|
باب التهجير بالرواح يوم عرفة
أي هذا باب في بيان التهجير وهو السير في الهاجرة ، وكذلك الهجر والهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر ، وكذلك الهجر ، ومنه يقال هجر النهار ، والمراد بالتهجير بالرواح أن يهجر من نمرة إلى موضع الوقوف بعرفة ، والنمرة بفتح النون وكسر الميم موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرف وطرف عرفات . 245 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم قال : كتب عبد الملك إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج ، فجاء ابن عمر رضي الله عنهما وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس ، فصاح عند سرادق الحجاج فخرج وعليه ملحفة معصفرة ، فقال : ما لك يا أبا عبد الرحمن ، فقال : الرواح إن كنت تريد السنة ، قال : هذه الساعة ؟ قال : نعم ، قال : فأنظرني حتى أفيض على رأسي ، ثم أخرج فنزل حتى خرج الحجاج ، فسار بيني وبين أبي ، فقلت : إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف ، فجعل ينظر إلى عبد الله ، فلما رأى ذلك عبد الله قال : صدق .
مطابقته للترجمة تستفاد من قوله : " هذه الساعة " لأنه أشار به إلى زوال الشمس ، وهو وقت الهاجرة وهو وقت الرواح إلى الموقف ؛ لما روى أبو داود من حديث ابن عمر قال : " غدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل نمرة ، وهو منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة ، حتى إذا كان عنده صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا ، فجمع بين الظهر والعصر ، ثم خطب الناس ثم راح فوقف " وأخرجه أحمد أيضا ، وظاهر هذا الحديث أنه توجه من منى حين صلى الصبح بها ؛ لكن في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم أن توجهه صلى الله عليه وسلم منها كان بعد طلوع الشمس ، ولفظه : " فضربت له قبة بنمرة فنزل بها حتى زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس " الحديث بطوله . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم . وأخرجه النسائي في الحج أيضا عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن أحمد بن عمرو بن السرح . قوله : " كتب عبد الملك " هو ابن مروان الأموي الخليفة ، والحجاج هو ابن يوسف الثقفي ، وكان واليا بمكة حينئذ لعبد الملك وأميرا على الحاج ، قوله : " أن لا يخالف " بلفظ النهي والنفي ، قوله : " في الحج " أي في أحكام الحج ، وفي رواية النسائي من طريق أشهب عن مالك : في أمر الحج ، قوله : [9/302] " فجاء ابن عمر " القائل هو سالم والواو في وأنا للحال ، قوله : " معه أي مع ابن عمر ، ووقع في رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري " فركب هو وسالم وأنا معهما " وفي رواية عبد الرزاق أيضا عن معمر ، قال ابن شهاب : " وكنت يومئذ صائما فلقيت من الحر شدة " واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه ، فقال يحيى بن معين : هي وهم ، وابن شهاب لم ير ابن عمر رضي الله تعالى عنه ولا سمع منه ، وقال الذهلي : لست أدفع رواية معمر لأن ابن وهب روى عن العمري ، عن ابن شهاب رحمه الله تعالى نحو رواية معمر ، وروى عنبسة بن خالد ، عن يونس ، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال : وفدت إلى مروان وأنا محتلم ، قال الذهلي : ومروان مات سنة خمس وستين ، وهذه القصة كانت سنة ثلاث وسبعين انتهى ، وقال غيره : إن رواية عنبسة هذه أيضا وهم ، وإنما قال الزهري : وفدت على عبد الملك ، ولو كان الزهري وفد على مروان لأدرك جلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة ، وقد أدخل مالك وعقيل وإليهما المرجع في حديث الزهري بينه وبين ابن عمر في هذه القصة سالما فهذا هو المعتمد . قوله : " عند سرادق الحجاج " السرادق بضم السين ، قال الكرماني : وتبعه غيره أنه هو الخيمة ، وليس كذلك ، وإنما السرادق هو الذي يحيط بالخيمة وله باب يدخل منه إلى الخيمة ، ولا يعمل هذا غالبا إلا للسلاطين والملوك الكبار ، وبالفارسية يسمى سرابرده ، قوله : " ملحفة " بكسر الميم الإزار الكبير ، قوله : " معصفرة " أي مصبوغة بالعصفر ، قوله : " يا أبا عبد الرحمن " هو كنية عبد الله بن عمر ، قوله : " الرواح " بالنصب أي رح الرواح أو عجل ، قاله الكرماني ، والأصوب أن يقال إنه منصوب على الإغراء أي الزم الرواح ، والإغراء تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله ، قوله : " إن كنت تريد السنة " وفي رواية ابن وهب " إن كنت تريد أن تصيب السنة " وقال أبو عمر في التقصي : هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لقوله : " إن كنت تريد السنة " فالمراد سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم : سنة العمرين ، وما أشبه ذلك انتهى . وهذه مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول والجمهور على ما قال ابن عبد البر ، وهي طريقة البخاري ومسلم ، ويقويه قول سالم لابن شهاب إذ قال له : أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : وهل تتبعون في ذلك إلا سنته ، قوله : " فأنظرني " بفتح الهمزة وكسر الظاء المعجمة من الإنظار وهو الإمهال ، معناه أمهلني ، وفي رواية الكشميهني : " وانظرني " بهمزة الوصل وضم الظاء ، ومعناه انتظرني ، قوله : " حتى أفيض على رأسي " حتى اغتسل ؛ لأن إفاضة الماء على الرأس إنما تكون غالبا في الغسل ، قوله : " ثم أخرج " بالنصب عطف على قوله : " حتى أفيض " وأصله حتى أن أفيض ، وقال ابن التين : صوابه أفض ؛ لأنه جواب الأمر . قوله : " فنزل " أي ابن عمر كما صرح به في رواية أخرى على ما يأتي بعد بابين إن شاء الله تعالى ، وهذا يدل على أنه كان راكبا ، قوله : " فسار بيني وبين أبي " أي سار الحجاج بين سالم وأبيه عبد الله بن عمر ، ويحتمل أن يكونوا ركبانا ؛ لأن السنة الركوب حينئذ لمن له راحلة ، قوله : " وعجل الوقوف " قال أبو عمر : رواية يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف : وعجل الصلاة ، وقال القعنبي وأشهب : فأتم الخطبة وعجل الوقوف جعلا موضع الصلاة الوقوف ، قال أبو عمر : وهو عندي غلط لأن أكثر الرواة عن مالك على خلافه ، قيل : رواية القعنبي لها وجه لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة ، ومع هذا وافق القعنبي عبد الله بن يوسف كما ترى ، وقال بعضهم : الظاهر أن الاختلاف فيه عن مالك ، قلت : هذا ليس بظاهر ، وما الدليل عليه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن تعجيل الصلاة يوم عرفة سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر ثم يصلى العصر بإثر السلام والفراغ ، وفيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء ومن جعلوا ذلك إليه وهو واجب عليهم فيقيموا من كان عالما به ، وفيه الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام ، وفيه أن الرجل الفاضل لا يؤاخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه ، وفيه أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة في أول وقت الظهر سنة ، وفيه الغسل للوقوف بعرفة ، وفيه خروج الحجاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة ولم ينكر ذلك عليه ابن عمر ، وفيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم ، وفيه جواز تأمير الأدنى على الأفضل والأعلم ، وفيه ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنه ، وفيه الفهم بالإشارة والنظر ، وفيه أن اتباع الشارع هو السنة وإن كان في المسألة أوجه جائز غيرها ، وفيه فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره ، وفيه جواز الذهاب من العالم إلى السلطان سواء كان جائرا أو غير جائر لأجل إرشاده إياه إلى الخير [9/303] وإيقافه على ما لا يعلم من السنة ، وفيه صياح العالم عندما كان السلطان فيه ليسرع إليه في الإجابة ، وفيه أن السلطان أو نائبه يعمل في الدين بقول أهل العلم ويرجع إلى قولهم ، وفيه تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس ، وفيه احتمال المفسدة القليلة لتحصيل المصلحة الكبيرة ، يؤخذ ذلك من مضي ابن عمر إلى الحجاج وتعليمه ، وفيه الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به ، وفيه الخطبة فعند أبي حنيفة يخطب خطبتين بعد الزوال وبعد الأذان قبل الصلاة كخطبة الجمعة ، ولو خطب قبل الزوال جاز ، وعند أصحابنا في الحج ثلاث خطب أولها في اليوم السابع من ذي الحجة وهو قبل يوم التروية بيوم ، يعلم الناس فيها الخروج إلى منى ، والثانية يوم عرفة وهو التاسع من الشهر ، يعلم الناس فيها ما يجب من الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والنحر وطواف الزيارة ، والثالثة بمنى بعد يوم النحر وهو الحادي عشر من الشهر ، يحمد الله ويشكره على ما وفق من قضاء مناسك الحج ويحض الناس على الطاعات ويحذرهم عن اكتساب الخطايا ، فيفصل بين كل خطبتين بيوم ، وقال زفر : يخطبها في ثلاثة أيام متواليات يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ، وعند الشافعي في الحج أربع خطب مسنونة إحداها بمكة يوم السابع ، والثانية يوم عرفة ، والثالثة يوم النحر بمنى ، والرابعة يوم النفر الأول بمنى ، وعند مالك ثلاث خطب : الأولى يوم السابع بمكة بعد الظهر خطبة واحدة ولا يجلس فيها ، الثانية بعرفات بعد الزوال بجلسة في وسطها ، والثالثة في اليوم الحادي عشر ، وعند أحمد كذلك ثلاث خطب ولا خطبة في اليوم السابع بمكة بل يخطب بعرفات بعد الزوال ثم يخطب بمنى يوم النحر في أصح الروايتين ، ثم كذلك ثاني أيام منى بعد الظهر ، وقال ابن حزم : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحد ثاني يوم النحر ، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا وهو يوم النفر ، وفيه حديث في سنن أبي داود وآخر في مسند أحمد والدارقطني ، وقال ابن حزم : وقد روي أيضا أنه خطبهم يوم الاثنين وهو يوم الأكارع وأوصى بذوي الأرحام خيرا ، قال ابن قدامة : وروي عن أبي هريرة أنه كان يخطب العشر كله ، وروي عن ابن الزبير ، كذلك رواه ابن أبي شيبة في مصنفه .
|