|
362 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، عن حبيب المعلم ، عن عطاء قال : حدثني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل وأصحابه بالحج ، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة ، وكان علي قدم من اليمن ومعه الهدي ، فقال : أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ، ثم يقصروا ويحلوا إلا من معه الهدي ، فقالوا : ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت ، وأن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت ، قال : فلما طهرت وطافت قالت : يا رسول الله ، أتنطلقون بعمرة وحجة ، وأنطلق بالحج ، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم ، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة ، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالعقبة ، وهو يرميها ، فقال : ألكم هذه خاصة يا رسول الله ، قال : لا بل للأبد .
مطابقته للترجمة في قوله : " فأمر عبد الله بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم " ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعطاء هو ابن أبي رباح المكي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التمني عن الحسن بن عمر هو ابن شقيق عن يزيد بن زريع عن عطاء ، وأخرجه أبو داود في الحج أيضا عن أحمد بن حنبل عن عبد الوهاب الثقفي به . قوله : " وطلحة " هو ابن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني أبو محمد أحد المشهود لهم بالجنة ، وهو عطف على النبي صلى الله عليه وسلم ، أي : وغير طلحة ، والحاصل أنه لم يكن هدي إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع طلحة فقط . ( فإن قلت ) : ما تقول فيما رواه أحمد ومسلم وغيرهما [10/121] من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ، عن عائشة أن الهدي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، وذوي اليسار . وروى البخاري أيضا على ما سيأتي من طريق أفلح عن القاسم بلفظ " ورجال من أصحابه ذوي قوة " الحديث ، وهذا يخالف ما رواه جابر رضي الله تعالى عنه . ( قلت ) : التوفيق بينهما بأن يحمل على أن كلا منهما قد ذكر ما شاهده ، واطلع عليه ، وقد روى مسلم أيضا من طريق مسلم القري بضم القاف وتشديد الراء ، عن ابن عباس في هذا الحديث : وكان طلحة ممن ساق الهدي فلم يحل ، وهذا يشهد لحديث جابر في ذكر طلحة في ذلك ، ويشهد أيضا لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في أن طلحة لم ينفرد بذلك ، وداخل في قولها " وذوي اليسار " وروى مسلم أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر أن الزبير كان ممن كان معه هدي . قوله : " وكان علي قدم من اليمن " وفي رواية ابن جريج عن عطاء عند مسلم " من سعايته " قوله : " ومعه الهدي " جملة وقعت حالا . قوله : " أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويروى " بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم " وفي رواية ابن جريج عن عطاء عن جابر ، وعن ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس في هذا الحديث عند البخاري في الشركة " فقال أحدهما يقول : لبيك بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخر : لبيك بحجة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فأمره أن يقيم على إحرامه وإشراكه في الهدي " وقد مضى بيان ذلك في باب من أهل في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإهلال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . قوله : " وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة " زاد ابن جريج عن عطاء فيه " وأصيبوا النساء ، قال عطاء : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن لهم " يعني إتيان النساء لأن من لازم الإحلال إباحة إتيان النساء ، وقد مضى البحث فيه في آخر باب التمتع والقران . قوله : " أن يجعلوها " الضمير فيه يرجع إلى الحج في قوله : " أهل وأصحابه بالحج " إلا أنه أنثه باعتبار الحجة . قوله : " يطوفوا بالبيت " . . . . قوله : " ثم يقصروا " عطف على " يطوفوا " وقوله " ويحلوا " عطف على ما قبله إلا من كان معه الهدي فلا يحل ، وفي رواية مسلم " قال عطاء : قال جابر : فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل . قال عطاء : قال : حلوا وأصيبوا النساء . قال عطاء : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن لهم ، فقلنا : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا بالمني ، قال : يقول جابر بيده : كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها ، قال : فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فينا ، فقال : قد علمتم أني أتقاكم لله ، وأصدقكم ، وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا ، فحللنا وسمعنا وأطعنا . الحديث . قوله : " فقالوا " أي أصحابه . قوله : " وذكر أحدنا يقطر " جملة حالية أي يقطر بالمني ، إنما قالوا ذلك لأنه شق عليهم أن يحلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محرم ، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ويتركوا الاقتداء به ، وقال الطيبي : ولعلهم إنما شق عليهم لإفضائهم إلى النساء قبل انقضاء المناسك . قوله : " فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم " أي بلغه ما قالوا من القول المذكور . قوله : " فقال " أي النبي صلى الله عليه وسلم قال تطييبا لقلوبهم " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت " أي لو علمت في الأول ما علمت في الآخر ما سقت الهدي وأحللت وتمتعت ، والمقدمة الأولى للتمني عما فات ، والثانية لحكم الحال ، وقال ابن الأثير : أي لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخرا لأمرتكم به في أول أمري . قوله : " وأن عائشة حاضت " عطف على أن المذكورة في أول الحديث ، وكان حيضها بسرف قبل دخولهم مكة ، وفي رواية مسلم عن أبي الزبير " عن جابر أن دخول النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، وشكواها ذلك له كان يوم التروية " ، وروى مسلم أيضا من طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها كان بعرفة ، وفي رواية القاسم عنها " وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى " وله من طريق آخر " فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفنا بالبيت " الحديث ، واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر . قوله : " وأن سراقة " عطف على أن التي قبله ، وسراقة بضم السين المهملة وتخفيف الراء وبالقاف ، ابن مالك بن جعشم بضم الجيم والشين المعجمة وسكون العين ، بينهما الكناني المدلجي ، مر في باب من أهل في زمن النبي [10/122] صلى الله عليه وسلم . قوله : " وهو بالعقبة " جملة حالية أي والنبي صلى الله عليه وسلم كان بعقبة منى . قوله : " وهو يرميها " جملة حالية أيضا أي والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يرمي جمرة العقبة . قوله : " فقال " أي سراقة . قوله : " ألكم هذه " أي هذه الفعلة ، وهي جعل الحج عمرة أو العمرة في أشهر الحج ، والألف في " ألكم " للاستفهام على سبيل الاستخبار ، أراد أن هذه الفعلة مخصوصة بكم في هذه السنة ، أو لكم ولغيركم أبدا ، فأجاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله " للأبد " وفي رواية يزيد بن زريع " لنا هذه خاصة " ، وفي رواية جعفر عند مسلم " فقام سراقة فقال يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم للأبد ، فشبك أصابعه واحدة في الأخرى ، وقال : دخلت العمرة في الحج مرتين ، لا ، بل لأبد الأبد " . وقال النووي : اختلف العلماء في معناه على أقوال أصحها وبه قال جمهورهم : معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج . والثاني : معناه جواز القران ، وتقدير الكلام : دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إلى يوم القيامة . والثالث : تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست واجبة ، قالوا : معناه سقوط العمرة ، ومعنى دخولها في الحج سقوط وجوبها ، وهذا ضعيف أو باطل ، وسياق الحديث يقتضي بطلانه . والرابع : تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه جواز فسخ الحج إلى العمرة ، وهذا أيضا ضعيف ، ورد هذا بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل ، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ ، وفيه نظر . وقال النووي أيضا : اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة تلك السنة خاصة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة ، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ، ويتحلل بأعمالها ، وقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وجماهير العلماء من السلف والخلف : هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها ، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج ، ومما يستدل به للجماهير حديث أبي ذر الذي رواه مسلم : كانت في الحج لأصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة يعني فسخ الحج إلى العمرة ، وروى النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال : " قلت : يا رسول الله ، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة ، فقال : بل لنا خاصة " ، وأما الذي في حديث سراقة " ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال : لا بل للأبد " فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج والقران كما ذكرناه . ومن فوائد الحديث المذكور جواز التمتع ، وتعليق الإحرام بإحرام الغير ، وجواز قول لو في التأسف على فوات أمور الدين والمصالح ، وأما الحديث في أن لو تفتح عمل الشيطان فمحمول على التأسف في حظوظ الدنيا .
|