262 - حدثنا مسدد ، عن يحيى ، عن ابن جريج قال : حدثني عبد الله مولى أسماء ، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي فصلت ساعة ، ثم قالت : يا بني هل غاب القمر ؟ قلت : لا فصلت ساعة ، ثم قالت : هل غاب القمر ؟ قلت : نعم ، قالت : فارتحلوا ، فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ، ثم [10/18] رجعت فصلت الصبح في منزلها ، فقلت لها : يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا ، قالت : يا بني إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعن .

مطابقته للترجمة في قولها : " فارتحلوا فارتحلنا " ؛ لأن ارتحالهم كان عقيب غيبوبة القمر ، وقد ذكرنا أن مغيب القمر في تلك الليلة كان عند أوائل الثلث الأخير من الليل .
( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ؛ مسدد بن مسرهد ، عن يحيى القطان ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء أبو عمر ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر سيأتي في أبواب العمرة ، وأسماء هذه هي بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وقد صرح ابن جريج بتحديث عبد الله له وكذا رواه مسلم ، عن محمد بن أبي بكر المقدمي ، وابن خزيمة عن بندار ، وكذا أخرجه أحمد في مسنده ، كلهم عن يحيى ، وأخرجه مسلم من طريق عيسى بن يونس ، والإسماعيلي من طريق داود العطار ، والطبراني من طريق ابن عيينة ، والطحاوي من طريق سعيد بن سالم ، وأبو نعيم من طريق محمد بن بكر ، كلهم عن ابن جريج ، وأخرجه أبو داود عن محمد بن خلاد ، عن يحيى القطان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، أخبرني مخبر عن أسماء ، وأخرجه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عطاء أن مولى أسماء أخبره ، وكذا أخرجه الطبراني من طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى ، فالظاهر أن ابن جريج سمعه من عطاء ، ثم لقي عبد الله فأخذه عنه ، ويحتمل أن يكون مولى أسماء شيخ عطاء غير عبد الله .
( ذكر معناه ) : قوله : " يا بني " بضم الباء الموحدة مصغر ابن ، قوله : " فارتحلوا " أمر بالارتحال ، وفي رواية مسلم " قالت : ارحل بي " ، قوله : " فمضينا " ، وفي رواية ابن عيينة " فمضينا بها " ، قوله : " ثم رجعت " ، أي : إلى منزلها بمنى ، قوله : " يا هنتاه " ، أي : يا هذه ، يقال للمذكر إذا كني عنه هن وللمؤنث هنة ، وزيدت الألف لمد الصوت والهاء لإظهار الألف ، وهو بفتح الهاء وسكون النون ، وقد تفتح وإسكانها أشهر ، ثم بالتاء المثناة من فوق ، وقد تسكن الهاء التي في آخرها وتضم ، قوله : " ما أرانا " بضم الهمزة ، أي : ما نظن " إلا قد غلسنا " ، أي : تقدمنا على الوقت المشروع ، وهو من التغليس ، وهو السير بغلس وهي ظلمة آخر الليل ، وفي رواية لمسلم " فقلت لها : لقد غلسنا " بدون قوله : " ما أرانا " ، وفي رواية مالك " لقد جئنا منى بغلس " ، وفي رواية داود العطار " لقد ارتحلنا بليل " ، وفي رواية أبي داود " فقلت : إنا رمينا الجمرة بغلس " .
قوله : " أذن للظعن " بضم الظاء والعين وبسكون العين أيضا جمع ظعينة وهي النساء ، وفي المحكم هو جمع ظاعن وسميت النساء بها ؛ لأنهن يظعن بارتحال أزواجهن ، ويقمن بإقامتهم ، تقول : ظعن يظعن ظعنا وظعونا ذهب وأظعنه هو ، والظعينة الجمل يظعن عليه ، والظعينة الهودج تكون فيه المرأة ، وقيل : هو الهودج كانت فيه امرأة أو لم تكن ، وعن ابن السكيت : كل امرأة ظعينة سواء كانت في هودج أو غيره ، وقال ابن سيده : الجمع ظعائن وظعن وأظعان وظعنات ، الأخيرتان جمع الجمع ، وفي الجامع : ولا يقال ظعن إلا للإبل التي عليها الهوادج ، وقيل : الظعن الجماعة من النساء والرجال .
( ذكر ما يستفاد منه ) : استدل بهذا الحديث قوم على جواز الرمي قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر للذين يتقدمون قبل الناس ، وهو قول عطاء بن أبي رباح المكي وطاوس بن كيسان ، ومجاهد وإبراهيم النخعي ، والشعبي وسعيد بن جبير والشافعي ، وقال عياض : مذهب الشافعي رمي الجمرة من نصف الليل ، وتعلق بأنه أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قدمت قبل الفجر ، وكان - - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تفيض وتوافيه الصبح مكة ، وظاهر هذا عنده تعجيل الرمي قبل الفجر ، ومذهب مالك أن الرمي يحل بطول الفجر ، ومذهب الثوري والنخعي أنها لا ترمي إلا بعد طلوع الشمس ، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحق قالوا : فإن رموها قبل طلوع الشمس أجزأتهم ، وقد أساءوا ، وقال الكاشاني من أصحابنا : أول وقته المستحب ما بعد طلوع الشمس ، وآخر وقته آخر النهار ، كذا قال أبو حنيفة .
وقال أبو يوسف : يمتد إلى وقت الزوال ، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت ويكون فيما بعده قضاء ، فإن لم يرم حتى غربت الشمس يرمي قبل الفجر من اليوم الثاني ولا شيء عليه في قول أصحابنا ، وللشافعي قولان ؛ في قول : إذا غربت الشمس فقد فات الوقت وعليه الفدية ، وفي قول : لا يفوت إلا في آخر أيام [10/19] التشريق ، فإن أخر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني ، رمى وعليه دم للتأخير في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد لا شيء عليه ، وبه قال الشافعي ، وقال مالك في الموطأ : سمعت بعض أهل العلم يكره رمي الجمرة حتى يطلع الفجر من يوم النحر ، ومن رمى فقد حل له النحر .
وقال الطحاوي في الجواب عن حديث أسماء المذكور : يحتمل أن يكون أراد بالتغليس في الدفع من مزدلفة ، ويجوز أن يكون أراد بالتغليس في الرمي ، فأخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لهم في التغليس لما سألها عن التغليس به من ذلك ، وفيه استدل بعضهم على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة ، قيل : لا دلالة فيه ؛ لأنه سئل عن الوقوف - .