|
باب بيع العبد الزاني
أي هذا باب في جواز بيع العبد الزاني مع بيان عيبه . وقال شريح : إن شاء رد من الزنا .
شريح هو ابن الحارث الكندي القاضي ، وقد مر غير مرة ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح من طريق ابن سيرين أن رجلا اشترى من رجل جارية كانت فجرت ، ولم يعلم بذلك المشتري ، فخاصمه إلى شريح فقال : إن شاء رد من الزنا ( قلت ) : وعند الحنفية الزنا عيب في الأمة دون الغلام لأنه يخل بالمقصود منها ، وهو الاستفراش وطلب الولد ، والمقصود من الغلام الاستخدام ، وكذلك إذا كانت بنت الزنا فهو عيب ، وعند محمد في الأمالي : لو اشترى جارية بالغة وكانت قد زنت عند البائع فللمشتري أن يردها وإن لم تزن عنده ؛ للحوق العار بالأولاد ، ولكن المذهب أن العيوب كلها لا بد لها من المعاودة عند المشتري حتى يرد إلا الزنا في الجارية كما ذكره محمد . 102 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمعه يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ، ولا يثرب ، ثم إن زنت فليجلدها ، ولا يثرب ، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر .
مطابقته للترجمة في قوله : " فليبعها " فإنه يدل على جواز بيع الزاني ، وفيه الإشعار بأن الزنا عيب . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، واسم أبي سعيد كيسان المديني مولى بني ليث ، وكان سعيد يسكن المقبرة فنسب إليها . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، وفي المحاربين ، عن عبد الله بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الحدود ، وأخرجه النسائي ، عن عيسى بن حماد ، وقال الدارقطني : رواه ابن جريج وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن إسحاق وأيوب بن موسى ومحمد بن عجلان وابن أبي ذئب وعبيد الله بن عمر فقالوا : عن سعيد ، عن أبي هريرة ، لم يذكروا أبا سعيد ، وفي مسلم كذلك . ( ذكر معناه ) قوله : " فتبين زناها " أي : بالبينة أو بالحبل أو بالإقرار . قوله : " فليجلدها " وفي رواية أيوب بن موسى : فليجلدها الحد ، قال أبو عمر : لا نعلم أحدا ذكر فيه الحد غيره . قوله : " ولا يثرب " من التثريب بالثاء المثلثة بعد التاء المثناة من فوق ، وهو التعيير والاستقصاء في اللوم ، أي : لا يزيد في الحد ، ولا يؤذيها بالكلام ، وقال الخطابي : معناه أن لا يقتصر على التثريب ، بل يقام عليها الحد . قوله : " ولو بحبل " أي : ولو كان البيع بحبل من شعر ، وهذا مبالغة في التحريض ببيعها ، وذكر الحبل بمعنى التقليل والتزهيد عن الزانية . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز بيع الزاني ، وقال أهل الظاهر : البيع واجب ، وفيه أن الزنا عيب في الجارية ، وقد ذكرنا أنه ليس بعيب في الغلام إلا إذا كان معتادا به ، وفيه أن الزانية تجلد ، وممن كان يجلدها إذا زنت أو يأمر برجمها ابن مسعود وأبو برزة وفاطمة وابن عمر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي وأشياخ الأنصار وعبد الرحمن بن أبي ليلى [11/278] وعلقمة والأسود وأبو جعفر محمد بن علي أبو ميسرة . واختلف العلماء في العبد إذا زنى هل الزنا عيب فيه يجب رده به أم لا ؟ فقال مالك : هو عيب في العبد والأمة ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور ، وقول الشافعي : كل ما ينقص من الثمن فهو عيب ، وقالت الحنفية : هو عيب في الجارية دون الغلام كما ذكرناه ، ثم هل يجلدها السيد أم لا ؟ فقال مالك والشافعي وأحمد : نعم وقال أبو حنيفة : لا يقيم الجلد أو الحد إلا الإمام بخلاف التعزير ، واحتج بحديث : أربع إلى الوالي ، فذكر منها الحدود . وهل يكتفي السيد بعلم الزنا أم لا ؟ فيه روايتان عند المالكية ، ولم يذكر في الحديث عدد الجلد ، وروى النسائي أن رجلا أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : إن جاريتي زنت وتبين زناها قال : اجلدها خمسين ، ثم أتاه فقال : عادت وتبين زناها ، قال : اجلدها خمسين ، ثم أتاه فقال : عادت ، قال : بعها ولو بحبل من شعر ، والأمة لا ترجم سواء كانت متزوجة أم لا . والزاني إذا حد ، ثم زنى ثانيا لزمه حد آخر ، على ذلك الأئمة الأربعة ، والإحصان في الرجم شرط ، والشروط سبعة الحرية والعقل والبلوغ والإسلام ، وعن أبي يوسف أنه ليس بشرط ، وبه قال الشافعي وأحمد ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين ، قلنا : كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وصار منسوخا بها ، ثم نسخ الجلد في حق المحصن . والشرط الخامس الوطء ، والسادس أن يكون الوطء بنكاح صحيح ، والشرط السابع كونهما محصنين حالة الدخول ، حتى لو دخل بالمنكوحة الكافرة أو المملوكة أو المجنونة أو الصبية لم يكن محصنا ، وكذلك لو كان الزوج عبدا أو صبيا أو مجنونا أو كافرا ، وهي مسلمة عاقلة بالغة . ( فإن قلت ) : كيف يتصور أن يكون الزوج كافرا والمرأة مسلمة ؟ ( قلت ) : صورته أن يكونا كافرين فأسلمت المرأة ودخل بها الزوج قبل عرض الإسلام عليه . ومنه استنبط قوم جواز البيع بالغبن ، قالوا : لأنه بيع خطير بثمن يسير ، وقال القرطبي : هذا ليس بصحيح ؛ لأن الغبن المختلف فيه إنما هو مع الجهالة من المغبون ، وأما مع علم البائع بقدر ما باع وما قبض فلا يختلف فيه لأنه عن علم منه ورضى ، فهو إسقاط لبعض الثمن لا سيما أن الحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة ، وفيه ترك اختلاط الفساق وفراقهم ( فإن قلت ) : فما معنى أمره - صلى الله تعالى عليه وسلم - ببيع الأمة الزانية والذي يشتريها يلزمه من اجتنابها ومباعدتها ما يلزم البائع ، وكيف يكره شيئا ويرتضيه لأخيه المسلم ؟ ( قلت ) : لعل الثاني يصونها بهيبته أو بالإحسان إليها أو لعلها تستعف عند الثاني بأن يزوجها أو يعفها بنفسه ونحو ذلك .
|