|
[10/184] 405 - ( حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : حدثني إبراهيم عن الأسود عن عبد الله رضي الله عنه قال : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزل عليه : وَالْمُرْسَلاتِ وإنه ليتلوها ، وإني لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها ، إذ وثبت علينا حية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتلوها فابتدرناها فذهبت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وقيت شركم كما وقيتم شرها ) .
مطابقته للترجمة في قوله ( اقتلوها ) ؛ فإن قلت : الترجمة فيما يقتل المحرم ، وليس فيه ما يدل على أنه أمر بقتل الحية في حالة الإحرام . قلت : كان ذلك في ليلة عرفة ، وبذلك صرح الإسماعيلي في روايته من طريق ابن نمير عن حفص بن غياث ، وقوله ( في غار بمنى ) يدل على أنه كان في الحرم ، وعند ابن خزيمة من رواية أبي كريب " عن حفص بن غياث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرما بقتل حية في الحرم بمنى " . ورجال الحديث قد مروا غير مرة ، والأعمش هو سليمان ، وإبراهيم هو النخعي ، والأسود هو ابن يزيد ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن قتيبة عن جرير ، وعن عمر بن حفص أيضا ، وقال في التفسير وغيره ، وقال حفص وأبو معاوية وسليمان بن قرم أربعتهم عن الأعمش عنه به ، وأخرجه مسلم في الحيوان عن عمر بن حفص به ، وعن قتيبة وعثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير به ، وعن يحيى بن يحيى ، وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب ، وإسحاق بن إبراهيم أربعتهم عن أبي معاوية به ، وفي الحج عن أبي كريب عن حفص بن غياث ببعضه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل حية بمنى ، وأخرجه النسائي في الحج ، وفي التفسير عن أحمد بن سليمان الرهاوي عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث به . قوله ( بينما ) قد ذكرنا غير مرة أن بينما وبينا ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ، ومبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وجوابه هنا هو ؛ قوله ( إذ نزل عليه ) ، والأفصح أن لا يكون فيه إذ وإذا ، وقد جاء أحدهما في الجواب كثيرا ؛ قوله ( إذ نزل عليه ) أي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله وَالْمُرْسَلاتِ أي سورة ، والمرسلات وهو فاعل لقوله ( نزل ) ، والفعل إذا أسند إلى مؤنث غير حقيقي يجوز فيه التذكير والتأنيث ؛ قوله ( وإني لأتلقاها ) أي لأتلقنها ؛ قوله ( من فيه ) أي من فمه ؛ قوله ( وإن فاه ) أي وإن فمه ؛ قوله ( لرطب بها ) أي لم يجف ريقه بها ، وقال التيمي : الرطب عبارة عن الغض الطري كأن معناها قبل أن يجف ريقه بها ؛ قوله ( إذ وثبت ) كلمة إذ للمفاجأة ؛ قوله ( فابتدرناها ) أي أسرعنا إلى أخذها ، وهو من بدرت إلى الشيء أبدر بدورا أسرعت ، وكذلك بادرت إليه ، ويقال : ابتدروا السلاح أي تسارعوا إلى أخذه ؛ قوله ( وقيت ) أي حفظت ومنعت ؛ قوله ( شركم ) بالنصب لأنه مفعول ثان للفعل المجهول أي إن الله سلمها منكم كما سلمكم منها ، ولم يلحقها ضرركم كما لم يلحقكم ضررها ؛ قوله ( كما وقيتم ) على صيغة المجهول أيضا ، وشرها بالنصب مفعول ثان له . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الأمر بقتل الحية سواء كان محرما أو حلالا أو في الحرم ، والأمر مقتضاه الوجوب ، وقال ابن بطال : أجمع العلماء على جواز قتل الحية في الحل والحرم ؛ قال : وأجاز مالك قتل الأفعى ، وهي داخلة عنده في معنى الكلب العقور ، وقال ابن المنذر : لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب ، وقال نافع لما قيل : فالحية لا يختلف فيها ، وفي رواية : " ومن يشك فيها " ورد عليه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادا فقالا : لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب ، قال : ومن حجتهما أنهما من هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام . قلت : نعم يباح قتل سائر الهوام القتالة كالرتيلاء وأم الأربعة والأربعين ، والسام الأبرص ، والوزغة ، والنمل المؤذية ، ونحوها ، وأما نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن قتل حيات البيوت ، فقد اختلف السلف قبلنا في ذلك ، فقال بعضهم بظاهر الأمر يقتل الحيات كلها من غير استثناء شيء منها كما روى أبو إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه " عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلوا الحيات كلهن ، فمن خاف ثأرهن فليس مني " ، وروى أيضا هذا عن عمرو ابن مسعود ، وقال أبو عمر : روى شعبة عن مخارق بن عبد الله عن طارق بن شهاب قال : اعتمرت فمررت بالرمال فرأيت حيات فجعلت أقتلهن ، " وسألت عمر فقال : هن عدو فاقتلوهن " ؛ قال ابن عيينة : سمعت الزهري يحدث عن سالم عن أبيه أن عمر سئل عن الحية يقتلها المحرم فقال : [10/185] هي عدو فاقتلوها حيث وجدتموها ، وقال زيد بن أسلم : أي كلب أعقر من الحية ، وقال آخرون : لا ينبغي أن تقتل عوامر البيوت وسكانها إلا بعد مناشدة العهد الذي أخذ عليهن فإن ثبت بعد إنشاده قتل ، وذلك حذار الإصابة فيلحقه ما لحق الفتى المعرس بأهله حيث وجد حية على فراشه فقتلها قبل مناشدته إياها ، واعتلوا في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا : " إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فإن رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه " ، ولا تخالف بينهما ، وربما تمثل بعض الجن ببعض صور الحيات فيظهر لأعين بني آدم كما روى ابن أبي مليكة " عن عائشة بنت طلحة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها رأت في مغتسلها حية فقتلتها فأتيت في منامها فقيل لها : إنك قتلت مسلما ، فقالت : لو كان مسلما ما دخل على أمهات المؤمنين فقيل : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك ، فأصبحت فزعة ففرقت في المساكين اثني عشر ألفا " ؛ قال ابن نافع : لا تنذر عوامر البيوت إلا بالمدينة خاصة على ظاهر الحديث ، وقال مالك : تنذر بالمدينة وغيرها وهو بالمدينة أوجب ، ولا تنذر في الصحارى ، وقال غيره بالسوية بين المدينة وغيرها لأن العلة إسلام الجن ، ولا يحل قتل مسلم جني ولا إنسي ، ومما يؤكد قتل الحية ما ذكره البخاري في هذا الباب عن ابن مسعود ، وعند الدارقطني من حديث ذر " عن عبد الله من قتل حية أو عقربا فقد قتل كافرا " ، وقال : الموقوف أشبه بالصواب .
|