12 - حدثنا عياش قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا الجريري ، عن أبي العلاء ، عن الأحنف بن قيس قال : جلست ( ح ) وحدثني إسحاق بن منصور قال : أخبرنا عبد الصمد قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا الجريري قال : حدثنا أبو العلاء بن الشخير أن الأحنف بن قيس ، حدثهم قال : جلست إلي ملاء من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة ، حتى قام عليهم فسلم ، ثم قال : بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه ، يتزلزل ، ثم ولى فجلس إلى سارية ، وتبعته ، وجلست إليه ، وأنا لا أدري من هو ، فقلت له : لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت ، قال : إنهم لا يعقلون شيئا ، قال لي خليلي ، قال : قلت : من خليلك ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا ذر ، أتبصر أحدا قال ، فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار ، وأنا أرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسلني في حاجة له ، قلت : نعم ، قال : ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير ، وإن هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون الدنيا ، لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم ، عن دين حتى ألقى الله .

مطابقته للترجمة من حيث إنه وعيد للكانزين الذين لا يؤدون الزكاة ، ويفهم منه الذي يؤديها لا يطلق عليه اسم الكانز المستحق للوعيد ، ولا الذي معه يسمى كنزا ؛ لأنه أدى زكاته ، فدخل تحت الترجمة من هذا الوجه ، فافهم .
( ذكر رجاله ) وهم ثمانية : الأول : عياش بتشديد الياء آخر الحروف ، وفي آخره شين معجمة ابن الوليد الرقام البصري مر في كتاب الغسل في باب الجنب يخرج . الثاني : عبد الأعلى بن عبد الأعلى أبو محمد السامي بالسين المهملة . الثالث : سعيد [8/264] ابن إياس الجريري ، بضم الجيم وفتح الراء الأولى ، مر في باب كم بين الأذان والإقامة . الرابع : أبو العلاء يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن الشخير المعافري . الخامس : الأحنف بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون ، وفي آخره فاء ، مر في باب وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا السادس إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب . السابع عبد الصمد بن عبد الوارث . الثامن أبوه عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري التميمي .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين .
وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضع .
وفيه : العنعنة في موضعين .
وفيه : القول في ثلاثة مواضع .
وفيه : في الإسناد الأول الجريري ، عن أبي العلاء .
وفي الإسناد الثاني : الجريري حدثنا أبو العلاء ، وكذلك في الإسناد الأول : أبو العلاء ، عن الأحنف .
وفي الثاني : صرح أبو العلاء بالتحديث ، عن الأحنف
.
( فإن قلت ) : روى أحمد في ( مسنده ) من حديث أبي العلاء ، عن أخيه مطرف ، عن أبي ذر طرفا من آخر هذا الحديث .
( قلت ) : ليس ذاك بعلة لحديث الأحنف ؛ لأن حديثه أتم سياقا ، وأكثر فوائد ، ولا مانع أن يكون لأبي العلاء شيخان في هذا الحديث .
وفيه : أن لفظ الأحنف لقب واسمه فيما ذكره المرزباني صخر قال : وهو الثبت ، ويقال : الضحاك ، ويقال : الحارث بن قيس ، ويقال : قيس ، وقال الحافظ في ( كتاب العرجان ) : كان أحنف من رجليه جميعا ، ولم يكن له إلا بيضة واحدة ، وضرب على رأسه بخراسان ، فماهت إحدى عينيه ، قال : وقال أبو الحسن : ولد مرتثقا ختار الاست حتى شق وعولج .
وفي لطائف المعارف لأبي يوسف : كان أصلع متراكب الأسنان مائل الذقن .
وفي تاريخ الميتجاني : كان دميما قصيرا كوسجا ، وقال الهيثم بن عدي في ( كتاب العوران ) : ذهبت عينه بسمرقند .
وفي ( الثقات ) لابن حبان : ذهبت أحد عينيه يوم الحرة .
وفيه : أن الرواة كلهم بصريون .
وفيه : أن ثلاثة من الرواة مذكورون بلا نسبة ، والآخر مذكور بالنسبة ، والآخر بالكنية ، والآخر باللقب .
وفيه : رواية الابن ، عن الأب
.
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة أيضا ، عن زهير بن حرب ، وعن شيبان بن فروخ .
( ذكر معناه ) : قوله : " جلست إلى ملأ " أي : انتهى جلوسي إلى ملأ ، أي : جماعة ، وكلمة " من " في " من قريش " للبيان مع التبعيض ، قوله : " خشن الشعر " بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة من الخشونة ، هكذا هو في رواية الأكثرين .
وفي رواية القابسي : " حسن الشعر " بالمهملتين من الحسن ، والأول أصح ؛ لأنه هو اللائق بزي أبي ذر وطريقته ، وعند مسلم : " أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه " بخاء معجمة وشين ، وعند ابن الحذاء في الآخر خاصة : " حسن الوجه " من الحسن ضد القبح .
وفي رواية يعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال ، عن الأحنف : قدمت المدينة فدخلت مسجدها إذ دخل رجل آدم طوال ، أبيض الرأس واللحية ، يشبه بعضه بعضا ، فقالوا : هذا أبو ذر ، قوله : " حتى قام " ، أي : حتى وقف ، قوله : " بشر الكانزين " بالنون والزاي من كنز يكنز .
وفي رواية الإسماعيلي : " بشر الكنازين " بتشديد النون جمع كناز مبالغة كانز ، وقال ابن قرقول : وعند الطبري والهروي : الكاثرين ، بالثاء المثلثة والراء من الكثرة ، والمعروف هو الأول ، وقوله : " بشر " من باب التهكم كما في قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وقال عياض : الصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال من بيته لأنفسهم ، ولا ينفقونه في وجهه ، وقال النووي : هذا الذي قاله عياض باطل ؛ لأن السلاطين في زمنه لم تكن هذه صفتهم ، ولم يخونوا في بيت المال إنما كان في زمنه أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم ، وتوفي في زمن عثمان سنة ثنتين وثلاثين ، قوله : " برضف " بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة وفي آخره فاء ، وهي الحجارة المحماة ، واحدها : رضفة ، قوله : " في نار جهنم " في جهنم مذهبان لأهل العربية : أحدهما : أنه اسم أعجمي ، فلا ينصرف للعجمية والعلمية ، قال الواحدي : قال يونس : وأكثر النحويين هي عجمية لا تنصرف للتعريف والعجمة ، والآخر : أنه اسم عربي سميت به لبعد قعرها جدا ، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث قال قطرب ، عن رؤبة يقال : بئر جهنام ، أي : بعيدة القعر ، وقال الواحدي : قال بعض أهل اللغة : هي مشتقة من الجهومة ، وهي الغلظ ، يقال : جهم الوجه ، أي : غليظه ، فسميت جهنم لغلظ أمرها في العذاب ، قوله : " على حلمة ثدي أحدهم " الحلمة : بفتح الحاء المهملة واللام هو ما نشز من الثدي وطال ، ويقال : لها قراد الصدر .
وفي ( المحكم ) حلمتا الثديين طرفاهما ، وعن الأصمعي هو رأس الثدي من المرأة والرجل .
وفي هذا الحديث جواز استعمال الثدي [8/265] للرجال ، وهو الصحيح ، وقال العسكري في ( الفصيح ) : لا يقال ثدي إلا في المرأة ، ويقال في الرجل تندوة ، والثدي يذكر ويؤنث ، قوله : " من نغض كتفه " بضم النون وسكون الغين المعجمة .
وفي آخره ضاد معجمة ، وهو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف . وقيل : هو أعلى الكتف ، ويقال : له أيضا الناغض .
وفي المخصص : النغض : تحرك الغضروف ، نغضت كتفه نغوضا ونغاضا ونغضانا ، ويقال : طعنه في نغض كتفه ومرجع كتفه ، وهو حيث يتحرك الغضروف مما يلي إبطه في كتفه ، وقال الأصمعي : قرع الكتف ما تحرك منها وعلا ، والجمع فروع ، ونغضها حيث يجيء فرعها ، ويذهب ، وقال أبو عبيدة : هو أعلى منقطع الغضروف من الكتف . وقيل : النغضان اللتان ينغضان من أسفل الكتف فيتحركان إذا مشى ، وقال شمر : هو من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفها ، وقال الخطابي : نغض الكتف الشاخص من الكتف سمي به ؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه ، قوله : " يتزلزل " أي : يتحرك ويضطرب الرضف ، من نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه .
وفي رواية الإسماعيلي : فيتجلجل بجيمين ، وهو بمعنى الأول .
وفي بعض النسخ : حتى يخرج من حلمة ثدييه بالتثنية في الثاني ، والإفراد في الأول ، قوله : " ثم ولى " ، أي : أدبر ، قوله : " سارية " وهي الأسطوانة .
وفي رواية الإسماعيلي " فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا ، قال : فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية " قوله : " وأنا لا أدري من هو " .
وفي رواية مسلم زيادة من طريق خليد العصري ، عن الأحنف ، وهي : " فقلت : من هذا ، قالوا : هذا أبو ذر ، فقمت إليه ، فقلت : ما شيء سمعتك تقوله ، قال : ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم - عليه الصلاة والسلام " ، وفي هذه الزيادة رد لقول من يقول إنه موقوف على أبي ذر ، فلا يكون حجة على غيره .
وفي مسند أحمد من طريق يزيد الباهلي : " عن الأحنف كنت بالمدينة ، فإذا أنا برجل يفر منه الناس حين يرونه . قلت : من أنت ؟ قال : أبو ذر . قلت : ما نفر الناس منك ؟ قال : إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم " .
قوله ( قلت ) بفتح التاء خطاب لأبي ذر ، قوله : " قال " ، أي : أبو ذر " إنهم لا يعقلون شيئا " فسر ذلك في الأخير بقوله : " إنما يجمعون الدنيا " ، فالذين يجمعون الدنيا لا يفهمون كلام من ينهاهم عن الكنوز ، قوله : " قال لي خليلي " أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث بينه بقوله : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : قال أبو ذر خليلي هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وفاعل قال هو أبو ذر ، وقوله : " النبي " خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " يا أبا ذر " تقديره : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أبا ذر ، وعن هذا قال ابن بطال : سقط كلمة من الكتاب ، وهي : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا ذر ، أتبصر أحدا هو الجبل المعروف ، وقال الكرماني : لفظ يا أبا ذر يتعلق بقوله : " قال لي خليلي " .
( قلت ) : فعلى قوله لا يحتاج إلى تقدير قوله " ما بقي من النهار " ، أي : أي شيء بقي من النهار ، قوله : " وأنا أرى " ، أي : أظن قوله ( قلت نعم ) جواب لقوله : " أتبصر أحدا " قوله " مثل أحد " إما خبر ؛ لأن وإما حال مقدم على الخبر ، وانتصاب ذهبا على التمييز ، قوله " أنفقه كله " ، أي : كل مثل أحد ذهبا ، وقال الكرماني ( فإن قلت ) : الإنفاق في سبيل الله يستحسن ، فلم ما أحبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟
( قلت ) : المراد أنفقه لخاصة نفسه ، أو المراد أنفقه في سبيل الله وعدم المحبة ، إنما هو للاستثناء الذي فيه ، أي : ما أحب إلا إنفاق الكل ، قوله " إلا ثلاثة دنانير " قال القرطبي : الدنانير الثلاثة المؤخرة واحد لأهله وآخر لعتق رقبة وآخر لدين ، وقال الكرماني : يحتمل أن هذا المقدار كان دينا أو مقدار كفاية إخراجات تلك الليلة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ، قوله : " وإن هؤلاء لا يعقلون " عطف على إنهم لا يعقلون شيئا ، وليس من تتمة كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو من كلام أبي ذر ، وكرر للتأكيد ولربط ما بعده عليه ، قوله : " إنما يجمعون الدنيا " قد قلنا : إن هذا بيان لقوله " إنهم لا يعقلون شيئا " قوله " لا أسألهم دنيا " ، أي : لا أطمع في دنياهم .
وفي رواية الإسماعيلي : ( قلت مالك لإخوانك من قريش لا تعتريهم ، ولا تصيب منهم ، قال : وربك لا أسألهم دنيا " إلى آخره .
وفي رواية مسلم " لا أسألهم عن دنيا " قال النووي : الأجود حذف عن كما في رواية للبخاري " ثم قال لا أسألهم شيئا من متاعها " قوله لا تعتريهم " ، أي : تأتيهم وتطلب منهم ، قوله : " ولا استفتيهم عن دين " ، أي : لا أسألهم عن أحكام الدين ، أي : أقنع بالبلغة من الدنيا ، وأرضى باليسير مما سمعت من العلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه زهد أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - ، وكان من مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته .
وفيه : أن أبا ذر ذهب إلى ما يقتضيه ظاهر لفظ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إذ الكنز في اللغة : المال المدفون .
[8/266] سواء أديت زكاته أم لا .
وفي قوله " إنما يجمعون الدنيا " دليل على أن الكنز عنده جمع المال .
وفيه وعيد شديد لمن لا يؤدي زكاته .
وفيه : تكنية الشارع لأصحابه ، والذر جمع ذرة ، وهي النملة الصغيرة ، وذكر أن أبا ذر لما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف إلى قومه فأتاه بعد مدة فتوهم اسمه ، فقال : أنت أبو نملة ؟ قال أبو ذر : يا رسول الله ، بل أبو ذر ، وقد ذكرنا أن اسمه جندب بن جنادة .
وفيه : في قوله أتبصر أحدا إلى آخره مثل لتعجيل الزكاة ، يقول : ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار .
وفيه : ما يشعر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل أفاضل أصحابه في حاجته يفضلهم بذلك ؛ لأنه يصير رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
وفيه : ما يشهد لما قال سحنون ترك الدنيا زهدا أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في سبيل الله .
وفيه : نفي العقل عن العقلاء .