باب عمرة التنعيم

أي هذا باب في بيان العمرة من التنعيم هل يتعين لمن كان بمكة أم لا ، وإذا لم يتعين هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحل أم لا ، وتفسير التنعيم مر غير مرة .
361 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، سمع عمرو بن أوس ، أن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يردف عائشة ، ويعمرها من التنعيم . قال سفيان مرة : سمعت عمرا كم سمعته من عمرو .

مطابقته للترجمة في قوله : " ويعمرها من التنعيم " وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، وعمرو بن أوس بفتح الهمزة وسكون الواو ، وفي آخره سين مهملة الثقفي المكي .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن عبد الله بن محمد ، وأخرجه مسلم في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأخرجه الترمذي رضي الله عنه فيه عن يحيى بن موسى ، ومحمد بن يحيى بن أبي عمرو ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد ، وأخرجه ابن ماجه رحمه الله تعالى فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد .
( ذكر معناه ) : . قوله : " أن يردف " أي بأن يردف ، وأن مصدرية أي بالإرداف ، ومعناه أمره أن يركب عائشة أخته وراءه على ناقته . قوله : " ويعمرها " بضم الياء من الإعمار أي : وأن يعمرها ، وقال بعضهم : ويعمرها من التنعيم معطوف على قوله : " أمره أن يردف " وهذا يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم .
( قلت ) : هذا كلام عجيب لأن كون عطف يعمرها على قوله يردف لا يشك فيه أحد ، ولا نزاع فيه ، وقوله : وهذا يدل على أن إعمارها من التنعيم كأن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أعجب من ذاك ، لأن قوله : " ويعمرها " داخل في حكم أن يردف ، وأن يردف بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون قوله يعمرها أيضا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا صريح ، ولم يكتف هذا القائل بهذا حتى قال : وأصرح منه [10/120] ما أخرجه أبو داود من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم . الحديث . قوله : " سمعت عمرا " إنما قال هذا لأن فيه ثبوت السماع صريحا بخلاف الذي في السند المذكور لأنه معنعن ، حيث قال سفيان عن عمرو ، مع أن جميع معنعنات البخاري محمولة على السماع ، ووقع عند الحميدي عن سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، وقال سفيان : هذا مما يعجب شعبة يعني التصريح بالإخبار في جميع الإسناد .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن المعتمر المكي لا بد له من الخروج إلى الحل ثم يحرم منه ، وإنما عين التنعيم هنا دون المواضع التي خارج الحرم ، لأن التنعيم أقرب إلى الحل من غيرها ، وفي التوضيح : ويجزئ أقل الحل ، وهو التنعيم ، وأفضله عندنا الجعرانة ثم الحديبية ، وقال الطحاوي : وذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم ، وجعلوا التنعيم خاصة وقتا لعمرة أهل مكة ، وقالوا : لا ينبغي لهم أن يجاوزوه كما لا ينبغي لغيرهم أن يجاوزوا ميقاتا وقته لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : الوقت لأهل مكة الذي يحرمون منه بالعمرة الحل ، فمن أي الحل أحرموا أجزأهم ذلك ، والتنعيم وغيره عندهم في ذلك سواء ، واحتجوا بأنه قد يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم قصد إلى التنعيم في ذلك لقربه لا أن غيره لا يجزئ ، وقد روي من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن : احمل أختك فأخرجها من الحرم . قالت : والله ما ذكر الجعرانة ولا التنعيم ، فكان أدنى ما في الحرم التنعيم ، فأهللت بعمرة فأخبرت أنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد إلا الحل لا موضعا معينا ، وقصد التنعيم لقربه فثبت أن وقت أهل مكة لعمرتهم هو الحل ، وهو قول أبي حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي .
ومن ذلك ما استدل به على أن أفضل جهات الحل التنعيم ، ورد بأن إحرام عائشة رضي الله تعالى عنها من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهات الحل إلى الحرم كما ذكرنا لا أنه الأفضل .
ومن ذلك جواز الخلوة بالمحارم سفرا أو حضرا ، وإرداف المحرم لمحرمه معه فافهم .