|
باب اغتسال الصائم
أي هذا باب في بيان حكم الاغتسال للصائم وهو جوازه ، قيل : إنما أطلق الاغتسال ليشمل جميع أنواعه من الفرض والسنة وغيرهما ، وقال بعضهم : وكأنه يشير إلى ضعف ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه من النهي عن دخول الصائم الحمام ، أخرجه عبد الرزاق ، وفي إسناده ضعف ، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم . انتهى . قلت : قوله : كأنه يشير كلام كاد أن يكون عبثا لأنه لا يصح أن يراد بالإشارة معناها اللغوي ولا معناها الاصطلاحي ، وقوله : واعتمده الحنفية غير صحيح على إطلاقه؛ لأن قوله كرهوا الاغتسال للصائم رواية عن أبي حنيفة غير معتمد عليها ، والمذهب المختار أنه لا يكره ذكره الحسن عن أبي حنيفة نبه عليه صاحب الواقعات ، وذكر في الروضة وجوامع الفقه : لا يكره الاغتسال وبل الثوب وصب الماء على الرأس للحر وروى أبو داود بسند صحيح عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " لقد رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من الحر أو من العطش " ، وفي المصنف حدثنا أزهر ، عن ابن عون كان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يبل الثوب ثم يلقيه على وجهه ، وحدثنا يحيى بن سعيد ، عن عثمان بن أبي العاص أنه كان يصب عليه الماء ويروح عنه وهو صائم . وبل ابن عمر رضي الله عنهما ثوبا فألقاه عليه وهو صائم .
مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الثوب المبلول إذا ألقي على البدن بل البدن فيشبه البدن الذي سكب عليه الماء . قوله : " فألقاه عليه " ، رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : " فألقي عليه " على صيغة المجهول ، فكأنه أمر غيره وألقاه عليه . قوله : " وهو صائم " جملة وقعت حالا ، هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن أبي عثمان قال : " رأيت ابن عمر يبل الثوب ثم يلقيه عليه " وقال بعضهم وأراد البخاري بأثر ابن عمر هذا معارضة ما جاء عن إبراهيم النخعي بأقوى منه ، فإن وكيعا روى عن الحسن بن صالح ، عن مغيرة عنه أنه كان يكره للصائم بل الثياب . قلت : هذا كلام صادر من غير تأمل فإنه اعترف أن الذي رواه إبراهيم أقوى من الذي ذكره البخاري معلقا ، فكيف تصح المعارضة حينئذ ، بل الذي يقال إنه أراد به الإشارة إلى ما روي عن ابن عمر من فعله ذلك فافهم . ودخل الشعبي الحمام وهو صائم .
[11/12] مطابقته للترجمة ظاهرة ، والشعبي هو عامر بن شراحيل ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة ، عن الأحوص ، عن أبي إسحاق قال : رأيت الشعبي يدخل الحمام وهو صائم . وقال ابن عباس : لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء .
مطابقته للترجمة من حيث إن التطعم من الشيء الذي هو إدخال الطعام في الفم من غير بلع لا يضر الصوم ، فإيصال الماء إلى البشرة بالطريق الأولى أن لا يضر ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بلفظ : " لا بأس أن يتطاعم القدر " ورواه البيهقي عن العمري أنبأنا عبد الله الشريحي ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجدع أنبأنا شريك ، عن سليمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ولفظه : " لا بأس أن يتطاعم الصائم بالشيء " يعني المرقة ونحوها . قوله : " أن يتطعم القدر " بكسر القاف وهو الظرف الذي يطبخ فيه الطعام ، والتقدير من طعام القدر ، وأراد بقوله أو الشيء أي شيء كان من المطعومات ، وهو من عطف العام على الخاص ، وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عطاء عنه قال : لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم ، وعن الحسن : لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه ويمجه ، وعن مجاهد وعطاء : لا بأس أن يتطعم الطعام من القدر ، وعن الحكم نحوه ، وفعله عروة ، وفي التوضيح وعندنا يستحب له أن يحترز عن ذوق الطعام خوف الوصول إلى حلقه ، وقال الكوفيون : إذا لم يدخل حلقه لا يفطر وصومه تام ، وهو قول الأوزاعي ، وقال مالك : أكرهه ولا يفطره إن لم يدخل حلقه ، وهو مثل قولنا ، وقال ابن عباس : لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيها الطعام وهو قول الحسن البصري والنخعي ، وكرهه مالك والثوري والكوفيون إلا لمن لم يجد بدا من ذلك ، وبه صرح أصحابنا ، وفي المحيط : ويكره الذوق للصائم ولا يفطره ، وفيه : لا بأس أن يذوق الصائم العسل أو الطعام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كيلا يغبن فيه متى لم يذقه ، وهو المروي عن الحسن البصري ، ولا بأس للمرأة أن تمضغ الطعام لصبيها إذا لم تجد منه بدا . وقال الحسن : لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم .
مطابقته للترجمة : من حيث إن المضمضة جزء للغسل ، وقال بعضهم : وهذا التعليق وصله عبد الرزاق بمعناه . قلت : لم يبين ذلك ، بل روى عنه ابن أبي شيبة خلاف ذلك فقال : حدثني عبد الأعلى ، عن هشام ، عن الحسن أنه كان يكره أن يمضمض الرجل إذا أفطر وإذا أراد أن يشرب . قوله : " والتبرد " أعم من أن يكون في سائر جسده أو في بعضه مثل ما إذا تبرد بالماء على وجهه أو على رجليه . وقال ابن مسعود : إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهينا مترجلا .
ذكر في وجه مطابقته للترجمة وجوه : الأول : أن الادهان من الليل يقتضي استصحاب أثره في النهار ، وهو مما يرطب الدماغ ويقوي النفس ، فهو أبلغ من الاستعانة ببرد الاغتسال لحظة من النهار ثم يذهب أثره . قلت : هذا بعيد جدا لأن الأدهان في نفسها متفاوتة ، وما كل دهن يرطب الدماغ بل فيها ما يضره يعرفه من ينظر في علم الطب ، وقوله أبلغ من الاستعانة إلى آخره غير مسلم لأن الاغتسال بالماء لتحصيل البرودة والدهن يقوي الحرارة وهو ضد ذاك ، فكيف يقول هو أبلغ إلى آخره . الوجه الثاني : قاله بعضهم إن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام ، كما ورد مثله في الحج والادهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال . قلت : هذا أبعد من الأول : لأن الترجمة في جواز الاغتسال لا في منعه ، وكذلك أثر ابن مسعود في الجواز لا في المنع ، فكيف يجعل الجواز مناسبا للمنع . الوجه الثالث : ما قيل أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم لأنه إن كرهه خشية وصول الماء إلى حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة وبالسواك وبذوق القدر ونحو ذلك ، وإن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل والادهان والكحل ونحو ذلك . قلت : هذا أقرب إلى القبول ، ولكن تحقيقه أن يقال : إن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصائم ، وهو في ضيافة الله تعالى ينتظر المائدة ، ومن حاله هذه يحسن له التطهر والتنظف ، [11/13] والتطيب وهذه تحصل بالاغتسال والادهان والترجل . قوله : " دهينا " على وزن فعيل بمعنى مفعول أي مدهونا . قوله : " مترجلا " من الترجل وهو تسريح الشعر وتنظيفه ، وكذلك الترجيل ، ومنه أخذ المرجل وهو المشط ، وروي عن قتادة أنه قال : يستحب للصائم أن يدهن حتى يذهب عنه غبرة الصوم ، وأجازه الكوفيون والشافعي رضي الله تعالى عنه وقال : لا بأس أن يدهن الصائم شاربه ، وممن أجاز الدهن للصائم مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ ذكره ابن حبيب وكرهه ابن أبي ليلى . وقال أنس : إن لي أبزنا أتقحم فيه وأنا صائم .
مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الدخول في الأبزن فوق الاغتسال ، والأبزن بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي ، وفي آخره نون وهو الحوض ، وقال ابن قرقول مثل الحوض الصغير من فخار ونحوه ، وقيل : هو حجر منقور كالحوض ، وقال أبو ذر : كالقدر يسخن فيه الماء وهو فارسي معرب؛ ولذلك لا يصرف ، وفي المحكم هو شيء يتخذ من الصفر للماء له جوف ، وفي كتاب لغة المنصوري لابن الحشا ومن خطه أبزن ضبطه بالكسر قال : وهو مستنقع يكون أكثر ذلك في الحمام ، وقد يكون في غيره ويتخذ من صفر ومن خشب ، وقال صاحب التلويح : الذي قرأته على جماعة من فضلاء الأطباء وعد جماعة أبزن بضم الهمزة . قوله : " أتقحم فيه " أي أدخل ومادته قاف وحاء مهملة وميم . قوله : " وأنا صائم " جملة حالية ، وهذا التعليق وصله قاسم بن ثابت في غريب الحديث له من طريق عيسى بن طهمان سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول : إن لي أبزن إذا وجدت الحر تقحمت فيه وأنا صائم . ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استاك وهو صائم .
مطابقته للترجمة : من حيث إنه يحصل به تطهير الفم كما ورد في الحديث : " السواك مطهرة للفم " كما يحصل التطهير للبدن بالاغتسال ، فمن هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة ، وبين الحديث الذي ذكره بصيغة التمريض ، فإن قلت : في استنان الصائم إزالة الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك . قلت : إنما مدح النبي صلى الله عليه وسلم الخلوف نهيا للناس ، عن تعزز مكالمة الصائمين بسبب الخلوف لا نهيا للصوام عن السواك والله غني عن وصول الرائحة الطيبة إليه ، فعلمنا يقينا أنه لم يرد بالنهي استبقاء الرائحة ، وإنما أراد نهي الناس عن كراهتها ، وروى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله : " عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم " ثم قال : حديث عامر بن ربيعة حديث حسن وأخرجه أبو داود أيضا ، عن محمد بن الصباح ، عن شريك وعن مسدد ، عن يحيى ، عن سفيان كلاهما ، عن عاصم ولفظه : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم " ، زاد في رواية : " ما لا أعد ولا أحصي " ، قال صاحب الإمام : ومداره على عاصم بن عبيد الله . قال : البخاري : منكر الحديث وقال النووي في الخلاصة بعد أن حكى عن الترمذي أنه حسنه : لكن مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور فلعله اعتضد . انتهى . وقال المزي : وأحسن ما قيل فيه قول العجلي : لا بأس به ، وقول ابن عدي هو مع ضعفه يكتب حديثه ، وقال البيهقي بعد تخريجه عاصم بن عبيد الله ليس بالقوي . ولما روى الترمذي حديث عامر بن ربيعة قال : وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها . قلت : حديث عائشة رواه ابن ماجه والبيهقي من رواية أبي إسماعيل المؤدب واسمه إبراهيم بن سليمان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من خير خصال الصائم السواك " ومجالد بن سعيد ضعفه الجمهور ووثقه النسائي وروى له مسلم مقرونا بغيره . قلت : وفي الباب أيضا عن أنس وحبان بن المنذر وخباب بن الأرت وأبي هريرة ، فحديث أنس رواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي إسحاق الخوارزمي قاضي خوارزم قال : سألت عاصما الأحول فقلت : أيستاك الصائم ؟ فقال : نعم . فقلت : برطب السواك ويابسة ؟ قال : نعم . قلت : أول النهار وآخره ؟ قال : نعم . قلت : عمن ؟ قال : عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الدارقطني أبو إسحاق الخوارزمي ضعيف يبلغ عن عاصم الأحول بالمناكير لا يحتج به . انتهى . [11/14] ورواه النسائي في كتاب الأسماء والكنى في ترجمة أبي إسحاق وقال : اسمه إبراهيم بن عبد الرحمن منكر الحديث . وحديث حبان بن المنذر رواه أبو بكر الخطيب نحو حديث خباب بن الأرت . وحديث خباب بن الأرت رواه الطبراني والدارقطني والبيهقي من طريقه من رواية كيسان أبي عمر القصاب ، عن عمر بن عبد الرحمن ، عن خباب ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة " ، قال الدارقطني : كيسان أبو عمر ليس بالقوي ، وقد ضعفه يحيى بن معين والساجي . وحديث أبي هريرة رواه البيهقي من رواية عمر بن قيس ، عن عطاء : " عن أبي هريرة قال : لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " ، وعمر بن قيس هو الملقب بسندل مكي متروك قاله أحمد والنسائي وغيرهما ، ولكن الحديث المرفوع منه صحيح أخرجه البخاري ومسلم من رواية الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . وأما استدلال أبي هريرة به على السواك فليس في الصحيح ، وأما حكم السواك للصائم فاختلف العلماء فيه على ستة أقوال : الأول : أنه لا بأس به للصائم مطلقا قبل الزوال وبعده ، ويروى عن علي وابن عمر أنه لا بأس بالسواك الرطب للصائم ، ورواه ذلك أيضا عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وابن علية ، ورويت الرخصة في السواك للصائم عن عمر وابن عباس ، وقال ابن علية : السواك سنة للصائم والمفطر والرطب واليابس سواء . الثاني : كراهيته للصائم بعد الزوال واستحبابه قبله برطب أو يابس ، وهو قول الشافعي في أصح قوليه وأبي ثور ، وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه كراهة السواك بعد الزوال رواه الطبراني . الثالث : كراهته للصائم بعد العصر فقط ، ويروى عن أبي هريرة . الرابع : التفرقة بين صوم الفرض وصوم النفل فيكره في الفرض بعد الزوال ولا يكره في النفل لأنه أبعد عن الرياء حكاه المسعودي ، عن أحمد بن حنبل ، وحكاه صاحب المعتمد من الشافعية عن القاضي حسين . الخامس : أنه يكره السواك للصائم بالسواك الرطب دون غيره سواء أول النهار وآخره ، وهو قول مالك وأصحابه ، وممن روي عنه كراهة السواك الرطب للصائم الشعبي وزياد بن حدير وأبو ميسرة والحكم بن عتيبة وقتادة . السادس : كراهته للصائم بعد الزوال مطلقا وكراهة الرطب للصائم مطلقا وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه . وقال ابن عمر يستاك أول النهار وآخره ولا يبلع ريقه .
مطابقته للترجمة : مثل مطابقة الحديث السابق ، وهذا التعليق روى معناه ابن أبي شيبة ، عن حفص ، عن عبيد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر بلفظ : " كان يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظهر وهو صائم " . وقال عطاء : إن ازدرد ريقه لا أقول : يفطر .
أي قال عطاء بن أبي رباح في أثر ابن عمر المذكور : إن ازدرد ، أي : إن ابتلع ريقه بعد التسوك لا يفطر ، وأصل ازدرد ازترد ؛ لأنه من زرد إذا بلع ، فنقل إلى باب الافتعال ، فصار ازترد ، ثم قلبت التاء دالا ، فصار : ازدرد . وقال ابن سيرين : لا بأس بالسواك الرطب ، قيل : له طعم ؟ قال : والماء له طعم ، وأنت تمضمض به .
ابن سيرين هو محمد بن سيرين ، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، عن عبيد بن سهل الفداني ، عن عقبة بن أبي حمزة المازني قال : أتى محمد بن سيرين رجل فقال : ما ترى في السواك للصائم ؟ قال : لا بأس به ، قال : إنه جريدة وله طعم ، قال : الماء له طعم ، وأنت تمضمض به . فإن قلت : لا طعم للماء لأنه تفه . قلت : قال الله تعالى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وقال صاحب المجمل : الطعام يقع على كل ما يطعم حتى الماء . ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسا .
[11/15] أنس هو ابن مالك الصحابي ، والحسن هو البصري ، وإبراهيم هو النخعي ، ومسألة الكحل للصائم وقعت هنا استطرادا لا قصدا ، فلذلك لا تطلب فيها المطابقة للترجمة . أما التعليق عن أنس فرواه أبو داود في السنن من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس " عن أنس أنه كان يكتحل وهو صائم " وروى الترمذي عن أبي عاتكة " عن أنس : جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال : نعم . قال الترمذي : ليس إسناده بالقوي ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء ، وأبو عاتكة اسمه طريف بن سليمان ، وقيل : سليمان ، وقيل : سلمان بن طريف ، قال البخاري : هو منكر الحديث . وقال أبو حاتم الرازي : ذاهب الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وروى ابن ماجه بسند صحيح : لا بأس به ، عن عائشة قالت : " اكتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم " . وفي كتاب الصيام لابن أبي عاصم بسند لا بأس به من حديث نافع " عن ابن عمر : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مملوءتان من الإثمد في رمضان وهو صائم " . فإن قلت : يعارض هذا حديث رواه أبو داود ، عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هودة ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم . وقال : " ليتقه الصائم " . قلت : قال أبو داود : قال لي يحيى بن معين : هذا حديث منكر ، وقال الأثرم عن أحمد : هذا حديث منكر ؛ فلا معارضة حينئذ ، وروى ابن عدي في الكامل والبيهقي من طريقه والطبراني في الكبير من رواية حبان بن علي ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالإثمد وهو صائم ، ومحمد هذا قال فيه البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وروى الحارث بن أبي أسامة ، عن أبي زكريا يحيى بن إسحاق ، حدثنا سعيد بن زيد ، عن عمرو بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب وعن حبيب بن ثابت ، عن نافع ، " عن ابن عمر قال : انتظرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج في رمضان إلينا فخرج من بيت أم سلمة وقد كحلته وملأت عينيه كحلا " وليس هذان الحديثان صريحين في الكحل للصائم ، إنما ذكر فيهما رمضان فقط ، ولعله كان في رمضان في الليل والله أعلم ، وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا " قال البيهقي : إسناده ضعيف ، وفيه روى الضحاك ، عن ابن عباس والضحاك لم يلق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وروى ابن الجوزي في كتاب فضائل الشهور من حديث أبي هريرة في حديث طويل فيه : صيام عاشوراء والاكتحال فيه قال ابن ناصر : هذا حديث حسن عزيز ، رجاله ثقات ، وإسناده على شرط الصحيح ، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات ، وقال شيخنا والحق ما قاله ابن الجوزي وأنه حديث موضوع وروى الطبراني في الأوسط من حديث بريرة " قالت : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يكتحل بالإثمد وهو صائم " وأما أثر الحسن فوصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عنه قال : " لا بأس بالكحل للصائم " وأما أثر إبراهيم فاختلف عنه فروى سعيد بن منصور ، عن جرير " عن القعقاع بن يزيد : سألت إبراهيم أيكتحل الصائم ؟ قال : نعم . قلت : أجد طعم الصبر في حلقي ، قال : ليس بشيء " وروي عن أبي شيبة ، عن حفص ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : لا بأس بالكحل للصائم ما لم يجد طعمه . وأما حكم المسألة فقد اختلفوا في الكحل للصائم ، فلم ير الشافعي به بأسا سواء وجد طعم الكحل في الحلق أم لا ، واختلف قول مالك فيه في الجواز والكراهة قال في المدونة : يفطر ما وصل إلى الحلق من العين ، وقال أبو مصعب : لا يفطر ، وذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى كراهة الكحل للصائم ، وحكي عن أحمد أنه إذا وجد طعمه في الحلق أفطر ، وعن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور يجوز بلا كراهة ، وأنه لا يفطر به سواء وجد طعمه أم لا ، وحكى ابن المنذر ، عن سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى أنهم قالوا : يبطل صومه ، وقال ابن قتادة : يجوز بالإثمد ويكره بالصبر ، وفي سنن أبي داود ، عن الأعمش قال : ما رأيت أحدا من أصحابنا يكره الكحل للصائم . 38 - حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن وهب قال : حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة وأبي بكر قالت عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر [11/16] جنبا في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم .
مطابقته للترجمة ظاهرة وقد مضى هذا الحديث قبل هذا الباب ببابين في باب الصائم يصبح جنبا ، وتقدمت المباحث فيه هناك ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعروة هو ابن الزبير بن العوام ، وأبو بكر هو ابن عبد الرحمن بن الحارث . قوله : " من غير حلم " بضم الحاء تقديره من جنابة من غير حلم ، فاكتفى بالصفة عن الموصوف لظهوره .
|