|
73 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال : خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه ، حتى أتى سوق بني قينقاع ، فجلس بفناء بيت فاطمة ، فقال : أثم لكع ، أثم لكع ؟ فحبسته شيئا ، فظننت أنها تلبسه سخابا أو تغسله ، فجاء يشتد ، حتى عانقه وقبله ، وقال : اللهم أحببه ، وأحب من يحبه .
مطابقته للترجمة في قوله : " حتى أتى سوق بني قينقاع " . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعبيد الله بن أبي يزيد - من الزيادة - قد مر في باب وضع الماء عند الخلاء . والحديث أخرجه البخاري أيضا في للباس ، عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي . وأخرجه مسلم في الفضائل ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان به . وعن أحمد بن حنبل عنه ببعضه . وأخرجه النسائي في المناقب ، عن حسين بن حرب . وأخرجه ابن ماجه في السنة ، عن أحمد بن عبدة ، عن سفيان نحوه مختصرا . ( ذكر معناه ) : قوله : " عن عبيد الله " وفي رواية مسلم " عن سفيان ، حدثني عبيد الله " . قوله : " نافع بن جبير " هو المذكور في الحديث الأول ، وليس له عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث . قوله : " الدوسي " بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة : نسبة أبي هريرة إلى دوس بن عدنان بن عبد الله ، قبيلة في الأزد . قوله : " في طائفة النهار " أي في قطعة منه ، قال الكرماني : وفي بعضها " في صائفة النهار " أي حر النهار ، يقال : يوم صائف أي حار . ( قلت ) : هذا هو الأوجه . قوله : " لا يكلمني ولا أكلمه " أما من جانب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلعله كان مشغول الفكر بوحي أو غيره ، وأما من جانب أبي هريرة فللتوقير ، وكان ذلك شأن الصحابة إذا لم يروا منه نشاطا . قوله : " فجلس بفناء بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها " الفناء - بكسر الفاء بعدها نون ممدودة - اسم للموضع المتسع الذي أمام البيت ، وقال الداودي : سقط بعض الحديث عن الناقل ، وإنما أُدخل حديث في حديث ؛ إذ ليس بيت فاطمة في سوق بني قينقاع ، إنما بيتها بين بيوت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قيل : ليس فيه إدخال حديث في حديث ، ولكن فيه بعض سقط ، ورواية مسلم تبينه ، ولفظه : عن سفيان " حتى جاء سوق بني قينقاع ، ثم [11/240] انصرف حتى أتى فناء فاطمة رضي الله تعالى عنها " . وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان ، فقال فيه : " حتى إذا أتى فناء بيت عائشة ، فجلس فيه " ، والأول أرجح . قوله : " فقال : أثم لكع " أي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأراد به الحسن ، وقيل : الحسين ، على ما سيأتي ، والهمزة في " أثم " للاستفهام ، و " ثم " بفتح الثاء المثلثة اسم يشار به إلى المكان البعيد ، وهو ظرف لا يتصرف ؛ فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ و " لكع " بضم اللام وفتح الكاف وبالعين المهملة قال الأصمعي : الكلع العيس الذي لا يتجه لنظر ولا لغيره ، مأخوذ من الملاكيع ، وهو الذي يخرج مع السلا من البطن ، وقال الأزهري : القول قول الأصمعي ، ألا ترى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للحسن وهو صغير : أين لكع ؟ أراد أنه لصغره لا يتجه لمنطق ، ولا ما يصلحه ، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد . وعلم منه أن اللئيم يسمى لكعا أيضا ، وكذلك العبد يسمى به ، وفي ( التلويح ) : الأشبه والأجود أن يحمل الحديث على ما قاله بلال بن جرير الخطفي - وسئل عن اللكع ، فقال - : في لغتنا هو الصغير ، قال الهروي : وإلى هذا ذهب الحسن إذا قال الإنسان : يا لكع ، يريد : يا صغير ، ويقال للمرأة : لكيعة ولكعاء ولكاع وملكعانة ، ذكره في ( الموعب ) ، وقال سيبويه : لا يقال : ملكعانة إلا في النداء . وعن ابن يزيد : اللكع الفلو ، والأنثى لكعة ، وفي ( المحكم ) اللكع المهر ، وفي ( الجامع ) أصل اللكع من الكلع ، ولكن قلب . قوله : " فحسبته شيئا " أي فحبست فاطمةُ الحسَنَ ، أي منعته من المبادرة إلى الخروج إليه قليلا . قوله : " فظننت " قائله أبو هريرة " أنها " أي أن فاطمة " تلبسه " بضم التاء من الإلباس أي تلبس الصغير " سخابا " بكسر السين المهملة وبالخاء المعجمة الخفيفة وبعد الألف باء موحدة ، قال الخطابي : هي قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة ، وقال الداودي : من قرنفل ، وقال الهروي : هي قلادة من خيط فيها خرز ، تلبسه الصبيان والجواري ، وروى الإسماعيلي ، عن ابن أبي عمر أحد رواة هذا الحديث قال : السخاب شيء يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح . قوله : " أو تغسله " بالتشديد . وفي رواية الحميدي " وتغسله " بالواو . قوله : " فجاء يشتد " أي يسرع في المشي . وفي رواية عمر بن موسى عند الإسماعيلي " فجاء الحسن أو الحسين " وقد أخرجه مسلم ، عن ابن أبي عمر ، فقال في روايته : " أثم لكع " يعني حسنا ، وكذا قال الحميدي في ( مسنده ) وسيأتي في اللباس من طريق ورقاء ، عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ " فقال : أين لكع ؟ ادع لي الحسن بن علي ، فقام الحسن بن علي يمشي " . قوله : " حتى عانقه " وفي رواية ورقاء ، عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ " فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده هكذا " أي مدها " فقال الحسن بيده هكذا ، فالتزمه " . قوله : " اللهم أحبه " بلفظ الدعاء وبالإدغام . وفي رواية الكشميهني " أحببه " بفك الإدغام ، وزاد مسلم عن ابن أبي عمر " فقال : اللهم إني أحبه فأحبه " . قوله : " وأحب " أمر أيضا وقوله : " من يحبه " في محل النصب مفعوله . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه بيان ما كان الصحابة عليه من توقير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والمشي معه . وفيه ما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه من التواضع من الدخول في السوق ، والجلوس بفناء الدار ، ورحمته الصغير ، والمزاح معه ، وقال السهيلي : وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمزح ، ولا يقول إلا حقا ، وهاهنا أراد تشبيهه بالفلو والمهر ؛ لأنه طفل ، وإذا قصد بالكلام التشبيه لم يكن إلا صدقا . وفيه جواز المعانقة وفيها خلاف ، فقال محمد بن سيرين وعبد الله بن عون وأبو حنيفة ومحمد : المعانقة مكروهة ، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي حدثنا سويد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا حنظلة بن عبيد الله " عن أنس بن مالك قال : قال رجل : يا رسول الله ، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه ، أفينحني له ؟ فقال : لا ، قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا ، قال : أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم " قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقال الشعبي وأبو مجلز لاحق بن حميد وعمرو بن ميمون والأسود بن هلال وأبو يوسف : لا بأس بالمعانقة ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي حدثنا فهد قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، وقال : حدثنا أسد بن عمرو ، عن مجالد بن سعيد ، عن عامر ، عن عبد الله بن جعفر " عن أبيه قال : لما قدمنا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عند النجاشي تلقاني ، فاعتنقني " ورجاله ثقات ، ومجالد بن سعيد وثقه النسائي ، وروى له الأربعة . وروى الطحاوي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يتعانقون ، قال : فدل ذلك على أن ما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إباحة المعانقة كان متأخرا عما روي عنه من النهي عن ذلك ، وفي ( التلويح ) : معانقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحسن إباحة ذلك ، [11/241] وأما معانقة الرجل للرجل فاستحبها سفيان ، وكرهها مالك قال : هي بدعة . وتناظر مالك وسفيان في ذلك ، فاحتج سفيان بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك بجعفر ، قال مالك : هو خاص له ، فقال : ما يخصه بغير ذلك ؟ فسكت مالك . وقال صاحب ( الهداية ) : الخلاف في المعانقة في إزار واحد ، وأما إذا كان على المعانق قميص أو جبة لا بأس باتفاق أصحابنا ، وهو الصحيح . وفيه جواز التقبيل . قال الفقيه أبو الليث في ( شرح الجامع الصغير ) : القبلة على خمسة أوجه : قبلة تحية ، وقبلة شفقة ، وقبلة رحمة ، وقبلة شهوة ، وقبلة مودة ؛ فأما قبلة التحية فكالمؤمِنَيْنِ يقبل بعضهما بعضا على اليد ، وقبلة الشفقة قبلة الولد لوالده أو لوالدته ، وقبلة الرحمة قبلة الوالد لولده والوالدة لولدها على الخد ، وقبلة الشهوة قبلة الزوج لزوجته على الفم ، وقبلة المودة قبلة الأخ والأخت على الخد . وزاد بعضهم من أصحابنا : قبلة ديانة ، وهي القبلة على الحجر الأسود . وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في جواز التقبيل ، ولكن محل ذلك إذا كان على وجه المبرة والإكرام ، وأما إذا كان على وجه الشهوة فلا يجوز ، إلا في حق الزوجين ، وأما المصافحة فلا بأس بها بلا خلاف ؛ لأنها سنة قديمة وروى الطبراني في الأوسط من حديث حذيفة بن اليمان ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه ، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر " . قال سفيان : قال عبيد الله : أخبرني أنه رأى نافع بن جبير أوتر بركعة .
هذا موصول بالإسناد المذكور . وسفيان هو ابن عيينة ، وعبيد الله هو ابن أبي يزيد المذكور في الحديث . وقد تقدم الراوي على قوله : " أخبرني أنه " وهذا لا يضر ، وفائدة إيراد هذه الزيادة التنبيه على لقي عبيد الله لنافع بن جبير ، فلا تضر العنعنة في الطريق الموصول ؛ لأن ما ثبت لقاؤه لمن حدث عنه ولم يكن مدلسا حملت عنعنته على السماع اتفاقا ، وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه . وقال الكرماني : ما وجه ذكر الوتر في هذا الباب ؟ ثم أجاب بأنه لما روى عن نافع انتهز الفرصة لبيان من ثبت منه مما اختلف في جوازه . انتهى . ( قلت ) : لا وجه لما ذكره أصلا ، والوجه ما ذكرناه .
|