باب التعوذ من عذاب القبر

أي هذا باب في بيان التعوذ من عذاب القبر وكيفية التعوذ ، وإلا فأحاديث هذا الباب داخلة في الحقيقة في الباب الذي قبله .
129 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا شعبة قال : حدثني عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، عن البراء بن عازب ، عن أبي أيوب - رضي الله عنهم - قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وجبت الشمس ، فسمع صوتا فقال : يهود تعذب في قبورها .

قيل : لا مطابقة بين هذا الحديث والترجمة ؛ لأن الحديث في بيان ثبوت عذاب القبر والترجمة في التعوذ منه ، حتى قال بعضهم : إنما أدخله في هذا الباب بعض من نسخ الكتاب ولم يميز . قلت : قال الكرماني : العادة قاضية بأن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوذ من مثله ، أو تركه اختصارا .
( ذكر رجاله ) : وهم سبعة ؛ الأول : محمد بن المثنى بن عبيد ، يعرف بالزمن العنبري . الثاني : يحيى بن سعيد القطان . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : عون بن أبي جحيفة - بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء - وقد مر في باب الصلاة في الثوب الأحمر . الخامس : أبوه أبو جحيفة الصحابي ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي . السادس : البراء بن عازب . السابع : أبو أيوب الأنصاري ، واسمه خالد بن زيد .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بصري ويحيى كوفي وشعبة واسطي وعون كوفي والثلاثة الباقية صحابيون يروي بعضهم عن بعض .
( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في صفة أهل النار عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع ، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه ، وعن أبي موسى وبندار ؛ ثلاثتهم عن يحيى . وأخرجه النسائي في الجنائز عن أبي قدامة عن يحيى .
( ذكر معناه ) : قوله ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم ) ؛ أي من المدينة إلى خارجها .
قوله ( وقد وجبت الشمس ) جملة حالية ، وقد علم أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالا فلا بد من لفظة " قد " صريحة أو مقدرة ، ومعنى " وجبت " سقطت " ، والمراد أنها غربت .
قوله ( فسمع صوتا ) يحتمل أن يكون صوت ملائكة العذاب أو صوت اليهود المعذبين أو صوت وقع العذاب ، وقد وقع عند الطبراني أنه صوت اليهود ، رواه من طريق عبد الجبار بن العباس عن عون بهذا السند ، ولفظه : خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء ، فانطلق لحاجته ، حتى جاء فوضأته ، فقال : ألم تسمع ما أسمع ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم . وقال الكرماني : صوت الميت من العذاب يسمعه غير الثقلين ، فكيف سمع ذلك ؟ ثم أجاب بقوله : هو في الضجة المخصوصة وهذا غيرها ، أو سماع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل المعجزة .
[8/207] قوله ( يهود تعذب ) ، وارتفاع " يهود " على الابتداء وخبره " تعذب " ، وهو علم للقبيلة وقد يدخل فيه الألف واللام ، وقال الجوهري : أرادوا باليهود الهوديين ولكنهم حذفوا ياء الإضافة ، كما قالوا زنجي وزنج ، وإنما عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعيرة وشعير ، ثم عرف الجمع بالألف واللام ، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام عليه لأنه معرفة مؤنث فجرى في كلامهم مجرى القبيلة ولم يجعل كالحي . وقال بعضهم : " يهود " خبر مبتدأ ؛ أي : هذه يهود . قلت : كأنه ظن أنه نكرة ، فلذلك قال : هو خبر مبتدأ ، وقد قلنا إنه علم ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث وهودهم اليهود .
( وقال النضر : أخبرنا شعبة قال : حدثنا عون قال : سمعت أبي ، سمعت البراء ، عن أبي أيوب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ) .

النضر - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - ابن شميل مر في باب حمل العنزة في الاستنجاء ، وساق البخاري هذا الطريق تنبيها على أنه متصل بالسماع والطريق الأول بالعنعنة وهو من المتابعة المعلقة ليحيى بن سعيد ، ووصله الإسماعيلي قال : حدثنا مكي ، حدثنا زاج ، حدثنا النضر ، حدثنا شعبة . . . إلى آخره .