بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الصوم


أي : هذا كتاب في بيان أحكام الصيام هذا هكذا في رواية النسفي ، وفي رواية الأكثرين ، كتاب الصوم ، وثبتت البسملة للجميع ، ثم الكلام هاهنا من وجوه : الأول : ما وجه تأخير كتاب الصوم ، وذكره آخر كتب العبادات ؟ وهو أن العبادات التي هي أركان الإيمان أربعة : الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، قدمت الصلاة لكونها تالية الإيمان ، ثانيته في الكتاب والسنة ، أما الكتاب فقول الله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - : " بني الإسلام على خمس " الحديث .
ثم ذكرت الزكاة عقيبها لأنها ثانية الصلاة ، وثالثة الإيمان في الكتاب والسنة كما ذكرناه ، ثم ذكر الحج ؛ لأن العبادات الأربعة بدنية محض ، وهي الصلاة والصوم ، ومالية محض وهي الزكاة ، ومركبة منهما وهو الحج ، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من واد واحد ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا ، ثم إن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب الزكاة ، فلا مناسبة بينهما ، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم ، وذكره في الأخير هو الأوجه والأنسب ؛ لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال ، كل منهما على بذل المال ، ولم يبق للصوم موضع إلا في الأخير .
الوجه الثاني : في تفسير الصوم لغة وشرعا ، وهو في اللغة : الإمساك ، قال الله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أي صمتا وسكوتا ، وكان مشروعا عندهم ألا ترى إلى قولها : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وقال النابغة الذبياني :
خيل صيام وخيل غير صائمة
تحب العجاج وأخرى تعلك اللجما

أي قائمة على غير علف ، قاله الجوهري ، وقال ابن فارس : ممسكة عن السير ، وفي المحيط وغيره ممسكة عن الاعتلاف ، وصام النهار إذا قام قيام الظهيرة ، وقال : صام النهار وهجرا ، يعني قام قائم الظهيرة ، وقال أبو عبيد كل ممسك عن طعام ، أو كلام أو سير صائم والصوم ركود الريح ، والصوم البيعة ، والصوم ذرق الحمام ، وسلخ النعامة ، والصوم اسم شجر ، وفي المحيط : صام صوما وصياما واصطام ، ورجل صائم وصوم ، وقوم صوام وصيام وصوم وصيم ، وصيم عن سيبويه كسروا الصاد لمكان الياء ، وصيام وصيامى الأخيرة نادرة ، وصوم وهو اسم للجمع ، وقيل : هو جمع صائم ، ونساء صوم ، وفي الصحاح ورجل صومان .
وأما في الشرع : فالصوم : هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وما هو ملحق به من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ، وقال ابن سيده : الصوم : ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام ، وقال ابن العربي : وقع الصوم في عرف الشرع على إمساك مخصوص في زمن مخصوص مع النية ، وقال ابن قدامة : هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس .
وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه لما صلى الفجر قال : الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وعن ابن مسعود نحوه ، وقال مسروق : لم يكونوا يعدون الفجر محرما ، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق ، وهذا قول الأعمش ، وقال ابن عساكر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن بلالا يؤذن بليل دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح ، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر ، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش ، ولم يعرج أحد على قوله لشذوذه .
( قلت ) : قد نقل قول جماعة من السلف بموافقة الأعمش ، وعن ذر قلنا لحذيفة : أية ساعة تسحرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : [10/254] هي النهار إلا أن الشمس لم تطلع ، رواه النسائي قيل : هو مبالغة في تأخير السحور .
الوجه الثالث : اختلفوا في أي صوم وجب في الإسلام أولا ؟ فقيل : صوم عاشوراء ، وقيل : ثلاثة أيام من كل شهر ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، رواه البيهقي ، ولما فرض رمضان خير بينه وبين الإطعام ، ثم نسخ الجميع بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ونزلت فريضة رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة ، فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات ، وقيل : اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا ؟ فالجمهور ، وهو المشهور عند الشافعية أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان ، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء ، فلما نزل رمضان نسخ ، والله أعلم .
( باب وجوب صوم رمضان )

أي : هذا باب في بيان وجوب صوم شهر رمضان ، وهكذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية النسفي باب وجوب صوم رمضان وفضله .
وقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا

هذا أيضا من الترجمة ، وقول مجرور ؛ لأنه عطف على قوله : " وجوب الصوم " ، وأشار بإيراد هذه الآية الكريمة إلى أمور تتضمن هذه الآية ، وهي فرضية صوم رمضان بقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا وأنه كان فرضا من قبلنا من الأمم ، وأن الصوم وصلة إلى التقى ؛ لأنه من البر الذي يكف الإنسان عن كثير مما تطلع له النفس من المعاصي .
وفيه تزكية للبدن ، وتضييق لمسالك الشيطان ، كما ثبت في الصحيحين : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .
ثم إنهم تكلموا في هذا التشبيه ، وهو قوله : كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فقيل : إنه تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر الواجب ، وكان الصوم على آدم عليه الصلاة والسلام أيام البيض ، وصوم عاشوراء على قوم موسى - عليه الصلاة والسلام - وكان على كل أمة صوم ، والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه كما في قوله – صلى الله عليه وسلم - : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " ، وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ، وقيل : هذا التشبيه في الأصل والقدر والوقت جميعا ، وكان على الأولين صوم رمضان ، لكنهم زادوا في العدد ، ونقلوا من أيام الحر إلى أيام الاعتدال .
وعن الشعبي : إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا ، فحولوه إلى الفصل ، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ ، فعدوا ثلاثين يوما ، ثم جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثقة في أنفسهم ، فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها ، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صارت إلى خمسين .
وقال الطبري : وقال آخرون بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة ، وكان ذلك فرض على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم .
وقال السدي : النصارى كتب عليهم رمضان ، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان ، فاشتد ذلك على النصارى ، وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف ، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف ، وقالوا : نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا ، فجعلوا صيامهم خمسين يوما ، فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى ، حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة ، وعمر- رضي الله تعالى عنهما - ما كان ، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر .
وفي تفسير ابن أبي حاتم عن الحسن قال : والله لقد كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتبه علينا شهرا كاملا ، وفي تفسير القرطبي عن قتادة كتب الله تعالى على قوم موسى ، وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - صيام رمضان فغيروا ، وزاد أحبارهم عشرة أيام أخرى ، ثم مرض بعض أحبارهم ، فنذر إن شفي أن يزيد في صومهم عشرة أيام أخرى ففعل ، فصار صوم النصارى خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر ، فنقلوه إلى الربيع قال : واختار هذا القول النحاس [10/255] وأسند فيه حديثا يدل على صحته .
( فإن قلت ) : لم يعلم من هذه الآية إلا أصل فرضية الصوم ، ولم يعلم العدد ، ولا كونه في شهر رمضان ، ( قلت ) : لما علم فيها أصل الفرض نزل قوله : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فعلم من ذلك أن الفرض أيام معدودات ، ولما نزل : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ علم أن ذلك العدد هو ثلاثون يوما ؛ لأنه فرض في رمضان ، والشهر ثلاثون يوما ، وإن نقص فحكمه حكمه ، وعن هذا قالوا : إن الشهر مرفوع على أنه بدل من قوله : الصِّيَامُ في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان ، أو على أنه بدل من قوله : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وانتصاب أياما على الظرفية : أي كتب عليكم الصيام في أيام معدودات ، وبينها بقوله : شَهْرُ رَمَضَانَ
( فإن قلت ) : ما الحكمة في التنصيص على الثلاثين التي هي الشهر الكامل ؟ ( قلت ) : قالوا : لما أكل - آدم عليه السلام - من الشجرة التي نهي عنها بقي شيء من ذلك في جوفه ثلاثين يوما ، فلما تاب الله عليه أمره بصيام ثلاثين يوما بلياليهن ، ذكره في خلاصة البيان في تلخيص معاني القرآن .
1 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن أبي سهيل ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس ، فقال : يا رسول الله ، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة ؟ فقال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا ، فقال : أخبرني ما فرض الله علي من الصيام ؟ فقال : شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا ، فقال : أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة ؟ فقال : فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرائع الإسلام ، قال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق .

مطابقته للترجمة في قوله : " أخبرني ما فرض الله علي من الصيام ؟ فقال : شهر رمضان " ، وهذا الحديث قد مضى في كتاب الإيمان في باب الزكاة من الإسلام ، فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل ، عن مالك بن أنس ، عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنه - الحديث ، ولا يخلو عن زيادة ونقصان في المتن ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى ، وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري المدني ، وقد تقدم في كتاب الإيمان ، وأبو سهيل مصغر السهل نافع بن مالك بن عامر مر في باب علامات المنافق ، وأبوه مالك بن أبي عامر ، أو أنس الأصبحي المدني جد مالك بن أنس ، وطلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرة .
قوله : " ثائر الرأس " بالثاء المثلثة : أي منتفش شعر الرأس ، ومنتشره ، قوله : " أن تطوع " بتخفيف الطاء وتشديدها ، والاستثناء منقطع ، وقيل : متصل ، قوله : " بشرائع الإسلام " : أي بنصب الزكاة ومقاديرها ، وغير ذلك مما يتناول الحج وأحكامه ، ويحتمل أن الحج حينئذ لم يكن مفروضا مطلقا ، أو على السائل ومفهوم قوله : " إن صدق " أنه إذا تطوع لا يفلح مفهوم المخالفة ، فلا اعتبار به ؛ لأن له مفهوم الموافقة ، وهو أنه إذا تطوع يكون مفلحا بالطريق الأولى ، وهو مقدم على مفهوم المخالفة .