|
باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية
أي هذا باب في بيان جواز التجارة في أيام الموسم بفتح الميم وسكون الواو وكسر السين ، وقال الأزهري : سمي موسم الحج موسما لأنه معلم يجتمع إليه الناس ، وهو مشتق من السمة وهي العلامة . قوله : " والبيع " بالجر عطف على التجارة أي وفي بيان مشروعية البيع أيضا في أسواق الجاهلية ، وأسواق الجاهلية أربعة : وهي عكاظ ، وذو المجاز ، ومجنة ، وحباشة . أما عكاظ فهو بضم العين المهملة ، وتخفيف الكاف ، وبعد الألف ظاء معجمة ، قال الرشاطي : هي صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل إلا ما كان من الأنصاب التي كانت بها في الجاهلية ، وبها من دماء البدن كالأرحاء العظام ، وقال محمد بن حبيب : عكاظ بأعلى نجد قريب من عرفات ، وقال غيره : عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء ، وهي من عمل الطائف ، وعلى بريد منها ، وأرضها لبني نصر ، واتخذت سوقا بعد الفيل بخمس عشرة سنة ، وتركت عام خرجت الحرورية بمكة مع المختار بن عوف سنة تسع وعشرين ومائة إلى هلم جرا ، وقال أبو عبيدة : عكاظ فيما بين نخلة والطائف إلى موضع يقال له : الفتق بضم الفاء والتاء المثناة وبالقاف ، وبه أموال ونخل لثقيف ، بينه وبين الطائف عشرة أميال ، فكان سوق عكاظ يقوم صبح هلال ذي القعدة عشرين يوما ، وعكاظ مشتق من قولك عكظت الرجل عكظا إذا قهرته بحجتك لأنهم كانوا يتفاخرون هناك بالفخر ، وكانت بعكاظ وقائع مرة بعد مرة ، وبعكاظ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قس بن ساعدة ، وحفظ كلامه ، وكان يتصل بعكاظ بلد تسمى ركبة بها عين تسمى عين خليص ، وكان ينزلها من الصحابة قدامة بن عمار الكلابي ، ولقيط بن ضمرة العقيلي ، ومالك بن نضلة الحبشي . وأما ذو المجاز فقد ذكر ابن إسحاق أنها كانت بناحية عرفة إلى جانبها ، وعن ابن الكلبي أنه كان لهذيل على فرسخ من عرفة ، وقال الرشاطي : كان ذو المجاز سوقا من أسواق العرب ، وهو عن يمين الموقف بعرفة قريبا من كبكب ، وهو سوق متروك ، وقال الكرماني : ذو المجاز بلفظ ضد الحقيقة موضع بمنى كان به سوق في الجاهلية ، وهذا غير صحيح لأن الطبري روى [10/104] عن مجاهد أنهم كانوا لا يبيعون ولا يبتاعون في الجاهلية بعرفة ولا منى . وأما مجنة فهي بفتح الميم والجيم وتشديد النون ، وهي على أميال مسيرة من مكة بناحية مر الظهران ، ويقال : هي على بريد من مكة ، وهي لكنانة ، وبأرضها وشامة وطفيل جبلان مشرفان عليها ، سميت بها لبساتين تتصل بها ، وهي الجنان ، ويحتمل أن يكون من مجن يمجن سميت بذلك لأن ضربا من المجون كان بها . وأما حباشة فهي بضم الحاء المهملة ، وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف شين معجمة ، وكانت بأرض بارق نحو قنونا بفتح القاف ، وضم النون المخففة ، وبعد الواو الساكنة نون أخرى مقصورة من مكة إلى جهة اليمن على ست مراحل ، ولم يذكر هذا في الحديث لأنه لم يكن من مواسم الحج ، وإنما كان يقام في شهر رجب ، وقال الرشاطي : هي أكبر أسواق تهامة كان يقوم ثمانية أيام في السنة ، قال حكيم بن حزام : وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضرها ، واشتريت منه فيها بزا من بز تهامة ، وقال الفاكهي : ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول من ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة ، وآخر ما ترك منها سوق حباشة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة سبع وتسعين ومائة ، وروى الزبير بن بكار في كتاب النسب من طريق حكيم بن حزام أنها أي سوق عكاظ كانت تقام صبح هلال ذي القعدة إلى أن يمضي عشرون يوما ، قال : ثم يقوم سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة ، ثم يقوم سوق ذو المجاز ثمانية أيام ، ثم يتوجهون إلى منى للحج ، وفي حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالات ربه ، الحديث ، أخرجه أحمد وغيره . 348 - حدثنا عثمان بن الهيثم ، أخبرنا ابن جريج قال عمرو بن دينار قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعثمان بن الهيثم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة أبو عمرو المؤذن البصري مات سنة عشرين ومائتين ، وهو من أفراد البخاري ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في البيوع عن عبد الله بن محمد ، وعلي بن عبد الله ، وفي التفسير عن محمد ، ثلاثتهم عن سفيان عنه به . قوله : " متجر الناس " بفتح الميم أي مكان تجارتهم ، وفي رواية ابن عيينة أسواقا في الجاهلية . قوله : " كأنهم " أي كأن المسلمين . قوله : " كرهوا ذلك " وفي رواية ابن عيينة " فكأنهم تأثموا " أي خشيوا الوقوع في الإثم للاشتغال في أيام النسك بغير العبادة . قوله : " حتى نزلت : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ " وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس قالوا : كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج يقولون : أيام ذكر ، فأنزل الله تعالى " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ " وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هيثم ، أخبرنا حجاج ، عن عطاء عن ابن عباس أنه قال : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ " في مواسم الحج ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده ، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس . قوله : " في مواسم الحج " هذه قراءة ابن عباس ، قال وكيع : حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج " ، ورواه عبد بن حميد عن محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن عبد الله بن أبي زيد سمعت ابن الزبير يقرأ فذكر مثله سواء ، وهكذا فسرها مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومنصور بن المعتمر ، وقتادة ، وإبراهيم النخعي ، والربيع بن أنس ، وغيرهم ، وقال الكرماني : قوله : " في مواسم الحج " كلام الراوي ذكره تفسيرا للآية الكريمة ، وقال بعضهم : فاته ما زاده المصنف في آخر حديث ابن عيينة في البيوع قرأها ابن عباس . ورواه ابن أبي عمر في مسنده عن ابن عيينة ، وقال في آخره : وكذلك كان ابن عباس يقرؤها انتهى . ( قلت ) : نعم ذهل الكرماني عن هذا ، ولكن قوله : ذكره تفسيرا للآية الكريمة ، له وجه لأن مجاهدا ومن ذكرناهم معه فسروها هكذا فجعلوها تفسيرا ، ولم يجعلوها قراءة ، ومع هذا على تقدير كونها قراءة فهي من القراءة الشاذة ، وحكمها عند الأئمة حكم التفسير ، وقال أحمد : حدثنا أسباط [10/105] أخبرنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا نكري فهل لنا من حج ؟ قال : أليس تطوفون بالبيت فتأتون المعرف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رؤوسكم ؟ قال : قلنا : بلى ، فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه حتى نزل جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ " فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم حجاج .
|