|
باب تفسير العرايا
أي هذا باب في بيان تفسير العرايا ، وهو جمع عارية ، وقد استقصينا الكلام في هذا الباب في باب بيع الزبيب بالزبيب . وقال مالك : العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة ، ثم يتأذى بدخوله عليه ، فرخص له أن يشتريها منه بتمر .
مالك هو ابن أنس صاحب المذهب . قوله : " أن يعري " بضم الياء من الإعراء ، وهو الإعطاء ، يقال : عروت الرجل إذا أتيته تسأله معروفه " فأعراه " أي : أعطاه ، فالرجل الأول مرفوع لأنه فاعل ، والرجل الثاني منصوب لأنه مفعول ، وقوله : " النخلة " منصوب أيضا على المفعولية . قوله : " بتمر " بالتاء المثناة من فوق ، وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن مالك ، وروى الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره ، وكانت العادة أنهم يخرجون بأهلهم في وقت الثمار إلى البساتين ، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول : أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا ، فرخص له في ذلك . وقال ابن إدريس : العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد ، لا يكون بالجزاف ، ومما يقويه قول سهل ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة .
ابن إدريس هذا هو عبد الله الأودي الكوفي ، كذا قاله ابن التين وعليه الأكثرون ، وتردد ابن بطال فيه ، وجزم المزي في [11/306] التهذيب بأنه الشافعي حيث قال : هذا الكلام كله قول محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله تعالى عنه - ، وأن له هذا الموضع في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري وموضع آخر في كتاب الزكاة ، وكلام ابن بطال يدل على أن قوله : ومما يقويه إلى آخره من كلام البخاري لا من كلام ابن إدريس ، وقال ابن بطال : هذا إجماع فلا يحتاج إلى تقوية ، ولم يأت ذكر الأوساق الموسقة إلا في حديث مالك ، عن داود بن الحصين ، وفي حديث جابر من رواية ابن إسحاق لا في رواية ابن أبي حثمة ، وإنما يروى عن سهل من قوله من رواية الليث ، عن جعفر بن أبي ربيعة ، عن الأعرج قال : سمعت سهل بن أبي حثمة قال : لا يباع التمر في رؤوس النخل بالأوسق الموسقة إلا أوسق ثلاثة أو أربعة أو خمسة فيأكلها الناس وهي المزابنة . قوله : " لا يكون إلا بالكيل " أي : لا بد أن يكون معلوم القدر إذ لا بد من العلم بالمساواة . قوله : " يدا بيد " أي : لا بد من التقابض في المجلس . قوله : " بالجزاف " بضم الجيم وفتحها وكسرها ، وهو معرب كزاف . قوله : " ومما يقويه " أي : ومما يقوي كلام ابن إدريس بأنه لا يكون جزافا قول سهل بن أبي حثمة ، يعني في كونه مكيلا معلوم المقدار . قوله : " بالأوسق " جمع وسق ، جمع قلة ، وقوله : " الموسقة " تأكيد كقوله تعالى : وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ وكقول الناس : آلاف مؤلفة .
|