باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس

أي : هذا باب في بيان رفع معرفة ليلة القدر ، وإنما قيد بالمعرفة لئلا يظن أنها رفعت بالكلية ، وإنما رفعت معرفتها أي : معرفة تعيينها .
قوله : " لتلاحي الناس " أي : لأجل مخاصمتهم والتلاحي والملاحات المخاصمة والمعاولة يقال : لحيت الرجل ألحاه لحيا إذا لمته وعذلته ولاحيته ملاحاة ولحاء إذا نازعته .
128 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا خالد بن الحارث قال : حدثنا حميد قال : حدثنا أنس ، عن عبادة بن الصامت قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال : خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا : وخالد بن الحارث الهجيمي مر في الجمعة .
والحديث مضى في كتاب الإيمان في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر فإنه أخرجه هناك عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، عن عبادة بن الصامت وقد مر الكلام فيه هناك .
قوله : " أنس عن عبادة بن الصامت ، وهناك أنس أخبرني عبادة بن الصامت " كذا رواه أكثر أصحاب حميد عن أنس عن عبادة ، ورواه مالك فقال : عن حميد ، عن أنس قال : خرج علينا ولم يقل عن عبادة فجعل الحديث من مسند أنس ، وقال أبو عمر : والصواب إثبات عبادة وأن الحديث من مسنده .
قوله : " فتلاحى رجلان " وفي رواية أبي نضرة ، عن أبي سعيد عند مسلم : " فجاء رجلان يختصمان معهما الشيطان " قوله : " فلان وفلان " قيل : هما عبد الله بن أبي حدرد ، وكعب بن مالك .
قوله : " فرفعت " أي : من قلبي فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين ، وقيل : المعنى رفعت بركتها في تلك السنة ، وقيل : التاء في رفعت للملائكة لا لليلة .
وقال الطيبي : قال بعضهم : رفعت أي : معرفتها والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها فإذا وقعت لم يكن لرفعها معنى قال : ويمكن أن يقال المراد برفعها أنها شرعت أن تقع فلما تخاصما رفعت فنزل الشروع منزلة الوقوع انتهى ، قلت : هذا القول الذي نقله الطيبي هو موافق للترجمة على ما لا يخفى ، فإن قلت : هذا الحديث يدل على أن سبب الرفع هو ملاحاة الرجلين وقد روى مسلم من طريق أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " أريت ليلة القدر ثم أيقظني أهلي فنسيتها " وهذا يدل على أن سبب الرفع هو النسيان قلت : يمكن أن يحمل على التعدد بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة مناما فيكون سبب النسيان الإيقاظ ، وأن تكون الرؤيا في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النسيان ما ذكر من المخاصمة ، ويمكن أن يحمل على اتحاد القضية ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين فإن قلت : لما تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها في تلك السنة فهل أعلم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك بتعيينها قلت : روي عن ابن عيينة أنه أعلم بعد ذلك بتعيينها ، فإن قلت : روى محمد بن نصر من طريق واهب المعافري أنه سأل زينب بنت أم سلمة هل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم ليلة القدر فقالت : لا لو علمها لما قام الناس في غيرها قلت : الذي قالته زينب إنما قالته احتمالا ، وهذا لا ينافي علمه بذلك .
قوله : " وعسى أن يكون خيرا لكم " يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل هو خير من هذه الجهة قاله ابن بطال ، وقال ابن التين : لعله يريد أنه لو أخبرهم بعينها لأقلوا من العمل في غيرها وأكثروه فيها وإذا غيبت عنهم أكثروا العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها .
قوله : " فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة " يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير فتكون ليلة تسع وعشرين ، ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر فيكون ليله إحدى أو ثنتين بحسب تمام الشهر ونقصانه .