|
باب بيع الغرر وحبل الحبلة
أي هذا باب في بيان حكم بيع الغرر وبيان حكم بيع حبل الحبلة . " الغرر " بفتح الغين المعجمة وبراءين أولاهما مفتوحة . [11/264] وهو في الأصل الخطر من غر يغر بالكسر ، والخطر هو الذي لا يدرى أيكون أم لا ، وقال ابن عرفة : الغرر هو ما كان ظاهره يغر وباطنه مجهول ، ومنه سمي الشيطان غرورا لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء ، قال : والغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وباطنه مكروه أو مجهول ، وقال الأزهري : بيع الغرر ما يكون على غير عهدة ولا ثقة ، قال : ويدخل فيها البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان ، وقال صاحب المشارق : بيع الغرر بيع المخاطرة ، وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله . وقال أبو عمر : بيع يجمع وجوها كثيرة منها المجهول كله في الثمن أو المثمن إذا لم يوقف على حقيقة جملته ، ومنها بيع الآبق والجمل الشارد والحيتان في الآجام والطائر غير الداجن ، قال : والقمار كله من بيع الغرر ، وحكى الترمذي عن الشافعي أن بيع السمك في الماء من بيوع الغرر وبيع الطير في السماء والعبد الآبق ، وقال شيخنا : ما حكاه الترمذي عن الشافعي من أن بيع السمك في الماء من بيوع الغرر ، وهو فيما إذا كان السمك في ماء كثير بحيث لا يمكن تحصيله منه ، وكذا إذا كان يمكن تحصيله ولكن بمشقة شديدة ، وأما إذا كان في ماء يسير بحيث يمكن تحصيله منه بغير مشقة فإنه يصح لأنه مقدور على تحصيله وتسليمه ، وهذا كله إذا كان مرئيا في الماء القليل بأن يكون الماء صافيا ، فأما إذا لم يكن مرئيا بأن يكون كدرا فإنه لا يصح بلا خلاف كما قاله النووي والرافعي . ( قلت ) : بيع الآبق يصح إذا كان البائع والمشتري يعرفان موضعه ، كذا قاله أصحابنا ، وقال شيخنا : يدخل في بيع الطير في السماء بيع حمام البرج في حال طيرانه وإن جرت عادته بالرجوع لأنه يجوز أن لا يرجع ، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى صحة البيع لجريان العادة برجوعه ، وأما إذا كان في البرج فحكمه حكم بيع السمك في الماء اليسير ، فإن كان فيه كوى مفتوحة لا يؤمن خروجه لم يصح ، وإن لم يمكنه الخروج ، ولكن كان البرج كبيرا بحيث يحصل التعب والمشقة في تحصيله لم يصح أيضا ، قال : وفرق الأصحاب بين بيع الحمام في حال غيبته عن البرج وبين بيع النحل في حال غيبته عن الكوارة ، فصححوا المنع في حمام البرج وصححوا الصحة في بيع النحل ، والفرق بينهما أن الطير تعترضه الجوارح في خروجه بخلاف النحل ، وقيد ابن الرفعة في المطلب صحة بيع النحل فيما إذا كانت أم النحل في الكوارة ، فإذا لم تكن لا يصح . فإن ( قلت ) : لم يذكر في الباب بيع الغرر صريحا وذكره في الترجمة لماذا ؟ ( قلت ) : لما كان في حديث الباب النهي عن بيع حبل الحبلة ، وهو نوع من أنواع بيع الغرر ذكر الغرر الذي هو عام ، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام لينبه بذلك على أن أنواع الغرر كثيرة ، وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع ممنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة . وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الغرر . منها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : " نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر " وأخرجه الأربعة أيضا . ومنها حديث ابن عمر رواه البيهقي من حديث نافع عنه قال : " نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع الغرر " . ومنها حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أخرجه ابن ماجه من حديث عطاء عنه قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر " . ومنها حديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه أيضا من حديث شهر بن حوشب عنه قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع ، وعما في ضروعها إلا بكيل ، وعن شراء العبد وهو آبق ، وعن شراء المغانم حتى تقسم ، وعن شراء الصدقات حتى تقبض ، وعن ضربة القانص " . ومنها حديث علي - رضي الله تعالى عنه - أخرجه أبو داود ، وفيه قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع التمرة قبل أن تدرك . ومنها حديث ابن مسعود ، أخرجه أحمد عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – : " لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر " . ومنها حديث عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنه - أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب البيوع أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن بيع ما في ضروع الماشية قبل أن تحلب ، وعن بيع الجنين في بطون الأنعام ، وعن بيع السمك في الماء ، وعن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة ، وعن بيع الغرر " . 93 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي [11/265] الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع حبل الحبلة .
مطابقته للجزء الثاني للترجمة ظاهرة ، بل هي جزء من الحديث ، والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا ، عن القعنبي ، عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم ، عن مالك ، وليس التفسير في حديث القعنبي . قوله : " حبل الحبلة " بفتح الباء الموحدة فيهما وحكى النووي إسكان الباء في الأول ، وهو غلط ، والصواب الفتح ، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها وينتج الذي في بطنها ، فسر ذلك نافع ، وذكر ابن السكيت وأبو عبيد أن الحبل مختص بالآدميات ، وإنما يقال في غيرهن الحمل ، قال ابن السكيت : إلا في حديث : نهى عن بيع حبل الحبلة ، وذلك أن تكون الإبل حوامل فيبيع حبل ذلك الحبل ، وفي المحكم : كل ذات ظفر حبلى ، قال الشاعر . . ( قلت ) : الذيخ بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ذكر الضباع ، والأنثى ذيخة . قوله : مجح بضم الميم وكسر الجيم وفي آخره حاء مهملة مشددة ، قال أبو زيد : قيس كلها تقول لكل سبعة إذا حملت فأقربت وعظم بطنها قد أجحت فهي مجح ، والمقرب بكسر الراء إذا قربت ولادتها ، وقال ابن دريد : يقال لكل أنثى من الإنس وغيرهم : حبلت ، وكذا ذكره الهروي والأخفش في نوادرهما ، وفي الجامع : امرأة حبلى وسنور حبلى ، وأنشد :
| إن في دارنا ثلاث حبالى | | فوددنا لو قد وضعن جميعا | | جارتي ثم هرتي ثم شاتي | | فإذا ما وضعن كن ربيعا | | جارتي للمخيض والهر للفار | | وشاتي إذا اشتهيت مجيعا | وحكاه في الموعب عن صاحب العين والكسائي ، وهذا يرد قول النووي : اتفق أهل اللغة أن الحبل مختص بالآدميات ، وفي الغريبين أن الحبل يراد به ما في بطون النوق ، أدخلت فيها الهاء للمبالغة كما تقول نكحة وسخرة ، وقال صاحب مجمع الغرائب : ليس الهاء في الحبلة على قياس نكحة ، ولا مبالغة هاهنا في المعنى ، ولعل الهروي طلب لزيادة الهاء وجها فأطلق ذلك من غير تثبت ، وفي المغرب : حبل الحبلة مصدر حبلت المرأة ، وإنما أدخلت التاء لإشعار الأنوثة ؛ لأن معناه أن يبيع ما سوف تحمله الجنين إن كان أنثى ، وقال بعضهم : الحبلة جمع حابل مثل ظلمة وظالم وكتبة وكاتب والهاء للمبالغة . ( قلت ) : ليس كذلك ، وقد قال ابن الأثير : الحبلة بالتحريك مصدر سمي به المحمول كما سمي بالحمل ، وإنما دخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه ، فالحبل الأول يراد به ما في بطون النوق من الحمل والثاني حبل الذي في بطون النوق . ( ويستفاد منه ) أنه من بيع الغرر فلا يجوز ، قال النووي : النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا ( قلت ) : وقد ذكرنا أنواعا من ذلك عن قريب ، قال : ومن بيوع الغرر ما اعتاده الناس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلا ، فإنه لا يصح ؛ لأن الثمن ليس حاضرا فيكون من المعاطاة ولم توجد صيغة يصح بها العقد ( قلت ) : هذا الذي ذكره لا يعمل به ؛ لأن فيه مشقة كثيرة على الناس ، وحضور الثمن ليس بشرط لصحة العقد ، وبيع المعاطاة صحيح ، وجميع الناس اليوم في الأسواق بالمعاطاة ، يأتي رجل إلى بايع فيشتري منه جملة قماش بثمن معين فيدفع الثمن ويأخذ المبيع من غير أن يوجد لفظ بعت واشتريت ، فإذا حكمنا بفساد هذا العقد يحصل فساد كثير في معاملات الناس ، وروى الطبري عن ابن سيرين بإسناد صحيح قال : لا أعلم ببيع الغرر بأسا ، وقال ابن بطال : لعله لم يبلغه النهي وإلا فكل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد لم يصح ، وكذلك إذا كان لا يصح غالبا ، فإن كان يصح غالبا كالثمرة في أول بدو صلاحها أو كان يسيرا تبعا كالحمل مع الحامل جاز لقلة الغرر ، ولعل هذا هو الذي أراد ابن سيرين ، لكن يمنع من ذلك ما رواه ابن المنذر عنه أنه قال : لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا ، فهذا يدل على أنه بيع الغرر إن سلم في المآل . وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية ، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ، ثم تنتج التي في بطنها .
أي كان بيع حبل الحبلة بيعا يتبايعه أهل الجاهلية . قوله : " كان الرجل " إلى آخره ، بيان لقوله : وكان بيعا . قوله : " يبتاع [11/266] الجزور " بفتح الجيم ، وهو واحد الإبل ، يقع على الذكر والأنثى ( فإن قلت ) : ذكر الجزور قيد أم لا ؟ ( قلت ) : لا ؛ لأن حكم غير الجزور مثل حكمه ، وإنما هو مثال ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون قيدا ( قلت ) : هذا احتمال غير ناشئ عن دليل فلا يعتبر به ، وإنما مثل به لكثرة الجزور عندهم . قوله : " إلى أن تنتج الناقة " بضم أوله وفتح ثالثه أي : تلد ولدا ، وهو على صيغة المجهول ، والناقة مرفوع بإسناد تنتج إليها ، قال الجوهري : نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا ، وقد نتجها أهلها نتجا إذا تولوا نتاجها بمنزلة القابلة للمرأة فهي منتوجة ، ونتجت الفرس إذا حان نتاجها ، وقال يعقوب : إذا استبان حملها ، وكذلك الناقة فهي نتوج ، ولا يقال منتج ، وأتت الناقة على منتجها أي : الوقت الذي تنتج فيه ، وهو مفعل بكسر العين ، ويقال للشاتين إذا كانتا سنا واحدا هما نتيجة وغنم فلان نتاج أي : في سن واحدة ، وحكى الأخفش نتج وأنتج بمعنى ، وجاء في الحديث : فأنتج هذان وولد هذا ، وقد أنكره بعضهم ، يعني أن الصواب كونه ثلاثيا ( قلت ) : هذا في حديث الأقرع والأبرص . قوله : " ثم تنتج التي في بطنها " أي : ثم تعيش المولودة حتى تكبر ، ثم تلد ، قيل : هذا زائد على رواية عبد الله بن عمر فإنه اقتصر على قوله : ثم تحمل التي في بطنها ، ورواية جويرية أخصر منها ولفظه : أن تنتج الناقة ما في بطنها ، وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيب فيما رواه عنه مالك ، وقال به مالك والشافعي وجماعة ، وهو أن يبيع بثمن إلى أن تلد الناقة ، وقال آخرون : أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد وتحمل ولدها ، ولم يشترطوا وضع حمل الولد ، وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة : هو بيع ولد نتاج الدابة ، والمنع في هذا أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه ، ثم اعلم أن قوله : " وكان بيعا " إلى آخره ، هكذا وقع في الموطأ تفسيرا متصلا بالحديث ، وقال الإسماعيلي : هو مدرج ، يعني أن التفسير من كلام نافع ، وقال الخطيب : تفسير حبل الحبلة ليس من كلام عبد الله بن عمر ، إنما هو من كلام نافع أدرج في الحديث ، ثم رواه من طريق أبي سلمة التبوذكي حدثنا جويرية ، عن نافع ، عن عبد الله أن أهل الجاهلية كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك ، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث والترمذي والنسائي من رواية أيوب ، كلاهما عن نافع بدون التفسير ، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر بدون التفسير أيضا ، والله أعلم .
|
|
|