11 - ( حدثنا علي سمع هشيما قال : أخبرنا حصين ، عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة ، فإذا أنا بأبي ذر - رضي الله عنه - فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : نزلت فينا وفيهم ، فكان بيني وبينه في ذاك ، وكتب إلى عثمان - رضي الله عنه - يشكوني ، فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة ، فقدمتها ، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذاك لعثمان ، فقال لي : إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت ) .

مطابقته للترجمة من حيث إنها فيما أدى زكاته فليس بكنز ، ومفهوم الآية كذلك : إذا أدى زكاة الذهب والفضة لا يكون ما ملكه كنزا ، فلا يستحق الوعيد الذي يستحقه من يكنزه ولا يؤدي زكاته .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : علي بغير نسبة ، اختلف فيه فقيل : هو علي بن أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ بكسر الطاء المهملة وسكون الباء الموحدة [8/262] وفي آخره خاء معجمة ، قال الجياني : نسبه أبو ذر ، عن المستملي ، فقال علي بن أبي هاشم . وقيل : هو أبو الحسن علي بن مسلم بن سعيد الطوسي ، نزيل بغداد ، وقال بعضهم : وقع في أطراف المزي ، عن علي بن عبد الله المديني ، وهو خطأ .
( قلت ) : هذه مجازفة في تخطئة مثل هذا الحافظ ، وقد قال الكلاباذي وابن طاهر : هو ابن المديني ، ذكره الطرقي . الثاني : هشيم بالتصغير ابن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن القاسم بن دينار . الثالث : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتيين عبد الرحمن السلمي ، يكنى أبا الهذيل ، مر في أواخر كتاب مواقيت الصلاة . الرابع : زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الجهني . الخامس : أبو ذر جندب بن جنادة .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد .
وفيه : السماع .
وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد .
وفيه : العنعنة في موضع واحد .
وفيه : القول سؤالا وجوابا .
وفيه : أن شيخه غير مذكور بنسبته ، فإما بغدادي إن كان هو علي بن أبي هاشم ، وإما طوسي إن كان علي بن مسلم ، وإما مدني إن كان علي بن المديني .
وفيه : سمع هشيما ، وهو بالألف ، وفي بعض النسخ : هشيم بدون الألف ، وهو اللغة الربيعية ، حيث يقفون على المنصوب المنون بالسكون ، فلا يحتاج الكاتب بلغتهم إلى الألف ، وهشيم واسطي ، وأصله من بلخ ، وحصين كوفي ، وزيد بن وهب من التابعين الكبار المخضرمين من قضاعة ، وهو أيضا كوفي .
وفيه : رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابي
.
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن قتيبة ، عن جرير ، وأخرجه النسائي في التفسير ، عن محمد بن زنبور ، عن محمد بن فضيل .
( ذكر معناه ) : قوله : " بالربذة " بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة : موضع على ثلاثة مراحل من المدينة ، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - حماها لإبل الصدقة ، وقال السمعاني : هي قرية من قرى المدينة ، وقال الحازمي : من منازل الحاج بين السليلة والعمق ، قوله : " فإذا أنا بأبي ذر " كلمة إذا للمفاجأة ، والباء في أبي ذر للمصاحبة ، قوله : " كنت بالشام " ، أي : بدمشق ، قوله : " نزلت في أهل الكتاب " .
وفي رواية جرير : " ما هذه فينا " قوله : " فكان بيني وبينه في ذلك " ، أي : كان نزاع بيني وبين معاوية فيمن نزل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الآية ، فمعاوية نظر إلى سياق الآية ، فإنها نزلت في الأحبار والرهبان الذين لا يؤتون الزكاة ، وأبو ذر - رضي الله تعالى عنه - نظر إلى عموم الآية ، وإن من لا يرى أداءها مع أنه يرى وجوبها يلحقه هذا الوعيد الشديد ، وكان معاوية في ذلك الوقت عامل عثمان على دمشق ، وقد بين سبب سكنى أبي ذر بدمشق ما رواه أبو يعلى من طرق أخرى ، عن زيد بن وهب ، حدثني أبو ذر قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " إذا بلغ البناء " ، أي : بالمدينة " سلعا فارتحل إلى الشام ، فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام فكنت بها " فذكر الحديث نحوه ، وروى أبو يعلى أيضا بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عباس قال : استأذن أبو ذر على عثمان ، فقال إنه يؤذينا ، فلما دخل قال له عثمان : أنت الذي تزعم أنك خير من أبي بكر ، قال : لا ، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه وأنا باق على عهده ، قال : فأمره أن يلحق بالشام فكان يحدثهم ، ويقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله ، أو يعده لغريم ، فكتب معاوية إلى عثمان إن كان لك بالشام حاجة ، فابعث إلى أبي ذر ، فكتب إليه عثمان أن أقدم علي فقدم " ، وقال ابن بطال : إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر ؛ لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له ، وكان في جيشه ميل إلى أبي ذر ، فأقدمه عثمان خشية الفتنة ؛ لأنه كان رجلا لا يخاف في الله لومة لائم ، وقال المهلب : وكان هذا من توقير معاوية له إذ كتب فيه إلى السلطان الأعظم ؛ لأنه متى أخرجه كانت وصمة عليه قوله : " أن أقدم " بفتح الدال المهملة ، وبلفظ المضارع وبلفظ الأمر ، قوله : " فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني " .
وفي رواية الطبري : " أنهم كثروا عليه يسألونه ، عن سبب خروجه من الشام ، قال : فخشي عثمان على أهل المدينة خشية معاوية على أهل الشام ، وقال ابن بطال : ولما قدم أبو ذر المدينة اجتمع عليه الناس يسألونه عن القصة وما جرى بينه وبين معاوية ، فلما رأى أبو ذر ذلك ، خاف أن يعاتبه عثمان في ذلك ، فذكر له كثرة الناس وتعجبهم من حاله ، كأنهم لم يروه قط ، فقال له عثمان : إن كنت تخشى وقوع فتنة ، فاسكن مكانا قريبا من المدينة ، فنزل الربذة ، وهو معنى [8/263] قوله : " إن شئت تنحيت من التنحي ، وهو التباعد .
وفي رواية الطبري : " فقال له تنح قريبا ، قال : والله لن أدع ما كنت أقوله " .
وفي رواية ابن مردويه من طريق ورقاء ، عن حصين بلفظ : " فوالله لا أدع ما قلت " .
قوله : " ولو أمروا علي " من التأمير ، قوله : " حبشيا " .
وفي رواية ورقاء " عبدا حبشيا " أراد لو أمر الخليفة عبدا حبشيا لسمعت أمره وأطعت قوله ، وروى أحمد وأبو يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود ، عن عمه ، عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : " كيف تصنع إذا أخرجت منه " ، أي : من المسجد النبوي ، قال : آتي الشام ، قال : كيف تصنع إذا أخرجت منها ، قال : أعود إليه ، أي : إلى المسجد النبوي " قال كيف تصنع إذا أخرجت منه ، قال : أضرب بسيفي ، قال : ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا ، تسمع وتطيع ، وتنساق لهم حيث ساقوك " .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : جواز الأخذ للإنسان بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه .
وفيه : أنه يجوز للإمام أن يخرج من يتوقع ببقائه فتنة بين الناس .
وفيه : ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم وإن كان الصواب في خلافهم .
وفيه : جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يردوا أبا ذر ، عن مذهبه ولا قالوا إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك ؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستشهد به ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - " ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير " ، وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها " ، وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة لا يرتفع إلا بالإجماع .
وفيه : ملاطفة الأئمة العلماء ، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار على أبي ذر حتى كاتب من هو أعلى منه في أمر دينه .
وفيه : أن عثمان لم يخف على أبي ذر مع كونه مخالفا له في تأويله .