[1/38] فصل
خرج البخاري ومسلم :
12 - من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : " تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " .


وخرجه مسلم أيضا .
جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام ، وإفشاء السلام .
وفي " المسند " عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : " لين الكلام ، وإطعام الطعام " .
ومراده : الإسلام التام الكامل .
وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان أيضا فضلا .
وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى .
[1/39] وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل ، وهو أكمل الإحسان .
وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ؛ فمن أتى بفرائض الإسلام ، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس - كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل أيضا .
وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ، ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ؛ فإن إطعام الطعام وإفشاء السلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
وقد زعم الحليمي وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه ، وفي وقت دون وقت ، أو لشخص دون شخص . ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقا .
وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر . ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له : يا خير البرية ! فقال : " ذاك إبراهيم " .
وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع .
ولكن هذا يقرب من قول من تأول " أفضل " بمعنى " فاضل " ، وقال : إن " أفعل " لا تقتضي المشاركة ، وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه .
[1/40] وحكي عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل .
وقوله : " وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " - هذا أفضل أنواع إفشاء السلام .
وفي " المسند " عن ابن مسعود مرفوعا : " إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة " .
ويخرج من عموم ذلك من لا تجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .