|
باب الطواف بعد الصبح والعصر
أي هذا باب في بيان حكم الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر هذا تقدير الكلام بحسب الظاهر ؛ ولكن يقدر هكذا باب في بيان حكم الصلاة عقيب الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر ، وإن لم يقدر هكذا لا تقع المطابقة بين الترجمة وبين أحاديث الباب ، وإنما أطلق ولم يبين الحكم لورود الآثار المختلفة في هذا الباب ، وقال بعضهم : ويظهر من صنيعه أنه يختار التوسعة ، وكأنه أشار إلى ما رواه الشافعي وأصحاب السنن ، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيره من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار " وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه انتهى ، قلت : ليت شعري من أين يظهر صنيعه بذلك والترجمة مطلقة ، ومن أين علم أنه أشار إلى ما رواه الشافعي رحمه الله ، ومن أين علم أنه وقف على حديث جبير بن مطعم ، حتى اعتذر عنه بأنه لم يخرجه لعدم شرطه . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس
مطابقته للترجمة : إنما تتوجه من حيث التقدير الذي قدرناه آنفا ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق عطاء أنهم صلوا الصبح ، فغلس وطاف ابن عمر بعد الصبح سبعا ، ثم التفت إلى أفق السماء فرأى أن عليه غلسا ، قال : فاتبعته حتى أنظر أي شيء يصنع ، فصلى ركعتين قال : وحدثنا داود العطار ، عن عمرو بن دينار ، ورأيت ابن عمر طاف سبعا بعد الفجر ، وصلى ركعتين وراء المقام انتهى ، وبهذا قال عطاء وطاوس والقاسم وعروة بن الزبير والشافعي وأحمد وإسحاق ، وذهب مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك في رواية إلى : كراهة الصلاة للطواف بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس ، واحتجوا في ذلك بعموم حديث عقبة بن عامر الجهني قال : " ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نصلي فيهن " الحديث ، وقد مر في مواقيت الصلاة ، ومع هذا روى الطحاوي بإسناد صحيح عن ابن عمر خلاف ما علقه البخاري قال : حدثنا ابن خزيمة ، حدثنا حجاج ، حدثنا همام ، حدثنا نافع أن ابن عمر قدم عند صلاة الصبح فطاف ولم يصل إلا بعدما طلعت الشمس ، وقال سعيد بن أبي عروبة في المناسك ، عن أيوب ، عن نافع أن ابن عمر كان لا يطوف بعد صلاة العصر ولا بعد صلاة الصبح ، وأخرجه ابن المنذر أيضا من طريق حماد ، عن أيوب أيضا ، ومن طريق أخرى عن نافع : كان ابن عمر إذا طاف بعد الصبح لا يصلي حتى تطلع الشمس ، وإذا طاف بعد العصر لا يصلي حتى تغرب الشمس ، فإن قلت : روى الدارقطني والبيهقي في سننيهما من رواية سعيد بن سالم القداح ، عن عبد الله بن المؤمل المخزومي ، عن حميد مولى عفراء ، عن قيس بن سعيد ، عن مجاهد قال : قدم أبو ذر فأخذ بعضادة باب الكعبة ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يصلين أحد بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة " فهذا يرد عموم النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة ، قلت : عبد الله بن المؤمل ضعيف ، ومجاهد لم يسمع من أبي ذر ، فإن قلت : روى الطبراني في الأوسط من حديث عطاء " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا بني عبد مناف ، يا بني عبد المطلب ، إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت فصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار " قلت : قال [9/272] الطبراني لم يروه ، عن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس إلا سليم بن مسلم . وطاف عمر بعد صلاة الصبح فركب حتى صلى الركعتين بذي طوى
هذا التعليق وصله مالك في الموطأ ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، عن عمر به ، وروى الأثرم ، عن أحمد ، عن سفيان ، عن الزهري مثله ، إلا أنه قال : عن عروة بدل حميد ، قال أحمد : أخطأ فيه سفيان ، قال الأثرم : وقد حدثني به نوح بن يزيد من أصله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، كما قال سفيان ، وقال الطحاوي : فهذا عمر رضي الله تعالى عنه أخر الصلاة إلى أن يدخل وقتها ، وهذا بحضرة جماعة من الصحابة ، ولم ينكره عليه منهم أحد ولو كان ذلك الوقت عنده وقت صلاة الطواف لصلى ، ولما أخر ذلك لأنه لا ينبغي لأحد طاف بالبيت إلا أن يصلي حينئذ إلا من عذر ، وروى أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث أبي الزبير ، عن جابر قال : " كنا نطوف ونمسح الركن الفاتحة والخاتمة ، ولم نكن نطوف بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تطلع الشمس في قرني شيطان " وفي سنن سعيد بن منصور ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ، عن أبي سعيد الخدري أنه طاف بعد الصبح ، فلما فرغ جلس حتى طلعت الشمس ، وقال سعيد بن منصور ، وكان سعيد بن جبير والحسن ومجاهد يكرهون ذلك أيضا . 216 - حدثني الحسن بن عمر البصري قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن حبيب ، عن عطاء ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها : أن ناسا طافوا بالبيت بعد صلاة الصبح ، ثم قعدوا إلى المذكر ، حتى إذا طلعت الشمس قاموا يصلون ، فقالت عائشة رضي الله عنها : قعدوا حتى إذا كانت الساعة التي تكره فيها الصلاة قاموا يصلون .
مطابقته للترجمة لا تتأتى إلا من حيث التقدير الذي قدرناه في الترجمة ، وقال بعضهم : وجه تعلق أحاديث هذا الباب بالترجمة إما من جهة أن الطواف صلاة فحكمهما واحد ، أو من جهة أن الطواف مستلزم للصلاة التي تشرع بعده ، قلت : هذا أخذه من كلام الكرماني ، ومع هذا ليس بوجه سديد ، ولا نسلم أن الطواف صلاة ، والذي ورد في الحديث " إن الطواف بالبيت صلاة " مجاز ليس بحقيقة ، ولا نسلم أن حكمهما واحد ، فإن الطهارة شرط في الصلاة دون الطواف ، ودعوى الاستلزام ممنوعة كما لا يخفى . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : الحسن بن عمر بن شقيق البصري ، قدم بلخ فأقام بها نحو خمسين سنة ، ثم خرج منها إلى البصرة في سنة ثلاثين ومائتين ، ومات بها بعد ذلك ، الثاني : يزيد من الزيادة ابن زريع مصغر زرع ، وقد مر غير مرة ، الثالث : حبيب بفتح الحاء المهملة ابن أبي قريبة المعلم ، نص عليه هكذا المزي في الأطراف ، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة ، الرابع : عطاء بن أبي رباح ، الخامس : عروة بن الزبير ، السادس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده وهو وحبيب ويزيد بصريون وعطاء مكي وعروة مدني ، وفيه ثلاثة مذكورون من غير نسبة . وهذا الحديث من أفراده . ( ذكر معناه ) : قوله : " المذكر " بتشديد الكاف المكسورة ، اسم فاعل من التذكير ، وهو الوعظ ، قوله : " حتى طلعت الشمس " يعني إلى أن طلعت الشمس ، يعني كان قعودهم منتهيا إلى طلوع الشمس ، قوله : " حتى إذا كانت الساعة " أي عند الطلوع ، وسأل الكرماني هاهنا سؤالا على قاعدة مذهبه وهو أن المكروه منها - يعني في هذه الساعة - صلاة لا سبب لها ، وهذه الصلاة لها سبب ، وهو الطواف ؟ ثم أجاب بقوله : هم كانوا يتحرون ذلك الوقت ويؤخرونها إليه قصدا ، فلذلك ذمته - يعني عائشة رضي الله تعالى عنها - ، والتحري له وإن كان لصلاة لها سبب مكروه انتهى ، قلت : هذا الذي ذكره إنما يمشي إذا كانت عائشة ترى أن الطواف سبب لا يكره مع وجوده الصلاة في الأوقات المنهية ، وليس كذلك لأن النهي عندها على العموم ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن ، عن محمد بن فضيل ، عن عبد الملك ، عن عطاء " عن عائشة رضي [9/273] الله تعالى عنها أنها قالت : إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر ، فطف وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس ، أو حتى تطلع ، فصل لكل أسبوع ركعتين " .
|