68 - حدثنا مسدد قال : حدثنا معتمر قال : سمعت أبي قال : سمعت أنسا قال : ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ : من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ، قال : ألا أبشر الناس ؟ قال : لا ، إني أخاف أن يتكلوا .

[2/209] مطابقته للترجمة ظاهرة مثل مطابقة الحديث السابق .
( بيان رجاله ) وهم أربعة :
الأول : مسدد بن مسرهد .
الثاني : معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي البصري ، لم يكن من بني تيم ، وإنما كان نازلا فيهم ، وهو مولى بني مرة ، روى عن أبيه ومنصور وغيرهما ، وعنه ابن مهدي وغيره ، وكان ثقة صدوقا رأسا في العلم والعبادة كأبيه ، ولد سنة ست ومائة ، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة ، ويقال : كان أكبر من سفيان بن عيينة بسنة روى له الجماعة .
الثالث : أبوه سليمان التيمي ، وكان ينزل في بني مرة ، فلما تكلم بالقدر أخرجوه ، فقبله بنو تميم وقدموه وصار إماما لهم ، قال شعبة : ما رأيت أصدق من سليمان ، كان إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم تغير لونه ، وكان من العباد المجتهدين يصلي الليل كله بوضوء العشاء الآخرة ، كان هو وابنه معتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان في هذا المسجد مرة ، وفي ذلك أخرى ، مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة ، وكان مائلا إلى علي رضي الله تعالى عنه .
الرابع : أنس بن مالك رضي الله عنه .
( بيان لطائف إسناده ) منها : أن فيه التحديث والسماع مكررا .
ومنها : أن رواته كلهم بصريون .
ومنها : أن فيه رواية الابن عن الأب ، ومنها : أنه من الرباعيات العوالي وهذا حديث لم يخرجه غير البخاري
.
( بيان الإعراب والمعاني ) قوله : " قال ذكر لي " الضمير في قال يرجع إلى أنس وهي جملة في محل النصب على الحال ، وقوله : " ذكر " على صيغة المجهول ولم يسم أنس من ذكر له ذلك ، رواه عن معاذ رضي الله عنه ، وكذلك جابر بن عبد الله قال : أخبرني من شهد معاذا حين حضرته الوفاة ... الحديث كما بيناه عن قريب ، ولم يسم من ذكر له ، وذلك لأن معاذا رضي الله عنه إنما حدث به عند موته بالشام ، وجابر وأنس حينئذ كانا بالمدينة ولم يشهداه ، وقد حضر في ذلك من معاذ عمرو بن ميمون الأودي أحد المخضرمين كما سيأتي في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى ، ورواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن سمرة الصحابي أنه سمع ذلك من معاذ أيضا ، فيحتمل أن يكون الذاكر لأنس رضي الله عنه إما عمرو بن ميمون وإما عبد الرحمن بن سمرة ، والله أعلم .
وقال الكرماني : فإن قلت : لفظ ذكر يقتضي أن يكون هذا تعليقا من أنس ، ولما لم يكن الذاكر له معلوما كان من باب الرواية عن المجهول ، فهل هو قادح في الحديث .
قلت : التعليق لا ينافي الصحة ، إذا كان المتن ثابتا من طريق آخر ، وكذا الجهالة إذ معلوم أن أنسا لا يروي إلا عن العدل سواء رواه عن الصحابي أو غيره ، ففي الجملة يحتمل في المتابعات والشواهد ما لا يحتمل في الأصول .
قلت : هذا ليس بتعليق أصلا ، والذاكر له معلوم عنده ، غير أنه أبهمه عند روايته ، وليس ذلك قادحا في رواية الصحابي .
قوله : " من لقي الله " مقول القول وكلمة من موصولة في محل الرفع على الابتداء ، وقوله : " دخل الجنة " خبره ، والمعنى من لقي الأجل الذي قدره الله يعني الموت .
قوله : " لا يشرك به شيئا " جملة وقعت حالا ، والمعنى : من مات حال كونه موحدا حين الموت ، وبهذا يجاب عما قيل : الإشراك لا يتصور في القيامة وحق الظاهر أن يقال : ولم يشرك به أي : في الدنيا ، وجواب آخر أن أحكام الدنيا مستصحبة إلى الآخرة ، فإذا لم يشرك في الدنيا عند الانتقال إلى الآخرة صدق أنه لا يشرك في الآخرة .
فإن قلت : التوحيد بدون إثبات الرسالة كيف ينفعه ؟ فلا بد من انضمام محمد رسول الله إلى قوله : " لا إله إلا الله .
قلت : هو مثل من توضأ صحت صلاته أي : عند حصول شرائط الصحة ، فمعناه من لقي الله موحدا عند الإيمان بسائر ما يجب الإيمان به أو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الناس من يعتقد أن المشرك أيضا يدخل الجنة ، فقال ردا لذلك الاعتقاد الفاسد : من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة .
فإن قلت : هل يدخل الجنة وإن لم يعمل عملا صالحا ؟
قلت : يدخل وإن لم يعمل إما قبل دخول النار وإما بعده ، وذلك بمشيئة الله تعالى ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه ، ثم أدخله الجنة ، وقال بعضهم : قوله : " لا يشرك به " اقتصر على نفي الإشراك لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم ، إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله ، ومن كذب الله فهو مشرك .
قلت : هذا تصور لا يوجد معه التصديق ، فإن أراد بالاقتضاء على اصطلاح أهل الأصول فليس كذلك على ما لا يخفى ، وإن أراد به على اصطلاح غير أهل الأصول فلم يذهب أحد منهم إلى هذه العبارة في الدلالات ، وقوله أيضا : ومن كذب الله فهو مشرك ليس كذلك ، فإن المكذب لا يقال له إلا كافر .
قوله : " قال " أي : معاذ " ألا أبشر الناس " أي : بذلك ، وألا للتنبيه ، وأبشر الناس جملة من الفعل والفاعل والمفعول .
قوله : " قال " أي : النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " إني أخاف أن يتكلوا " وهذه رواية كريمة أعني بإثبات إني ، وفي رواية غيرها " قال : لا أخاف " بغير إني فكلمة لا للنهي وليست داخلة على أخاف ، وإنما المعنى : لا تبشر ثم استأنف فقال : أخاف ، وفي رواية الحسن بن سفيان في مسنده عن عبيد الله بن معاذ ، عن معتمر : " قال : لا دعهم فليتنافسوا في الأعمال ، فإني أخاف أن يتكلوا " .
[2/210] وكلمة أن مصدرية ، والتقدير : إني أخاف اتكالهم على مجرد الكلمة .