 - وَيَشْهَدُ لِمَا وَصَفْنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ ، وَلَا الْغَنَمَ ، فَمَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً - يَعْنِي مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى شَاةً مُصَرَّاةً ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، [21/96] وَأَبُو دَاوُدَ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنَّ سَخِطَهَا رَدَّهَا ، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " ، فَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْغَنَمِ الْمُصَرَّاةِ إِلَّا مَا جَعَلَ فِي الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ ، وَلَمْ يَخُصَّ الْمُصَرَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ ، وَلَا الْبَقَرِ ، وَلَا الْإِبِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، وَيَتَبَايَنُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .